محتويات الإدراج الذي تريد إرساله:
امنحيني جرأة البكاء!

بنفس الوتيرة التي سارت عليها على مدى اليومين الماضيين ذهبت ابنتي دعاء ذات السنوات الأربع اليوم إلى المدرسة باكية شاكية!
إنها الأيام الأولى لها في الروضة ولم تفلح كل الخبرات المتراكمة التي تتحدث عن معالجة الأيام الأولى في المدرسة في وضع حد للبكاء!
بإطراقة توحي بالخجل بدأت دعاء تحدثني في رحلة العودة من المدرسة أمس عما أعرفه سلفا وهو أنها بكت بين طلاب فصلها !
ولما كنت عازما على أن لا أكون تقليديا في ردة فعلي فربما فاجأتها بالقول إن البكاء أمر طبيعي فهل سمعتم يوما عن طفل لم يبك في أيامه الأولى في المدرسة ؟!
وذهبت أبعد من ذلك لأراقب ملامح وجهها المتردد بين الحائر والمبتهج عندما قلت لها إن البكاء جميل وممتع وأننا جميعا مارسناه عندما ذهبنا للمدرسة في أيامها الأولى وكنا نجد فيه المن والسلوى!
فلا تحرمي نفسك هذه النعمة فابك وابك وابك حتى تألف نفسك ذلك المكان تماما كما يألف الجسم الشعور بالألم ويألف الصدر الصحيح حشرجة الدخان المنتن في جنباته حين تعجز اجهزة التنبيه عن درء خطره!
كلنا يتعرض لمواقف يتمني فيها أن يعود به العمر إلى أيام الطفولة فيغرق عينية بالبكاء بعيدا عن حشر الدموع في المآقي وتحويلها كما نفعل اليوم إلى ازمات نفسية وأمراض عضوية تحت ذريعة أن الكبار لا يبكون!
يقال لي إن الإنسان عدو ما جهل وتبدو المدرسة استثناء فلا يزال الطفل يرغب في الذهاب للمدرسة ويحدث نفسه عنها وعن جمالها قبل أن تتحول إلى واقع ماثل في حياته و حتى يكون اليوم الأول أو الثاني فيصبح عدوا لما علم!
لماذا؟
لست محللا اجتماعيا ولكن تحت وطأة دموع دعاء يبدو عندي أن المدرسة بعيدا عن الرسوم على جنباتها وأبنيتها وأخشابها مكونة من عناصر أهمها المعلم وهو في كثير من الحالات في بلادنا مجرد بقايا من حلم مهندس أو طبيب فاشل دفعه الفشل إلى ميدان التعليم بحثا عن رزق عاجل لمقتضيات الحياة قبل أن يفوته قطار الرزق!
لا يختار الناس في بلادنا مهنة التعليم اختيارا وفي عصر الثروة السريعة والانترنت أصبح الحديث عن مهنة المعلم نقيصة اجتماعية يحاول صاحبها أن يبرر لجوءه إليها بقلة الحيلة وضعف سوق العمل!
ليت الأمر يقف عند ذلك فالمهندس أو الطبيب الفاشل في كثير من حالاتنا يسعى للانتقام من المجتمع من خلال نقل الفشل إليه ؟
لا أملك من الخبرة ما أستطيع به المقارنة مع دول أخرى وكيف وجدت السبيل للتغلب على المشكلة ولكني أملك من الجرأة ما ألقى به باللائمة علينا!
فما لا تعلمه دعاء ولا الملايين من أقرانها أن الغالبية منا إنما يدفعون بأبنائهم للمدرسة كنوع من أنواع النفي المؤقت بعيدا عن البيت لعدة ساعات!
مبرراتنا هي التفرغ للعمل أو للقيام بمهام المنزل أو في سبيل تحصيل ساعات نوم إضافية بعيدا عن إزعاجهم!
ابك يا دعاء وامنحيني الجرأة على أبكي معك على واقع صعب عزاؤنا أننا نسعى إلى تغييره!
|