الأحداث التي تهز العالم وتزلزل استقراره حتى لو كان نسبياً ما من مقياس لها، على طريقة رايختر أو أي بارومتر آخر، لأن الإعلام هو ما يعطيها أضعاف حجمها الحقيقي أو يقزّمها بحيث تبدو عابرة.
في نهايات القرن العشرين ومطالع القرن الجديد، وقعت أحداث جسام منها ما أوشك أن يوقف الأرض عن الدوران، لكن التعامل معها يخضع لميزان وحواسيب قادرة على تحويل البصل إلى ذهب، والتراب إلى ماس.
عشرات الملايين من البشر شردوا عن أراضيهم، ومليارات مضغت ألسنتها من الجوع، وأعداد يصعب حصرها ممن انتهكت آدميتهم على امتداد خطوط الطول والعرض لهذا الكوكب المنكوب، لكن هؤلاء لا صوت لهم، إنهم الضحية الخرساء المطالبة على الدوام بالتأقلم من مصيرها المحتم، وعليها أحياناً أن تقدم ما تبقى من عظمها لشحذ السكاكين إذا تثلمت أو أصابها الذبح المتكرر بالعمى.
الإعلام وحده إذا كان ذا سطوة ونفوذ قادر على أن يجعل من الحبة قبّة، ومن البعير أرنباً وذلك من خلال القدرة على العزف على أوتار مشدودة، لهذا سيقف المؤرخون القادمون حائرين إزاء هذه العدسات المقعرة والمحدّبة التي تخضع الأحداث من خلالها إلى التكبير والتصغير. لقد وقعت في هذا العالم خلال العشرين سنة الماضية مجازر وكوارث وانتهاكات وإبادات جماعية أسهمت الميديا في جعلها هامشية، وذلك على طريقة قتل امرئ جريمة لا تغتفر وإبادة شعب برمته مسألة فيها نظر.
وهذا ما يدفعنا بين الوقت والآخر للعودة إلى ابن خلدون وما قاله عن الشك في روايات التاريخ، وضرورة الاحتكام إلى القرائن لترجيح رواية على أخرى.
كيف نصدق مثلاً بأن الإمبراطورية الرومانية سقطت، لأن البنسلين لم يكن مكتشفاً في تلك الأيام كما يقول أحد المؤرخين، وكيف نصدق الأسباب الخمسة التي يقدمها مؤرخون لسقوط الدولتين الأموية والعباسية إضافة إلى سقوط الأندلس بعد غروب شمس العرب عن غرناطة عام 1492؟
وكيف نصدق بأن هناك حروباً استمرت نصف قرن أو قرناً لأسباب تبدو تافهة وشخصية، أو لها علاقة بالحب والانتقام على مستوى شخصي محض؟
التاريخ أشد تعقيداً من أن يتحول إلى قصص مسلية، والبواعث الفعلية لممارسات البشر حتى لو كانوا من القادة والأباطرة أبعد مما يظن الرواة.
وعندما كتب مؤرخون غربيون أعلنوا العصيان على السائد السياسي والأيديولوجي في بلدانهم أن الحروب الصليبية وحملاتها لم تكن كما يقال لهم في الكتب المدرسية، دشنوا حقبة من الشك في المدون من الكتب، وكأنهم يرددون صرخة هيجل الذي قال في لحظة غضب: مزقوا كتب التاريخ، لأن المؤرخين يُملى عليهم ما يكتبون.
في الحادي عشر من سبتمبر/أيلول 2001 شطر التاريخ إلى ما قبل ذلك النهار وما بعده لكن الخامس عشر من مايو/أيار عام 1948 مجرد يوم عادي في تقاويم العولمة والقطعنة.
لقد اشتهر كتاب بعنوانه المثير ذات يوم لأنه قال بأن عشرة أيام قد هزت العالم.
بعده بفترة قصيرة، أصبح بإمكان عشر دقائق أن توقف كوكباً عن الدوران.