المدونات في :

أرسل الإدراج التالي


اســمك مطلوب
بريدك الإلكتروني مطلوب
بريد صديقك الإلكتروني مطلوب
الرسالة 300 حرف كحد أعلى

محتويات الإدراج الذي تريد إرساله:
صليل الأساور ...

 زوار المدونة الكرام

القاصة المبدعة /منى الشيمي((صفصافة))

هى ضيفتنا اليوم.. تدخل بنا عالم القصة القصيرة

.....

صليل الأساور

لم تكن ثمة حركة غير عادية في المكان ، تحلق بعض الرجال حول رجلين يلعبان ، يرسمان المربعات الصغيرة على الأرض ويرصان فيها الحصى الملون ، عند انتهاء الدور بفوز أحدهم ، تعلو همهمة خفيفة من باقي الرجال ،ويعيد الآخر تخطيط المربعات على التراب الناعم بإصبعه .
جلسوا على الأرض ، اتكأ أحدهم على مرفقه ونام آخر على جنبه ،بينما قرفص الباقون فغبرهم تراب الأرض الناعم الرطب ، تراب لم ير الشمس منذ وقت طويل ، تعلقت ذراته بجلودهم ،كأنهم تماثيل صلصال جاف ، تماثيل تتحرك برتابة ، لا شيء يدفع النشاط في عروقهم ، تركوا لحاهم تنسدل طويلة ومتشعثة ، شيء ما مخيف ينثال من مناظرهم ويجعل المرء يهرب من رؤيتهم ، فلو ترك نفسه لأشباحهم تتحرك أمامه لتبخرت روحه في الهواء .

 تململ الرجل الوحيد عند الجدار ، منذ وقت طويل لم يشترك مع الباقين في حديث ، يستند بظهره للجدار ويغفو ، فإذا ما سمع وقع قدم ، شخص بصره وتطلع للكوة ، استطالت لحيته وابيضت في كل موضع ، فإذا ابتعدت الأقدام يعود ليصنع من ساقيه هرمين صغيرين ، يسند بينهما رأسه ، ويذهب خياله بعيدا بعيدا ، حزنوا لأجله ، حاول أحدهم أن يخرجه مما هو فيه ، لكن محاولاته باءت بالفشل ، كيف يخرج مما هو فيه وزوجته هناك ، صغيرة وجميلة ، يتمناها نصف رجال القرية في صمت ، ويحوم حولها النصف الآخر ، والصغير يتيم ، لا يجد من يتكفل به .
سمعوا أصوات أقدام تدق الأرض في الأعالي ، فتذكر كل منهم المكان بأعلى ، قال أحدهم إنه أول من دخل هذا المكان ، لم يسبقه أحد ، وظل سنة كاملة قبل أن يأتي الوافد الثاني ، قال إنه عانى كثيرا قبل أن تعتاد أنفه رائحة المكان ، وتحدث عن الأشباح التي ظهرت له ، فكان يموت في الليلة عشرات المرات قبل أن يستيقظ في الصباح من جديد ، وتحدث آخر متسائلا عن شكل المكان في الخارج ، لقد جاء وشجرة الجازورينا صغيرة ، لا تلقي بظلالها على مكانهم بينما يؤكد الوافد الأخير أن ظل الشجرة تخطى المكان لما بعده ، وأن القبور ملأت التل وانحدرت بانحداره ، ولامـست الطريق المعبد من الناحية الأخرى .
اقتربت الأقدام حتى صارت فوقهم تماما ، ثم انحرفت يمينا لتواجه الكوة المسدودة بصفين من مداميك الطوب الأحمر ، انتفض الجميع ، وامتدت بعض الأيدي فمحت المربعات من الأرض وبعثرت الحصى هنا وهناك ، هرع كل منهم إلى الموضع المخصص له فدخل في ثوبه الكتاني المعفر بالتراب ، وتلفع بسكونه .

انفتحت الكوة فرشقت الشمس سهمها بالداخل ، انزلق رجل للداخل ليلقف الوافد الجديد ، حمله من تحت إبطيه بينما الرجل الآخر يحمل القدمين ، سجياه وصعدا ، والعيون من بين شرائط الكتان ترقبهما في صمت ، وتتسمع أصوات الرجال في الخارج ، ميز بعضهم أصوات يعرفها ، صديق ليالي السمر ، أو جار حميم التصق جدارا بيتهما، فكاد أن يقفز من رقدته ، ويظهر لهم رأسه من الكوة ، ويبتسم في شوق ، لكنه يعرف أنه لو فعل لفر الجميع قبل إغلاق الكوة .
تمدد الوافد الجديد في الجوار ، تفوح منه رائحة العطر ، كفنه أبيض منشى ، كاد أن يتململ بداخله ، لكن رجلا فتح الكوة من جديد ، وأسقط رأسه ونظر مرة أخرى ، فالتزم الجميع بالسكون والصمت ، حتى إذا رحل ، نفض الجميع الأردية ، وتحلقوا حول الوافد الجديد ، ولكزه أحدهم بعصاه فتحرك الجسد تحت الرداء الأبيض ، ثم تفككت الشرائط ، وتحركت اليدان .
تهللت أسارير الجميع ، كان شابا معروفا لبعضهم ، شاركهم المزاح مرات ، مد كل منهم يده وسلم عليه ، تولى أحدهم تعريف الكبار ، الذين رحلوا قبل إدراكه بكثير فلم يعرفهم ولم يعرفوه ، وكانت فرصة جيدة استثمرها الجميع ، سألوه عن حال البلدة ، سأله كل منهم عن حال الأهل ، سمى له عدة أسماء وتمنى لو يعرف عنهم خبرا ، وسأله آخرون عن شكل المكان في الخارج ، هل اختلف عما كان من قبل ، أما الرجل الصامت دوما فسأله عن حال زوجته وابنه ، أما زالت جميلة ؟؟، تمنى لو سأله .. أمازالت تذكره ؟؟.. هل يجد ابنه الصغير ما يسد جوعه ؟؟..لكنه لم يتحدث ، واتخذ مجلسه بجوار الحائط ، وتشرنق بوحدته .
وقت قصير ، نفضوا فيه الرتابة ، ثم عادوا للصمت الذي يسمح بسماع دبيب القلق في الصدور ، وزحف الأفكار في صعودها وهبوطها ، عاد الرجال لرسم المربعات على الأرض ، والبحث عن حصى مناسب ، وافتعال الاندماج في المراقبة ، أو البحث عن ذكرى يقصها علّ تفاصيلها تثني حواف الوقت المدببة .
عادت الأقدام لتدق الأرض من جديد ، وتضايق بعضهم لأن المكان ازدحم ، وعليهم أن يكفوا عن إحضار آخرين ، وفي لمح البصر ، اختفى كل واحد منهم في كفنه ، تاركا مسافة غير مرئية أمام عينيه ، يراقب منها المشهد ، وكما المرة السابقة ، أسقط أحدهم نفسه وانتظر حتى تناول الوافد الجديد ، أرقده على جنبه الأيمن وخرج سريعا بعد أن أغلق الكوة وهموا في الخارج ببناء الجدار ..
وكعادتهم -في الداخل -بعد كل مرة تطلعت العيون ، وانتظروا برهة ليقشر الوافد عن نفسه غطاءه ، لكن صوتا صك آذانهم وجعلهم في حالة يجف لها العود الأخضر ،لقد صلصلت أساور تحت الكفن ، وبدأ الجسد يتحرك في ليونة ، مد الجميع يده في آن واحد ، حتى الرجل المنعزل هناك ، جاء على صوت الأساور ، مدفوعا بتأثير النشوة ، وشرعوا في تعرية الوجه ، وما أن تم هذا حتى صرخ الرجل الوحيد ، وهمهم الباقون ، كانت زوجته بكامل بهائها ، كادت أن تبتسم له لولا تعبير وجهه المتجهم ، لم تطل نظرته لها ، أسرع إلى الكوة المغلقة ، صرخ بأعلى صوته : هناك خطأ ..امرأة وضعت هنا عن طريق الخطأ ، يجب أن تبعث لمرقد النساء ، عودوا يا رجال .. قهقه رفاقه ، وضع أحدهم يده على صدره من كثرة الضحك وأشار عليه بيده الأخرى كما لو كان مجنونا ، وتمنى آخر لو يسأله ممن تخاف عليها ؟؟ ولعق رجل شفتيه بلسانه وحملق فيها ، أزاحهم من حولها و عاد إلى موضع رقدتها ومازال صراخه يرن عاليا ، أنام ذراعها بجوار جسدها وأحكم لف الكفن حولها ، أغمض لها عينيها وغطى وجهها ، ثم عاد ليقف بالقرب من الكوة ، يصرخ .. لا ترحلوا .. ثمة خطأ ..امرأة بين الرجال .... امرأة .. بين .. الرجاااااااااااااااال ..

 

 




"لا يتحمّل مكتوب أيّة مسؤوليّة عن المواد الّتي يتم عرضها و/أو نشرها في مدوّنات مكتوب. ويتحمل المستخدمون بالتالي كامل
المسؤولية عن كتاباتهم وإدرجاتهم التي تخالف القوانين أو تنتهك حقوق الملكيّة أو حقوق الآخرين أو أي طرف آخر."