محتويات الإدراج الذي تريد إرساله:
خالف تعرف!

أحدث مخالفة في سجلي المروري كانت هذا الأسبوع بمائة ريال فقط!
هكذا تقول سجلات شرطة المرور أما سجلاتي فلم يكن ذلك سوى رسوم تسجيل المخالفة وأما ما قد أنفقه لتعود السيارة إلى سابق عهدها فسأكون محظوظا إن انتهى الأمر عند عشرة أضعاف ذلك وليس أكثر!
القصة لا تتعدى احتكاكا وديا بين سيارتين انفرجت على إثرها أسارير سيارتي.. وعزائي أن كان الانفراج في الحديد ولم يكن في العبيد!
القصة شكلت بالنسبة لي مزيدا من تغول السيارات على عالمي الخاص، كأنه لم يكن يكفيني أن تمطرني وكالات الأنباء بأخبار إفلاس شركات السيارات الأمريكية أو المعونات المقدمة لإنقاذها أو اندماجات السيارات الألمانية والإيطالية بل وجدت نفسي في عالم السيارات وتأمينها وإصلاحها و مصطلحاتها التي لا تنتهي!
و فتحت عليّ التجربة باب أسئلة لم يكن قد خطر لي من قبل في عالم المستطيلات المعدنية التي اقتحمت حياة البشر قبل نحو قرن وما لبثت أن صبغت معظم عالمنا بصبغتها حتى لا تكاد تجد جانبا من حياتنا لم تؤثر فيه!
أعادت فيه السيارة تعريف عالم المسافات الجغرافية فلم تعد تقاس بالمشي بل أصبح من الشائع أن تجد بونا شاسعا يمتد أحيانا لساعات بين مكان العمل ومكان السكن إذا ما توفرت السيارة!
ولست أبالغ إن قلت إن السيارة أعادت صياغة شكل العالم من حولنا ونافست الإنسان في سيادته على الأرض، وإن كنت في شك من ذلك فاسأل مهندسي تخطيط المدن لماذا يخططون للشوارع قبل أن يخططوا لإسكان البشر؟!
وإن كان لا يزال في نفسك شيء من ريبة ففكر أن تنظر إلى العالم بعيون القطط وكيف تبدو أحيانا عاجزة عن أن تواكب سرعة الحركة في شوارع البشر وكلما استوعبت لونا من النشاط البشري خرج عليها بألوان أخرى!
أعادت السيارة معادلات الثراء والفقر الاجتماعي ومعادلات الحياة والموت بحوادثها وأخطارها ونسب وفياتها وهي الأعلى في العالم كما رسخت التوترات النفسية بزحامها!
وأصبحت لدى خبراء الدعاية المكان المفضل لبث الدعاية الإذاعية باعتبارها السجن الذي يقضي فيه واحدنا مرغما سنوات من عمره دون أن يدرك!
وصار من الممكن في كثير من الحالات الحكم على طبيعة نفسية السائق من خلال شكل سيارته ولونها، فثمة المتواضع القانع وثمة المتشبب وثمة المتغطرس بقدرات سيارته وعنفوانها فلا تدري أهي أورثته الغطرسة بإمكاناتها أم أنها نفسية الغطرسة دفعته لهذا الاختيار؟
ودون غيرها من المخترعات اقتضت السيارات قوانين خاصة وشرطة خاصة ومهن متخصصة في الصناعة والسياقة والتصليح على نحو أعاد صياغة شكل العلاقات البشرية!
وإذا كنتم تعتقدون أنني قلت في السيارة ما لم يقله نزار في المرأة أو مالك في الخمر وأن السطور السالفة كفيلة بتصنيفي ضمن أشد المتحمسين لها فسوف أفاجئكم بالقول إنني من أشد أنصار البيئة وأكبر المتحمسين لفكرة "أيام بلا سيارة"!
عندها فقط سيكون بإمكاني أن أتابع بسيارتي التزام الناس بالتخلي عن سياراتهم في تلك الأيام دون خوف من الحوادث أو خشية على نفسيتي من الزحام!
|