المدونات في :

أرسل الإدراج التالي


اســمك مطلوب
بريدك الإلكتروني مطلوب
بريد صديقك الإلكتروني مطلوب
الرسالة 300 حرف كحد أعلى

محتويات الإدراج الذي تريد إرساله:
تقرير: مدى ولاية القضاء البحريني على المنازعات الإدارية ..

المطلب الأول

تمهيـــد:

 

     يعد مبدأ المشروعية سمة رئيسية من سمات دولة القانون الحديثة، فلا تقوم لها قائمة إذا لم تعتمد هذا المبدأ كأساس لقيامها. ويعتبر القضاء من أهم ضمانات مبدأ المشروعية ويخضع له الجميع سواء الحكام أو المحكومين، ويستوجب هذا خضوع الجهات الإدارية للرقابة بمختلف أشكاله سواء الرقابة السياسية أو القضائية أو الذاتية.

     و الرقابة القضائية هي الرقابة التي تقوم بها الجهة القضائية على أعمال الإدارة عن طريق المنازعات المرفوعة إليها، وهذه الرقابة تعتبر أفضل أنواع الرقابة لكونها تقوم على ضمانات قانونية بالإضافة إلى استقلاليتها وعدم وقوعها تحت التأثيرات السياسية أو الشخصية.

 

أولاً: مفهوم القضاء الإداري:

 

     إذاً يُفهم مما سبق بأن القضاء الإداري: هي جهة قضائية مستقلة و فرع من أفرع القضاء تقوم بنظر الدعاوى الإدارية التي تكون فيها الإدارة طرفاً بصفتها صاحبة سلطه و بين فرد أو جهة تحمل سمة شخص من الأشخاص العاديين.

 

ثانياً: نشأة القضاء الإداري و تطوره:

 

     من المعلوم أن نشأة القانون و القضاء الإداري ما كان إلا نسبة إلى أحداث تاريخية صرفة، ففي بادئ الأمر في البلاد الأنجلوسكسونية (الأنجلو أمريكي) كان القضاء الموحد هو المعمول به على أقاليمها و لم يكن لفكرة القضاء المزدوج أية وجود. فالنظام الأنجلوسكسوني في بادئه  لم يفرق بين الجهة الإدارية وبين الأفراد العاديين، إلا أن هذا لم يدم على حاله، فبرزت فكرة إعطاء الجهة الإدارية بعض الامتيازات المتفوقة ، مما جعلت الدولة  تتدخل في شتى المجالات و الذي مهد لظهور قضاء إداري مستقل .

     أما في فرنسا، فالفقه ينسب في ظهور وتطور نظام القضاء المزدوج أو النظام اللاتيني إليها (1)، فالفضل يعود إلى فرنسا في ظهور القضاء الإداري جنباً إلى جنب مع القضاء العادي.

     وترجع نشأتها إلى أسباب لحقت بالثورة الفرنسية 1789 م، حيث أنشأت الثورة محاكم جديدة بديلاً عن المحاكم القديمة التي اًتهمت بالفساد والتدخل السافر في شئون الإدارة و الظلم، فقد فهم رجال الثورة الفرنسية من مبدأ الفصل بين السلطات أنه يقتضي إبعاد القضاء عن التعرض للمنازعات التي تكون الإدارة طرفاً فيها، بدعوى أن تعرض القضاء للمنازعات الإدارية يعد تدخلاً من جانبه في وظيفة السلطة التنفيذية، ويشكل بالتالي خروجاً على مبدأ الفصل بين السلطات. (2) وسيمت هذه المرحلة بالإدارة القاضية، فقام رجال الثورة بمنع المحاكم ( كانت تسمى بالبرلمانات  آنذاك ) من النظر في القضايا ذات الطابع الإداري، لكي لا تقف عقبه في وجه الإصلاحات التي أزمعوا القيام بها، وبذلك أصبحت الإدارة نفسها هي التي تنظر في المنازعات ذات الطابع الإداري. وسميت بمرحلة الإدارة القاضية ( الوزير القاضي )، ولم تلبث أن بانت عيوب هذا النظام بعد ما استحال اعتبار أن الإدارة هي في ذات الوقت الخصم والقاضي، علاوة على تعارضه مع مبدأ الفصل بين السلطات، فقرر دستور السنة الثامنة للثورة إنشاء مجلس الدولة وكذلك إنشاء محاكم أو مجالس الأقاليم، بيد أن هذا القضاء المستقل كان ضعيفاً بعض الشيء وذلك لكون أن التصديق على الأحكام يكون دائماً في يد رئيس الدولة، أي أن دور هذا المجلس كان استشارياً؛ فسميت هذه المرحلة بالقضاء المقيد أو المحجوز.

     وفي 24 مايو سنة 1872 صدر قانون مجلس الدولة الفرنسي فوض بمقتضاه المجلس في البت نهائياً في المنازعات الإدارية و سميت هذه المرحلة بالقضاء المفوض أو البات.

 

المطلب الثاني

هيكلـة القضـاء الإداري

 

أولاً: القضاء الإداري في جمهورية فرنسا:

     نشأت المحاكم الإدارية الفرنسية تحت اسم مجالس المحافظات منذ السنة الثامنة للثورة، أي في نفس السنة التي أقيم فيها مجلس الدولة، والتي تكونت من مجالس للمحافظات برئاسة المحافظ بالإضافة إلى عدد من المستشارين الذي لم يكن لهم أي استقلالية عن الإدارة، وتلتها عدة مراسيم في أعوام لاحقة منحتها قدر كاف من الاستقلال وسميت بالمحاكم الإدارية، واختصاص المحاكم الإدارية فهو مزدوج كاختصاص مجلس الدولة، ويتضمن الإفتاء بالإضافة إلى الاختصاص القضائي المحدود بنطاق الإقليم لكل محكمة.

     فبالنسبة للإفتاء تختص هذه المحاكم بإبداء الرأي القانوني فيما يعرض عليها من أمور، والأصل إن استشاراتها اختيارية إلا إذا نص القانون على خلاف ذلك.    

     أما بالنسبة لاختصاص المحاكم الإدارية القضائي فقد كان محدداً على سبيل الحصر قبل صدور مرسوم سنة 1953. وكانت هذه المحاكم من نشأتها – بخلاف مجلس الدولة – لها سلطة القضاء المفوض. و صدور المرسوم سالف الذكر أصبحت المحاكم الإدارية هي صاحبة الاختصاص العام في المسائل الإدارية فكل محكمة تختص بنظر كافة المنازعات الإدارية الداخلة في نطاقها الإقليمي إلا ما عهد به المشرع إلى مجلس الدولة أو أي محكمة أخرى. ولها إلغاء القرارات الإدارية والتعويض عنها وبحث مشروعيتها. والمحكمة الإدارية في ذلك تعتبر محكمة أول درجة وأحكامها تقبل الاستئناف كقاعدة عامة أمام المحاكم الإدارية للاستئناف.(3)

 

ثانياً: القضاء الإداري في جمهورية مصر:

     بدأت مصر الإصلاح القضائي سنة 1875م، وتأثراً بالنظام الفرنسي اتجه الرأي إلى الأخذ بنظام القضاء المزدوج، فصدر الأمر العالي بتاريخ 23 أبريل سنة 1879 بإنشاء مجلس شورى الحكومة..على أن يختص بالإفتاء في المسائل الإدارية وصياغة التشريعات. و ذلك بالإضافة إلى الفصل في المنازعات الإدارية والتأديبية حيث أعطي له سلطة القضاء في هذا الشأن أي أن أحكامه تأخذ الصفة القضائية ولا تحتاج إلى تصديق من أي جهة لتنفيذها. وللأسف ولأسباب ماليه و ظروف سياسية لم يطبق هذا النظام.

     ثم صدر القانون النظامي في أول مايو سنة 1883 بإنشاء مجلس شورى الحكومة وتنفيذاً له صدر الأمر العالي بتاريخ 22 سبتمبر سنة 1883 بتنظيم مجلس شورى الحكومة وتحديد اختصاصاته، ولكن دون أن يكون مختصاً بالقضاء في المنازعات الإدارية، ولظروف سياسية أيضاً، أوقف العمل بنظام مجلس شورى الحكومة في 13 نوفمبر 1884، وذلك بعد الاحتلال الانجليزي لمصر.

     وعادت مصر لنظام القضاء الموحد، وكانت مهمة الإفتاء والصياغة مسنده إلى لجنة قضايا الحكومة التي أنشئت سنة 1865.

     ثم أعدت هيئة قضايا الحكومة مشروعاً بإنشاء مجلس دولة على غرار مجلس الدولة الفرنسي سنة 1933، إلا أنه لم يؤخذ به، ثم أعدت الحكومة مشروعاً آخر لسنة 1941 يأخذ بفكرة القضاء المفوض، إلا أنه لم يصدر أيضاً، وظل الوضع على ما هو عليه حتى سنة 1946 تاريخ إنشاء مجلس الدولة. ثم استمرت سلسلة الإلغاء و التجديد لهذا القانون عبر السنوات التالية حتى صدور دستور سنة 1971 مقرراً اعتبار مجلس الدولة هيئة قضائية مستقلة (4)، فصدر القانون الحالي لمجلس الدولة و هو القانون رقم 47 لسنة 1972م.(5)

     وينقسم مجلس الدولة المصري طبقاً لقانون مجلس الدولة الحالي 47 لسنة 1972 إلى :

-        قسم الفتوى : وهو القسم الذي يبدي بإبداء الرأي للإدارة في المسائل القانونية عندما يُطلب منه ذلك. وهي تتكون من مستشار أو مستشار مساعد.

-        قسم التشريع : ويختص هذا القسم بإعداد مشروعات القوانين والقرارات و اللوائح، بناء على طلب الجمعية المختصة، وكذلك مراجعة صياغة مشروعات التشريعات التي يرى رئيس مجلس الوزراء أو رئيس مجلس الدولة نظرها على وجه الاستعجال. ويتكون من أحد نواب رئيس مجلس الدولة رئيساً، ومن عدد كاف من المستشارين والمستشارين المساعدين والنواب و المندوبين.

-        القسم القضائي: ويتكون القسم القضائي من:

  • المحكمة الإدارية العليا: وهي أعلى محكمة إدارية في محاكم القسم القضائي لمجلس الدولة وتعتبر كمحكمة النقض بالنسبة للمحاكم العادية.و الفرق بينهما أن المحكمة الإدارية العليا ليست مجرد محكمة قانون بل موضوع أيضاً.
  •  محكمة القضاء الإداري: وهي صاحبة الاختصاص بنظر المنازعات الإدارية المحددة قانوناً.
  • المحاكم الإدارية : وهي محاكم إدارية تختص نوعياً بالمنازعات التي تدخل في اختصاص محكمة القضاء الإداري وهي: منازعات العقود الإدارية، طلبات إلغاء القرارات المنصوص عليها في البنود ثالثاً ورابعاً من المادة العاشرة من قانون مجلس الدولة، بشرط أن تكون متعلقة بالموظفين من الدرجات السادسة حتى الثالثة، طلبات التعويض على القرارات المذكورة في البند السابق، المنازعات الخاصة بالمرتبات و المعاشات والمكافآت.
  • المحاكم التأديبية: وهي تنقسم إلى نوعين، النوع الأول: تتعلق بالعاملين من مستوى الإدارة العليا، والثاني : للعاملين في المستوى الإدارة الدنيا. ويضاف إلى ما سبق هيئة مفوضي الدولة.و الجمعية العمومية لمجلس الدولة.

      وتعتبر مصر من أوائل الدول العربية التي أخذت بالقانون الإداري ومن ثم الازدواجية في القضاء، ولفقهائها الفضل في ترجمة الأكواد الإدارية إلى اللغة العربية.

 

ثالثاً : القضاء الإداري في مملكة البحرين:

 

     تأخذ مملكة البحرين بنظام القضاء الموحد، أي أن القضاء في البحرين هو قضاء واحد فقط لا تقسيم إداري فيه على غرار كل من فرنسا و مصر.

     وقد منح الدستور (6) القانون سلطة ترتيب المحاكم على اختلاف أنواعها ودرجاتها، ويبين وظائفها واختصاصاتها. ينبني على ذلك، أن الدستور هو الذي خول الشارع اختصاصاً في ترتيب المحاكم، وحصرها في جهة قضائية واحدة (القضاء العادي). وتتشكل الهيئة القضائية – طبقاً للقانون المنظم للقضاء – من قسمين هما: القضاء المدني و القضاء الشرعي.

    وتتنوع المحاكم في إطار القضاء الموحد إلى مدنية، تجارية، جزائية، وشرعية.. إلخ.

     وطبقاً للمرسوم بقانون بشأن تنظيم القضاء تختص محاكم القضاء المدني بالفصل في جميع المسائل المدنية و التجارية وفي المنازعات المتعلقة بالأحوال الشخصية لغير المسلمين، وبالنظر في جميع الجرائم إلا ما استثنى بنص خاص. وتختص محاكم القضاء الشرعي بالفصل في جميع المنازعات المتعلقة بالأحوال الشخصية للمسلمين.. ماعدا المنازعات المتعلقة بأصول التركة و تصفيتها..

     وتتدرج المحاكم إلى محاكم أول درجة (الصغرى و الكبرى المدنية باعتبارها محاكم أول درجة .. وجهة استئنافية للأحكام التي تصدرها المحاكم الصغرى) ومحاكم الاستئناف، و محكمة التمييز.(7)

     ويستمد القضاء العادي البحريني اختصاصه بنظر المنازعات الإدارية التي تثور بين الجهاد الإدارية و الأفراد العاديين، من المادة (7) من قانون السلطة القضائية والتي نصها :" فيما عدا أعمال السيادة ، تختص المحكمة الكبرى المدنية - بدائرة إدارية - بالفصل في المنازعات الإدارية التي تنشأ بين الأفراد وبين الحكومة أو الهيئات أو المؤسسات العامة، عدا الحالات التي ينص فيها القانون على خلاف ذلك ".(8)

   وجاء هذا تلافياً للنقص الواضح في قانون تنظيم القضاء القديم الذي لم يضع قيداً على ولاية المحاكم المدنية بشأن القرارات الإدارية – باستثناء أعمال السيادة – إلا أن الدستور قبل التعديل قد نص في المادة (32) على أن المحاكم يقتصر اختصاصها على النظر في المنازعات المتعلقة بطلب إلغاء تلك القرارات إذا افتقدت شروط صحتها أو بطلب التعويض عنها.(9) وقد أخذت بهذا محكمة التمييز في حكمها الصادر في 2 مايو 1993: " أن القضاء المدني.. له الولاية العامة في الفصل في كافة .. المنازعات المتعلقة بالقرارات الإدارية" . (10)

     واستناداً على ما جاء به القانون من اختصاص الدائرة الإدارية بالمحكمة الكبرى المدنية بالنظر في المنازعات الإدارية، تشكلت الدائرة الإدارية بموجب القرار رقم (3) لسنة 2003م.

     وتختص الدائرة الإدارية، وفقاً لما جاء في الفقرة الثانية من المادة الأولى من القرار المشار إليه أنفاً التي تنص ( وتختص هذه الدائرة بنظر المنازعات التي تكون الإدارة طرفاً فيها و المتعلقة بممارسة سلطاتها العامة، وهي على وجه الخصوص:

1-   الدعاوى المتعلقة بإلغاء القرارات الإدارية و التعويض عنها.

2-   الدعاوى المتعلقة بالعقود الإدارية.

3-   دعاوى الجوازات الناشئة عن قوانين الجنسية أو الجوازات و الهجرة ).

ونرى أن تحديد اختصاصات الدائرة الإدارية إنما جاء على سبيل التمثيل، وليس على سبيل الحصر (11).

________________________

(1)   مع التحفظ على هذا، حيث كان نشوء ديوان المظالم سابقاً على ظهور القضاء المزدوج، إلى جانب القضاء العادي الشرعي.

(2)   الدكتور محمود عاطف البنا، الوسيط في القضاء الإداري، ص 96 ، الطبعة الثانية 1999.

(3)    الدكتور ماجد راغب الحلو، القضاء الإداري، ص 121، الناشر: منشأة المعارف 2000.

(4)    نصت المادة (172) من دستور جمهورية مصر العربية لسنة 1971 على ما يلي : " مجلس الدولة هيئة قضائية مستقلة، ويختص بالفصل في المنازعات الإدارية وفي الدعاوى التأديبية، ويحدد القانون اختصاصاته الأخرى" .

(5)    الدكتور أنو أحمد رسلان، وسيط القضاء الإداري، ص 300 وما بعدها، الناشر: دار النهضة العربية 1999.

(6)   دستور مملكة البحرين المعدل لسنة 2002م، المادة (105) من الفصل الرابع: السلطات القضائية من الباب الرابع: السلطات.

(7)   الدكتور حسني درويش عبد الحميد، مبدأ سيادة القانون و ضماناته في دولة البحرين، ، ص141، الطبعة الأولى 2001م.

(8)   قانون السلطة القضائية لسنة 2002م الجديد، المادة (7) في الفصل الأول: محاكم القضاء المدني، من الباب الثاني : المحاكم- ترتيبها وتنظيمها وولايتها .

(9)   المرسوم بقانون رقم (13) لسنة 1971 بشأن تنظيم القضاء الملغي، المادة (11) نصت على : " ليس للمحاكم أن تنظر في إعمال السيادة، ولها أن تفصل في المنازعات المدنية والتجارية التي تقع بين الأفراد والحكومة عدا الحالات التي ينص فيها القانون على غير ذلك ".

(10)     الدكتور حسني درويش عبد الحميد، المرجع السابق، ص 143.

(11)     أستاذنا الدكتور فاروق خمّاس، القضاء الإداري وتطبيقاته في مملكة البحرين 2006، ص 93،94

 




"لا يتحمّل مكتوب أيّة مسؤوليّة عن المواد الّتي يتم عرضها و/أو نشرها في مدوّنات مكتوب. ويتحمل المستخدمون بالتالي كامل
المسؤولية عن كتاباتهم وإدرجاتهم التي تخالف القوانين أو تنتهك حقوق الملكيّة أو حقوق الآخرين أو أي طرف آخر."