محتويات الإدراج الذي تريد إرساله:
في دقيقتين.. بين اللحد والمهد!

كنت قد أعددت عدتي وشحذت أفكاري لأكتب اليوم عن الحياة!
وحين باتت الكلمات شبه جاهزة لتجد طريقها إلى شاشة الكمبيوتر عاجلها قدر موت أخ عزيز هو "ياسر"!
عرفته قبل نحو عامين حين وصل إلى الدوحة للتدريس وبالنسبة لي فإن مجال عمله المختلف كان فرصة للتعرف على زاوية أخرى من زوايا المجتمع وكان اللقاء المتباعد معه فرصة للحديث عن شجون التدريس وشؤونه!
ما كان يبهرني في ياسر هو طموحه الوثاب، وقد رضي مني بمنزلة المستشار حين يحدثني يوما عن رغبته في الهجرة إلى كندا ويوما آخر عن الهجرة إلى استراليا ومرة ثالثة في استثمار أمواله في مشروع زواج ورابعة حين يتطلع لاستثمارها في البورصة!
وقد طلب إلي قبل اسبوعين فقط أن أرافقه في مفاتحة والد فتاة بأمر الزواج على أن تتم الخطوات الرسمية في مرحلة لاحقة!
أعددت للمناسبة عدتها وسردت في شريط ذاكرتي ما أعرفه عنه من خلق ودين وطموح لكن الموعد تأجل لانشغال الوالد ولقدر إلهي آخر فأحلام ياسر الوثابة وخياراته المتعددة وقف بها سيف الموت ظهر السبت عن ثمانية وعشرين عاما!
لم يكن ياسر يشكو من علة صحية فنتعلم كيف نتحسب منها ولم يكن مسرعا بسيارته فنلوم السياقة وطيشها ومخاطرها ولم يكن يجهد نفسه بجهد عضلي فنتواصى باجتنابه...ولم تنل منه السجائر وتبغها فنتبارى في الحديث عن أضرارها ...تركه أصدقاؤه في الصباح مستلقيا على سريره وعادوا إليه بعد ساعتين مسجى على الفراش نفسه دون سبب ظاهر للموت!
لا أدري كم ستبقى عبر وفاة ياسر رحمه الله حاضرة في نفسي ولكنني أدرك اليوم أن نسيان عبرة الموت رغم قربه منا حكمة إلهية جليلة!
لولاها لما تزوج العزب ولما استثمر التاجر ولما بنى العقاريون ولما عمر الكون لو ظل الموت ماثلا أمامهم وشعر كل واحد منهم أنه قد يموت دون أن يدرك ثمرة نشاطه!
عدت للمفارقة من مشرحة الموتى التي كنت أحسبها حكرا على مستشفيات غزة لأجد زوجتي تطالبني بالعودة إلى المستشفى من جديد، وهذه المرة إلى قسم الولادة على بعد نحو خمسين مترا من المشرحة حيث رزقنا في ساعة متأخرة من مساء اليوم نفسه بـ"علي"!
|