محتويات الإدراج الذي تريد إرساله:
مضاد للرئيس - خيري منصور
ما كتبه ريتشارد هاس عن الأعباء والتحديات التي تتربص بمن سيرث الرئيس بوش قد لا يكون جديداً، وإن كان أقرب إلى التوصل لحاصل جمع التفاصيل. فالهزيمة في العراق رغم وفرة أكاليل الغار الصناعي، والأزمة الاقتصادية التي توقظ في الذاكرة الأمريكية فوبيا أواخر العشرينات من القرن الماضي، ومتوالية الأعاصير هي القائمة التي يقدمها معارضو الرئيس بوش، لكن جديد ريتشارد هاس هو اقتراحه منهجاً معكوساً للمناظرات بين مرشحي الرئاسة الأمريكية ماكين وأوباما، فالأسئلة التي توجه إليهما هي غالباً عن المستقبل، وعما سوف يحدث أو يمكن حدوثه في ضوء قرائن وحيثيات، لهذا فهي ليست صالحة لقياس منسوب الوعي لدى المرشحين.
ما يقترحه هاس هو أن توجه إليهما أسئلة عن أحداث وقعت، ومنها ما مرّ على وقوعه نصف قرن.
إنه يريد معرفة رأي المرشحين الأمريكيين في حرب فيتنام، وفي الحرب الباردة، ومجمل الأحداث التي كانت أمريكا طرفاً فيها خلال العقود الماضية، هذا المنهج قد يبدو مضاداً أو معكوساً لأنه يعطي للماضي أهمية المستقبل، إن لم يكن يتجاوزه في بعض المواقف.
فمن السهل على أي مرشح للرئاسة في أمريكا بالتحديد أن يستخدم مفردات التنبؤ، وبالتالي الوعود التي قد تتحدى قدرته على تحقيقها لكن الصعب بالفعل هو إبداء رأي في أمر وقع بل اكتمل وقوعه سلباً أو إيجاباً وهذا ما يحاول كل المرشحين الهروب منه، على طريقة ما يسمى الفرار إلى الأمام.
لكن ما يغفله هاس هو أن أحد المرشحين وهو الجمهوري ماكين عاش الحرب الفيتنامية، والحرب الباردة أيضاً، لأنه قد تجاوز السبعين من عمره، وهذا لم يتسن لمنافسه الديمقراطي الشاب أوباما، لهذا ستبدو إجابات أوباما متخيلة بخلاف إجابات ماكين الذي ينتظر منه أن يتذكر أكثر مما يتخيل.
إن الإجماع أو شبه الإجماع على الأقل حول التركة السياسية والاقتصادية الباهظة التي سيتورط بها الضيف الجديد للبيت الأبيض، يبقى مجرد رأي افتراضي ولن يكون الحكم حاسماً على الموقف من هذه التركة إلا بعد أن يفوز الوريث.
وما نفهمه من منهج هاس المعكوس، ليس فقط إقامة وزن مضاعف لما مضى، بل لأن الحاضر ليس نبتاً شيطانياً أو زمناً منقطعاً عن مقدماته وعن كل ما سبقه وحمل به ومهد له.
إن أخطر ما يهدد امبراطورية ما هو تكرار الأخطاء وعدم القدرة على التلقح بها لتدارك ما يماثلها، وسبب مثل هذا الخطر هو غياب حاسة النقد الذاتي، وادعاء المعصومية السياسية والأخلاقية، وهذا ما ورط به الرئيس بوش بلاده عندما ادعى بأن قراراته الأشد خطورة يستلهمها من السماء، وان حربه ضد الإرهاب هي ذات بعد أخلاقي ومناقبي رغم أن المياه العميقة تكذب الغطاس كما يقال في الأمثال، وقد كذبت مياه المحيطات والبحار التي أوشكت أساطيل بوش أن تعبدها كل ما زعمه الغطاسون سواء كانوا من الجنرالات أو الساسة والدبلوماسيين الذين استعاروا الخوذة الفولاذية من الثكنات وعسكروا السياسة كلها بحيث أصبحت مجرد حرب بوسائل مختلفة.
ولأن الماضي لا يمضي بلا رواسب ثقيلة، فإن مستقبل الولايات المتحدة ليس منقطعاً عنه.
والمرشح الذي لا يعطي رأياً في حرب فيتنام، أو الحرب الباردة لن يستطيع الإجابة عن سؤال واحد حول العراق والأزمة الاقتصادية، والفشل الذريع في إدارة أزمات العالم.
|