محتويات الإدراج الذي تريد إرساله:
هل انقلب بوش على بوش في أفغانستان ؟؟
أحمد موفق زيدان:
http://www.maktoobblog.com/ahmedzaidan
قبل الدخول في هذا التساؤل الذي قد يبدو غريباً وعجيباً للوهلة الأولى في عالم العجائب والغرائب ، أود أن التأكيد مرة جديدة على أن الوضع في أفغانستان شديد الخطورة ليس على الأميركيين فحسب ؛ وإنما حتى على المستوى الأوربي الذي استشعر ذلك حين عقد حلف الناتو وفي غضون شهر واحد فقط ثلاثة اجتماعات على المستوى الوزاري بهدف تعزيز وجوده العسكري في أفغانستان لمواجهة الأعمال العسكرية المتصاعدة على أيدي قوات طالبان والقاعدة ، لكن هذه الاجتماعات فشلت في إرسال العدد المطلوب لأرض المعركة ، ترافق ذلك مع تصريحات أحد القادة العسكريين البريطانيين لوسائل إعلامه :" إن شده وقوة المعارك في أفغانستان أكبر بكثير مما يجري في العراق " .
حسب المصادر الغربية فإن معدل قتلى التحالف الدولي في أفغانستان و الذي يبلغ عدد قواته 18500 جندي ، يصل إلى خمسة قتلى أسبوعياً ، وهو نفس المعدل الذي كان يقتل أيام الغزو السوفياتي لأفغانستان ، مع التذكير أن عدد القوات السوفياتية في تلك الفترة تجاوز المائة والثلاثين ألف جندياً ، ينضاف إليهم جيش أفغاني قوي آنذاك ، ومليشيات اثنية وعرقية متعددة .
بعد أن سلّمت القوات الأميركية استراتيجة قتال طالبان في الجنوب الغربي إلى قوات النيتو ، لجأت الآن إلى تسليمها كامل أفغنستان ، مبتعدة عن الواجهة الحربية ، هذا التطور يعد بنظر البعض تغيّراً وتبدّلاً ظاهرياً في السياسة الأمريكية ، على هذه الخلفية هل بإمكان الرئيس الأميركي جورج بوش أن يتغير ؟ وهل يعقل أن ينقلب بوش على بوش ، بعد الضغوط الكثيرة داخل أفغانستان من ناحية تكثيف العمليات العسكرية ، وتصريحات القادة العسكريين المعبرة عن الإحباط ، وصعوبة تحقيق النصر العسكري ؟ أم أن ما يجري جزء من المناورة التي ستسبق الأسابيع الخمسة المتبقية للانتخابات النصفية لمجلس الشيوخ الأميركي ؟ وهل ما تردد عن عزم الرئيس الأميركي الأخذ بنصيحة الرئيس الباكستاني برفيز مشرف في فتح صفحة سياسية جديدة مع طالبان دقيق وله رصيد في الواقع ؟ خصوصاً وقد أعقب ذلك زيارة قام بها زعيم الأغلبية الجمهورية عن ولاية فلوريدا بيل فريست إلى أفغانستان ، وخرج بنتيجة مؤدّاها أن الحل العسكري غير ممكن في أفغانستان ، ولا بد من تسوية سياسية مع طالبان .
تقرير فريست هذا تزامن مع ما نشرته صحيفة الصنداي تايمز البريطانية عن وجود هدنة بين مقاتلي طالبان والقوات البريطانية في منطقة موسى قلعة بولاية قندهار ، ووفقاً للرواية البريطانية فإن أهالي المنطقة يتولون الأمن فيها ، مع تعهد بانسحاب كل من القوات البريطانية والطالبانية منها ؛ لكن الناطق باسم طالبان نفى حصول هذا الاتفاق ، وشدد على أنه لا حوار مع قوات الاحتلال ؛ غير أن الاتفاق حصل على ما يبدو مع كبار رجال قبائل المنطقة ، إلا أن القوات البريطانية لم تلتزم بالاتفاق ، فبقيت قواتها داخل موسى قلعة ، وهو ما جعل الطالبان تهدد باجتياح المنطقة إن أصرت على البقاء فيها حتى يوم الجمعة المقبل .
الرئيس الباكستاني برفيز مشرف وخلال زيارته الأخيرة إلى الأمم المتحدة قدم تقريراً لافتاً ، تحدث فيه عن قوى ثلاث تقاوم قوات التحالف الدولي في أفغانستان ، وهو ما قرأه البعض على أنه ربما يكون مخرجاً للقوات الدولية ، أملاً في البدء بإطلاق مشروع للحوار والتفاوض ، خصوصاً وأن ذلك يأتي بعد اتفاق السلام الذي جرى بين القوات الباكستانية والمسلحين القبليين في شمال وزيراستان .
الرئيس الأفغاني حامد كارزاي الذي قد يكون الضحية الأولى لهذه الاستراتيجية في حال تطبيقها ، طرح فكرة عقد لويا جركا أو مجلس قبلي موسع على الحدود بين باكستان وأفغانستان ، على أن يشارك فيه شخصياً إلى جانب الرئيس برفيز مشرف ، لمخاطبة الحاضرين ودعوتهم إلى السلام الاستقرار .
اللافت أن ذلك اتّسق أيضاً مع كتاب للصحافي الأميركي بوب وودورد ، و الذي صدر له منذ مجيئ الرئيس بوش إلى السلطة ثلاث كتب يحكي فيها عن رئاسة بوش ؛ لكن بالتأكيد فإن كتابه الأخير " حالة نكران " لم يكن ودياً كما كان عليه الحال في كتابيه السابقين ، كتاب فتح النار فيه على بوش ومحازبيه ، ومما زاد من خطورة الكتاب والوضع المتألب على بوش أن الكتاب يأتي بعد سلسلة كتب تهاجم سياسة بوش ، بدءً من كتاب رئيس وحدة ملاحقة أسامة بن لادن سابقاً مايكل شوير الذي ألّف كتاباً أسماه " هوبرة إمبريالية " ، مروراً بكتاب كوبرا أثنين ، كذلك كتاب " الإخفاق " ، والآن كتاب " حالة نكران" ، وهي كلها كتب أحرجت سياسة بوش ، كما جاء الكتاب أيضاً مع تقييم الاسخبارات القومية الأميركية في أن العراق غدت نقطة جذب للإرهاب والإرهابيين ، وهو ما يخالف ما يروجه بوش وجماعته في أن الخطر القادم هو هجوم إرهابي على أميركا ، أملاً في لفت الانتباه عما يجري له في العراق وأفغانستان ، وهو ما قد يساعده في الانتخابات النصفية لمجلس الشيوخ .
هذه المناورة البوشية جاءت بعد تحذيرات كبار قادة الناتو في أفغانستان من مغبة الفشل هناك ، ينضاف إليها تحذيرات جنرالات سوفييت سابقين قاتلوا إبّان الغزو السوفياتي لأفغانستان في الثمانينيات ، وقد عكس تلك المخاوف قائد قوات الناتو في أفغانستان الجنرال ديفيد ريتشارد في مقابلة تلفزيونية معه حين قال :" علينا أن ندرك الحقيقة أننا سنفشل هنا ."
ونقلت مراسلة السي إن إن في البنتاغون عن مسئولين عسكريين في البنتاغون أخيراً قولهم : " إن الحل العسكري ليس حلاً للمشكلة الأفغانية ، وإنه لا بد من التوصل لتسوية مع طالبان . "
الآن على القوات الأميركية أن تعترف أنها على الرغم من كل الجهود الخارقة التي بذلتها في شرعنة حكومة كارزاي وسعيها إلى تهميش وتحييد عناصر التحالف الشمالي الأفغاني ، من أجل توسيع هامش مشاركة الأغلبية البشتونية ، إلا أنها فشلت في هذه المهمة ، فلا البشتون قبلوا بالمعادلة الأميركية الجديدة ، ولا التحالف الشمالي رضي عنهم ، فقد غضب من السياسة الأميركية هذه التي ترمي إلى تهميش دوره ، لكن هذا التحالف الشمالي آثر الصمت ، وظلت التراكمات تتراكم تحت السطح ، تظهر أحيانا عبر تصريحات رموز التحالف المعارضة للأميركيين وسياستهم هنا وهناك .
لكن يبدو أن المثل العربي القائل " من شب على شيء شاب عليه " هو السيد والطاغي في الحالة البوشية ، إذ من الصعب على الرئيس الأميركي أن يخلع جلده أو أن يغير سياسته التي سار عليها طوال السنوات الماضية ، خصوصاً مع تحذيرات بعض صنّاع القرار في السياسة الأميركية في أن التراجع يعني انتصار الأعداء من أمثال القاعدة وطالبان ، وبالتالي فإن الوضع سيكون أكثر كارثية على أميركا.
|