بصراحة لقد حاولت عدم الكتابة في الموضوع ، ولكن لم استطع تحمل ذلك الوعي القاصر الذي يحاكم فعل الإنحراف انطلاقا من أحكام مسبقة ومعايير بالية ومهترئة ضد الإنحراف ، فمقالي هذا ليس دافعا عن المنحرف بل هو مجرد تعبير عن رؤية ما يجسدها فعل الإنحراف في قلب المنحرف عبر سلوكه و ووعيه بذلك السلوك . فالمنحرف من وجهة نظري لا ينحصر ابداً داخل النطاق الذي يحدده المجتمع ويقيمه أخلاقيا حتى تسهل عليه عملية النبذ والقمع بقدر ما هي رؤية تتجاوز قيم المجتمع ومحدداته الأخلاقية ككل . من هنا فكلمة انحراف لا تعني تمرد او عدم انتماء فقط بل ايضاً تعني وهو المعنى المهم في نظري ، انحراف اي خروج عن المسار الإجتماعي والأخلاقي ضمن رؤية مؤطرة بوعي صاحبها ومحسوبة العواقب . فالوعي هو الذي يؤسس لفعل الإنحراف باعتباره محفز على ذلك الإنجراف عن مسار اجتماعي ذاخل مجتمع ما او منظومة دينية وسياسية ضمن جغرافيا محددة . والإنحراف باعتباره وعي يختلف عن فعل التمرد الذي يقوم اساسا على ردة الفعل ضد المجتمع ضمن رؤية تفتقد الوعي الذاتي الذي من خلاله تبرز شخصية المنحرف بقدرتها على وعي الأشياء في عمق بنيتها و تشكلاتها وبالتالي يكون انحرفه عنها هو نتيجة حتميةعكس المتمرد .فالتمرد باعتباره ردة فعل هو في الغالب يصدر عن ذات لاتعي عواقب سلوكها ولا تدرك دوافع ثورتها حيث ينتج عن هذا السلوك الغير واعي انعدام المسؤلية ، والمتمرد قد يفعل اي اي شيء ولكنه في نفس الوقت عاجز عن تبرير سلوكه او الدفاع عنه لكونه لا يملك القدرة على تبرير سلوكه من حيث هو تعبير عن ذات او رغبة تلك الذات في اعلان نفسها . باسلوب سلوكي محدد نطلق عليه تمرد . من هنا تنشئ من وجهة نظري المفارقة بين فعل الإنحراف الذي يتأسس على الوعي الذاتي والإحساس الذاتي وبين التمرد الذي ينطلق او يعبر عن ردة فعل او انتقام ضد ظروف معينة . والفرق شاسع بين كل المساريين ، بحيث يستطيع المتمرد ان يعود ويغتدر عن ما فعله من سلوك او يشعر" بالندم " عكس المنحرف الذي يستطيع تبرير سلوكه والإفتخار به وايضا تجاوزه باعتباره تعبير عن لحظة وعي بالذات في زمن غير متناهي . وكذليل من واقعنا الإجتماعي ناخد بعض نمادج التمرد الذي نشاهدها ـ يومياَ، وحتى اقول لك ان مجتمعنا وبيئتنا لا تفتقد الى المتمرد بقدرما تفتقد الى" المنحرف" وقبل ان اضرب لك بعض الأمثلة ،اخبذ ان اعبر عن تلك الأمثلة ضمن منظومة قيمية ودينية ، وهي في حالتنا المجتمع" المسلم ـ" الذي يتحدد بقيم وتقاليد واعراف معينةـ بحيث نستطيع ان نلمح فعل التمرد ضمن تلك المعايير المحددة في تلك المنظومة القيمية التي يقتات عليها الإنسان العربي ... انطلاقاً من التعريف الذي وضعته لفعل التمرد باعتباره ردة فعل تفتقد الى وعي يبرره ـ فمهمة الوعي هي تأسيس معايير أو قوانين يتم من خلالها الإنحراف على كل نسق فكري ومعرفي واجتماعي واخلاقي 1_ الدعارة : هي تعبير عن تمرد ورفض لقيم المجتمع الذي يرى الدعارة تعبير عن فعل سيء ، والدعارة هنا هي تعبير عن تمرد لكنه بدون وعي ـ والدليل هو ان كل عاهرة تخجل من مهنتها ولا تستطيع تبريرها او الدفاع عنها ـ وهي في كل الأحوال تشعر بندم وصراع نفسي عنيف بين مهنتها ـ وبين قيم ذلك المجتمع الذي تعيش ضمن تشكلاته الأخلاقية من هنا يمكن أن نقول أن فعل الدعارة قد يكون تمردا ضد قيم المجتمع ـ وليس انحرافا على المجتمع اي بنية ذلك المجتمع المشكلة من قيمه واخلاقياته و 2_التبرج [ اقصد الحجاب ] هنا في المغرب الكثير من الغير المحجبات ، وهدا ضمن المعيار الذي نعتمده يعتبر تمرد على تلك المنظومة الدينية الذي تعتبر الحجاب ركن اساسي من قيمها ، ولكن مشكلة هذه المتبرجة هي انها لم تتمرد عن وعي بحيث تستطيع تبرير رفضها للحجاب بل هي تمردت ، ولكن حين تسألها عن سبب عدم ارتدائها للحجاب ـ ستقول لك وبشكل الي ..انها ستلبسه في وقت ما . هذه بعض النمادج التي تعبر عن فعل التمرد في مجتمعنا . وهو تمرد بلا وعي ـ وغالبا ما يكون تعبير عن نزوة كما يقول البعض . ولكن هل المتمرد ضمن هذه المعايير يعتبر منحرفاً ؟؟، الجواب سيكون لا لكونه يعجز عن تبرير سلوكه وكذا الدفاع عنها . معايير الإنحراف 1_ الغاية تحدد الوسيلة 2_القدرة هي التي تسوغ الغاية وتعكسها كسلوك . وهذه المعايير اي معيار "القدرة " و"الغاية" يرتبطان دوماً بالوعي باعتباره محرك اول في العملية .. والمنحرف لابد وان تتوفر فيه هذه العناصر حتى يكون منحرفا ومعبر عن ذلك الإنحراف بشكل صحي . ولكن السؤال المطروح هو هل يكون المنحرف بلغة " المجتمع " فهو ليس اكثر من مستمني لافكار الاخرين ....ولم ينضج بعد ...لاشك ان المنحرف الذي صاغه المجتمع وفق تشكلاته الأخلاقية يخالف ما جئت به ... الكتابة والإنحراف الكتابة باعتبارها تعبير عن تراكم معرفي ،تقابلها فعل القراءة الذي يراكم تلك المعرفة ، في نظري فالقراءة ليست هدف بقدرما الهدف هو قراءة تراكم اللغة من اجل ان يعبر المنحرف عن نفسه وتجاربه ومغامراته،فالمنحرف لا يحتاج الى افكار الأخرين ولا الى مذاهبهم بقدرما يحتاج الى اللغة من اجل ان يعبر عن نفسه ..فقراءة افكار الأخرين في في مجملها عملية اكتساب "لغة"وليست اكتساب افكار لأن الإنحراف لابد وان يستند الى تراكم تجارب على الصعيد الإجتماعي . الأفكار الأخرى وعلاقتها بالإنحراف من يستطيع ان ينكر او يدعي ان الأفكار الإخرى الوافدة الينا او التي نقراها او نبحث عنها او التي تعبر عما نريده لا ثؤتر علينا او تجدبنا اليها كما تنجدب الأرض بفعل الجادبية ؟ ان للفكرة سحر وبريق يأخدنا الى عالمها واحلامها او تسلب ارادتنا نحوها بل هناك من يعيش سجين تلك الفكرة أو المذهب الذي استحوذ على عقله ووعيه وبات جزء منه واليه كمثال الماركسيين والمؤمنين بالألهة والأديان ..الخ ليس هناك كائن من كان لم يتأثر بافكار الأخرين ومذاهبهم وتوجهاتهم .على انه يمكن ان يكون هناك حد لهذا الثأثر مع ازدياد وعينا بالحياة باعتبارها سيرورة غير متوقفة على فكرة او مذهب واحد .، والوعي باعتباره كائن ينمو كلما خرج من تلك الأنساق الفكرية والإجتماعية او بدقة كلما انحرف عما الفه وعاش في وسطه ، فالإنحراف عن الأشياء والأفكار هو ما يميز وعينا او يحدد مدى نموه او انكماشه او توقفه عن النمو . فانت كبراهيم خليل ثأترت كثيرا بالأفكار الإخرى وربما تبنيتها ودافعت عنها حتى الرمق الأخير . وهذا ان ذل فهو يذل على قوة الفكرة او المذهب او ضعف شخصية المتلقي أو القارئ الذي يتبنى الفكرة ويدافع عنها . على ان انحرافك عن الفكرة او المذهب يحدد ب شكل مباشر نمو وعيك واتساع افقك من حيث انك خرجت من تلك الدائرة او النسق الفكري الى انساق اخرى اكثر رحابة او قوة ، وربما تصبح من اشد اعداء تلك الفكرة التي كنت تدافع عنها بالامس . وهنا فقط يكمن جوهر ما اريده أو ما اراه في شخصية المنحرف الذي ينحرف دوما عما جدبه يوما ما َ محاولا خلق نمط تفكير يصوغ من خلاله رؤيته الى الحياة او الفكر أو الأشياء من خلال وعيه الذاتي الذي ينمو كلما انحرف عن المسارات التي وجد نفسه فيها يوما ما ، عدم الثبات مرة اخرى ارتكبت خطأ اخر ، من حيث انك اتهمته بعدم الثبات ، وهذا يذل على كونك كائن تحب الثبات على شيئ معين ، وهذا ما يرفضه المنحرف باعتبار الثبات مخالف للتطور والتغير المستمر في الحياة .فالثبات على الفكرة او المذهب لا يعني في كل معانيه إلاجمود عقل المتلقي او الكاتب الذي يكرر نفسه من خلال دورانه على ذلك المذهب او الفكرة التي يتبناها او يتأثر بها. فعدم الثبات هنا يذل بشكل تلقائي على قابلية الذهن على تقبل كل جديد مخالف للما الفه ، وبلغة التطور ، التكيف مع كل جديد ممكن ، وهذا ما يفتقده الثابتون من المؤدلجين . المنحرف واللامنتمي فالمنحرف ليس هو حالة رفض حالة رفض او احتجاج على ماهو موجود بقدرما هو كائن متشكك في كل شيء ، فالشك في نظره هو الوسيلة الوحيدة التي تمكنه من تطوير نفسه ووعيه ووجوده في الحياة ضمن المعايير التي ينطلق منها ، والتي بدورها تخضع للعملية تبذل وتغير مستمر .فالشك دينمامية غير متوقفة ، بحيث ينتج عن هذا الشك فقدان الإيمان بالحقيقة أو اليقين الذي يستحوذ على العقول بكافة اشكالها . وتبدو الأشياء تعبير عن الإستمرارية لا الثبات . من هنا تبدو العلاقة او الروابط التي تربط عدم الإنتماء بالإنحراف باعتباره تعبير عن حالة وعي متغير ومتطور بفعل خاصية الشك التي تكون جزء محرك في العملية