المدونات في :

أرسل الإدراج التالي


اســمك مطلوب
بريدك الإلكتروني مطلوب
بريد صديقك الإلكتروني مطلوب
الرسالة 300 حرف كحد أعلى

محتويات الإدراج الذي تريد إرساله:
مذكرات زوجةجمال عبد الناصر ...

عن مذكرات تحية كاظم زوجة الرئيس جمال عبد الناصر ...

لسنوات طويلة استغرقت السبعينيات وما بعدها دأبت السيدة «تحية كاظم» على كتابة بعض ذكرياتها مع «جمال عبدالناصر».. وبعض خواطرها عن تقلبات الزمن والرجال.  

كانت سيدة حزينة تتعزى بذكرياتها معه وإلى جواره، كتبت بعض ما شاهدت وعاينت من أحداث وتحولات كبرى جرت وقائعها فى بيت «منشية البكري» عن مشاعره ومشاعرها فى الأيام الحلوة والمرة، عند لحظات المجد وفى لحظات الانكسار.  
لم تكن تؤرخ لحقبة محورية فى تاريخنا الحديث، ولا خطرت ببالها هذه الفكرة، ولم تكن تكتب مذكرات تتصور ان أحداً بعدها سوف يطلع عليها، كانت تكتب عنه وله، ربما كانت تخاطبه كأنه يجلس قبالتها فى صالون الدور الثانى من بيت «منشية البكري».

المذكرات أقرب الى الخواطر، والخواطر غلبت عليها أحزان السبعينيات، كتبت عنه وإليه بذات الطريقة العفوية التى كانت تخاطبه بها فى حياته. وكان أولادها «هدي» و«مني» و«خالد» و«عبدالحميد» و«عبدالحكيم» يتابعونها ـ أحياناً ـ وهى تكتب بعض خواطرها فى صالون البيت، وأحياناً يطالعون بعض ما كتبت، وقد يبدون بعض التعليقات، مشفقين عليها من وطأة الحزن وتقلبات الزمن، فقد أخذها «جمال عبدالناصر» على جناحى نسر الى أعالى الجبال، فقد أصبح الضابط الشاب الذى تزوجته عام1944  بعد سنوات قليلة رئيساً للجمهورية وأقوى رجل فى المنطقة، ولكنه رحل مبكراً فى الثانية والخمسين من عمره، هبط النسر الى مثواه.. وتغيرت الدنيا والأحوال وتبدلت السياسات والوجوه، ووجدت نفسها عند سفوح الجبل بعد أن كانت فى ظله عند قمته.. فى عنان السماء.  

وكانت تلك تجربة انسانية فريدة سجلت وقائعها بتعبيراتها، وقصت حكاياتها فى ثلاثة دفاتر «بلوك نوت»، وعندما رحلت فى مطلع التسعينيات، بعد رحيل زوجها بـنحو «20 عاما»، بدا ان هناك مشكلة، كيف يتصرف الأبناء فى مذكرات الأم..؟. فهى ليست للنشر، اعتبروها من أسرار التجربة الانسانية التى مرت بها أسرته بعد رحيله، والأسرار عليها أقفال ومغاليق، وبدا للحظة ان هناك فكرة للتخلص من هذه المذكرات، واعتبارها أمراً شخصياً ينتهى أمره بوفاتها، غير أن المشاعر غلبت، واستقر الرأى على إيداعها فى خزينة «بنك القاهرة»، وأن يترك البت النهائى فى مصيرها الى أزمان أخرى، وكان ذلك قراراً صائباً، فما كتبته ربما يكشف فى بعض جوانبه تجربة وجدانية يصعب أن يرويها أحد آخر عما جرى فى «بيت منشية البكري» مع عبدالناصر وبعده.

لم يكن نجلها الأكبر «خالد» طرفاً فى هذا الجدل الأسرى، فعندما توفيت والدته كان فى «بلجراد»، ولم يكن بوسعه ان يحضر جنازتها، التى شارك فيها رئيس الجمهورية!، فقد كانت تنظر فى تلك الأيام قضية «ثورة مصر»، وهو أحد المتهمين الرئيسيين فيها قبل أن يحصل على البراءة من التهم المنسوبة إليه.

جرى الاتفاق بين أبنائها الآخرين على أن تظل المذكرات فى مأمنها، ولا تخرج منه إلا بتوقيع جماعى من الذين أودعوها فى خزينة البنك..  
وباستثناء اسم أو اسمين من أصدقاء الأسرة المقربين والمؤتمنين على أسرارها، لم يتسن لأحد آخر أن يطلع عليها عند التشاور فى مصيرها قبل إيداعها خزينة البنك. وليس بوسع أحد ان يقرر القيمة التاريخية لتلك المذكرات التى لم يطلع عليها، ولكنها قد تنطوى على إشارات لها اعتبارها ووزنها التاريخي..
 
لعلها تذكرت البدايات، وكيف تعرفت عليه، والأيام الأولى معه.. لعلها تذكرت أيام «حرب فلسطين»، عندما غادرها زوجها الضابط الشاب الى ميادين القتال، كانت قلقة ومكتئبة، وتعد الأيام لعودته، وتسأل نفسها كل يوم: «هل يعود»..؟.. وكان هو نفسه يطرح ذات السؤال، وفى مذكراته التى كتبها بخط يده تحت قصف المدافع فى فلسطين سجل قلقه على «تحية»، الذى كان قد بلغه انها لا تغادر البيت، وقال بالحرف إنه لا يتمنى الحياة إلا من أجل «تحية»، وابنتيه الصغيرتين «هدي» و«مني»، فلم يكن «خالد» قد ولد بعد، ولكن الحياة ادخرته لمهمة أخرى أجل وأعظم، قاتل فى ظروف غير متكافئة، وواجه الموت يومياً، وأفلت بمعجزة من براثنه، وحتى رحل فإن «تحية» التى عاشت فى الظل كان لها وضع استثنائى فى حياته، بدرجة يصعب فهمها بدون التعرف على هذه السيدة، فقد كان ولاؤه لها استثنائياً، بالضبط مثل وضعها فى حياته، وآخر ما يخطر بباله أو يتمناه ان تحزن، فلم تكن لها مطالب غير أن يجد فى كنف أسرته بعض راحة من معارك لا تنتهى وأخطار لا تتوقف.

وقوة هذه الشخصية فى بساطتها، كانت تزرع «الرجلة» و«الفول الحراتي» فى حديقة بيت الرئيس، وكان لديها «عشة طيور» بها دجاج وأرانب وديوك رومى، تصحو مبكراً وتصلى الفجر، وتطبخ لأسرتها يومياً، وكان عبدالناصر يقول لأولاده، كما يروى «خالد»: «أكل أمكم مفيش زيه». الطعام عادي: أرز ولحم وخضار، أو أرز ودجاج وخضار، ولا شيء آخر. وكان هناك فصل كامل بين مطبخ رئاسة الجمهورية فى الدور الأول ومطبخ الأسرة فى الدور الثانى، الذى كانت تشرف عليه سيدة مصرية بسيطة بدرجة حرم رئيس الجمهورية. تفاصيل حياتها الأسرية عادية تماماً، باستثناء أنها كانت زوجة جمال عبدالناصر. لكن هذه الصفة الأخيرة هى ما تضفى على مذكراتها قيمة تاريخية خاصة، كيف تجاور العادى مع الاستثنائي.. كيف كانت الحياة تسير بذات الطريقة التى تمضى بها فى أية أسرة مصرية من الطبقة المتوسطة، ولكن فى مناخ مفعم بالتحولات والمعارك والأحداث الكبري.

عاشت وماتت فى الظل، ولكن بإحساس عام حقيقى استحقت ان توصف بـ «السيدة الجليلة». لم يكن أحد يعرف أسلوب حياتها، أو القيم التى تحكمها، ولكن الاحساس العام مال الى أن وراء عبدالناصر سيدة من نوع خاص، قد تبدو عادية، ولكن استثنائيتها تكمن هنا بالضبط. وعندما يتسنى لنا أن نطلع على مذكراتها قد نكتشف جوانب أخرى فى الصورة يصعب أن نتكهن بها.

ولعلها تذكرت فيما كتبت يوم ان أدخلت فى ديسمبر (1949) مستشفى الدكتور على ابراهيم ـ أشهر أطباء النساء والولادة فى ذلك الوقت ـ لتلد نجلها «خالد»، وكانت ترقد فى غرفة قريبة نجمة السينما الشابة «فاتن حمامة» بانتظار حادث سعيد، وقد حادثت زوجها الضابط الشاب بما تتناقله الممرضات من أخبار النجمة المحبوبة، وظلت هذه القصة عالقة فى ذاكرتها، على ما يؤكد انجالها.. تعود إلى تذكرها من وقت لآخر، خاصة انها ـ فيما بعد ـ دخلت ذات المستشفى عام (1955) لتلد نجلها الأصغر «عبدالحكيم»، وهى زوجة لرئيس الجمهورية، وفى هذه المرة حاصرت موجات فضول الممرضات زوجة الرئيس، وبروح السخرية الطيبة قارنت بين مستوى الاهتمام فى الحالتين، ولا ندرى إذا ما كانت قد سجلت فى خواطرها وذكرياتها تلك المقارنة الساخرة، إلا أنها لابد ـ بعد أن تغيرت الأحوال وتقلبت الوجوه ـ قد تذكرت مفارقات كثيرة فى حياتها أودعتها فى خواطرها المكتوبة، وأكثر ما كان يطمئن روحها القلقة مشاعر الود الطيبة والطبيعية والمتدفقة التى أحاطتها من بسطاء المصريين والعرب حيثما ذهبت..

عاشت بعد عبدالناصر لعقدين كاملين، وبعض هذه الأيام كانت قاسية انسانياً، وبعض تصرفات الرئيس السابق أنور السادات تجاه أسرتها أوجعتها بصورة فادحة، وقد سجلت تفاصيلها، على ما يؤكد انجالها، فى تلك الخواطر والمذكرات. تعزت بالكتابة، أو ما قد ينظر إليه على انه «فضفضة» على الورق عن آلام ما بعد رحيل عبدالناصر وتقلبات البشر، لكنها تعزت أكثر، وكلما اشتدت عليها نوائب الزمان، بزيارات سيدنا الحسين، كانت تذهب إليه بصورة منتظمة بعد صلاة العشاء، تدخل من باب جانبى مخصص للسيدات لزيارة «سيد الشهداء». وذات مرة، والحملة على عبدالناصر فى أشدها، كشفت عن شخصيتها، تجمهر حولها فى دقائق آلاف البشر. أرادت بطريقتها البسيطة، على ما يروى نجلها «خالد»، ان تقول للرئيس السادات ان عبدالناصر لن يموت أبداً فى ذاكرة الشعب والحملة عليه فاشلة لا محالة. ويعلق «خالد»: «تعمل إيه.. مات عبدالناصر وتركها وحيدة حزينة. وحتى ماتت ودفنت فى حجرة بجواره داخل نفس الضريح لم يرها أحد بغير ملابس الحداد».

كانت كزوجها لا تميل الى الحياة المترفة، وكانت تشعر بأن بيت منشية البكرى، بأثاثه المتواضع، هو بيتها، وهذا البيت من ممتلكات الجيش، وكان مخصصاً لإحدى القيادات البسيطة فيه، وكان أقرب للكوخ، دور واحد بأربع حجرات، وملحق بها حديقة تتسيدها أشجار الجوافة.

«بيت ميري» وأثاثه ملك الدولة وقع عليه عبدالناصر بالاستلام. لم تكن فى هذا البيت حياة خصوصية، والشهادة لـ «خالد»: ضباط الحراسة والعاملون فى كل مكان، كل يؤدى واجبه الوظيفى، ولم يحدث ان استمع أحد الى عبدالناصر وهو ينادى زوجته باسمها أو باسم تدليل، فحياة الأسرة تحت الأنظار، كان يناديها دائما بلقب واحد: «يا مدام».. وضباط الحراسة ينادونها بلقب آخر: «يا هانم».
لم يكن عبدالناصر يحب هذا اللقب ويراه غريبا على لسانه، وكان عبدالناصر حازماً فى أخذ أولاده بالشدة فيما يتعلق بالحياة العامة.. لا ميزة خاصة لأولاد الرئيس، وذات مرة قال لـ «خالد»: «لو استخدمت اسمى فى أخذ ما ليس لك سأضعك فى السجن الحربي»، «تحية» شاركت زوجها ذات الرؤى، غير أنها أحياناً، بقلق الأم، حاولت أن تتدخل لرؤية أولادها عندما كان بعضهم فى سنوات التدريب العسكرى، وكانت إجابة عبدالناصر: «هناك أمهات أخريات من حقهن رؤية أولادهن، وإذا سمحت لك بذلك فلابد أن يذهبن كلهن معك».

وقبل رحيله بفترة قصيرة، و«خالد» على وشك التخرج فى كلية الهندسة، سألته ملتاعة بقلب الأم: «انا عارفة انك هتبعته الى الجبهة؟».. وكانت اجابة الرئيس حازمة: «أيوه يا تحية».

كانت تعرف زوجها.. وعندما تتناقض مشاعرها كأم مع الواجبات العامة أسلمت أمرها فى النهاية لتلك الواجبات.

دائرة صداقاتها محدودة، ومن أقرب المقربات الى قلبها سيدة الغناء العربى «أم كلثوم»، التى كانت بدورها سيدة مصرية فيها شهامة الريف، لم تغيرها الأيام وحرصت على ان تظل صداقتها ممتدة ودافئة العلاقة الحميمة مع حرم الرئيس الراحل.

ولعلها فى مذكراتها المودعة فى خزينة بنك كتبت بعض الاشارات الانسانية للحياة فى بيت الرئيس.. ولعلها تذكرت تلك اللحظة القاسية فى حياته وحياتها عندما تنحى عن رئاسة الجمهورية فى أعقاب هزيمة 1967، ودخل حجرته جريحاً، فهى تعرف مالا يعرفه غيرها من خلفيات انسانية فى المشهد التاريخى المفعم بالوقائع الكبري.  

ولعلها تذكرت، وهو يجلس على مائدة افطار مع عائلته صباح يوم 1 حزيران/ يونيو 1967 صامتاً حزيناً، كأنه قد كبر فى ليلة واحدة ثلاثين عاماً مرة واحدة، وهو يرى أحلامه تتحطم وثورته تطعن وبلده تحتل بعض أراضيه، تلك العبارة الوحيدة التى قطعت بها الصمت القاتل، والحزن القاتل: «احنا معاك على الحلوة والمرة»، كانت مستعدة ومتقبلة كل الاحتمالات، أو كما يقول نجلها «خالد»: «تحدثت ساعتها باسم أولادها، باسم العشرة الطويلة، باسم الحب الكبير للرجل الذى لم يصبح رئيساً للجمهورية، ولا يدرى أحد أى مصير ينتظره هذا المساء».

«احنا معاك على الحلوة والمرة» عبارة واحدة تلخص رحلتها الانسانية مع عبدالناصر وبعده، طالما هى معه فكل شيء محتمل، حتى الموت محتمل. وعندما رحل عن الحياة بعد ذلك بنحو ثلاث سنوات، وكان الحرس الجمهورى يحمل جثمانه على نقالة تبعته على السلم تبكى بلوعة، وكان أملها ان يتركوه لها بعض الوقت، فقد حرمت منه حياً وميتا. ارتفع صوتها بجملة واحدة: «خدوه منى وهو عايش.. وخدوه منى وهو ميت».

بدا المشهد البكائى من طبيعة المشاعر الانسانية فى بيت عبدالناصر بعد رحيله.. وحتى رحيلها.. وهذه قصة يطول شرحها لعلها سجلت تفاصيلها وأسرارها فى مذكراتها المودعة فى خزينة بنك.


عبدالله السناوي، صحفي عربي من مصر-الحقول




"لا يتحمّل مكتوب أيّة مسؤوليّة عن المواد الّتي يتم عرضها و/أو نشرها في مدوّنات مكتوب. ويتحمل المستخدمون بالتالي كامل
المسؤولية عن كتاباتهم وإدرجاتهم التي تخالف القوانين أو تنتهك حقوق الملكيّة أو حقوق الآخرين أو أي طرف آخر."