المدونات في :

أرسل الإدراج التالي


اســمك مطلوب
بريدك الإلكتروني مطلوب
بريد صديقك الإلكتروني مطلوب
الرسالة 300 حرف كحد أعلى

محتويات الإدراج الذي تريد إرساله:
شرح ابن عطاء الله لقصيدة أبي مدين

واعلم أن طريق القوم دارسة وحال من يدعيها اليوم كما ترى .

لكن إذا ساعدتك العناية ظفرتَ وشمَمْتَ من نفحة طيبة ما يفوق المِسك الأذفر ، ولذلك قال رضي الله تعالى عنه وعنا به ، آمين :

واعلم بأن طريق القوم دارسة وحال من يدعيها اليوم كيف ترى

متى أراهم وأنى لي برؤيتهم أو تسمع الأذن مني عنهموا خبرا

من لي وأنى لمثلي أن يزاحمه م على موارد لم آلف بها كدرا

أحبم وأداريهم وأوثرهم بمهجتي وخصوصا منهم نفرا

شرع الشيخ رضي الله تعالى عنه يشوق السالك إلى طريق أهله ، ويخبرهم أن طريقهم دارسة ، وحال من يدعيها اليوم كما ترى في الفترة حتى كادت الهمم تكون من الطلب آيسة ، وهكذا شأن طريق القوم لعزتها ، كأنها في عصر مفقودة ، ولا يظفر بها إلا الفرد بعد الفرد ، وهذه سنة معهودة ، وذلك أن الجوهر النفيس لا يزال عزيز الوجود ، يكاد لعزته يُحكَم بأنه ليس موجود ، والطريق أهلها مخفية في العالم خفاء ليلة القدر في شهر رمضان ، وخفاء ساعة الجمعة في يومها حتى يجتهد الطالب في طلبه بقدر الإمكان ، فإن من جدَّ وَجَدَ ، ومن قرع الباب ولجَّ وَلجَ .

قلتُ : بعد أن ذكر لا بد من الشيخ في الطريق على سبيل السؤال والجواب كيف تأمرنا بذلك وقد قيل إن وجود الشيخ كالكبريت الأحمر وكالعنقاء ، من ذا الذي بوجودها يظفر ، كيف تأمرني بتحصيلِ مَن هذا شأنُهُ ، فقال : لو صدقتَ في الطلب وكنتَ في طلبه كالطفل والظمآن لا يقرُّ لهم قرار ولا تسكن لوعتهم حتى يظفروا بمقصودهم ، فأشار الشيخ رضي الله عنه إلى أن الشيخ موجود ، وكيف لا يكون موجودا وعمارة العالم بأمثاله ، فإن العالَمَ شخصٌ والأولياء روحه ، فما دام العالَم موجوداً لا بدَّ من وجودهم ، لكن لشدَّة خفائهم وعدم ظهورهم حكِم بفقدانهم .

فاجتهد واصدق في الطلب تجدِ المطلوب ، واستعِن على ذلك الطلب بمَدَدِ علام الغيوب ، فإن الظفر لا يحصل إلا بمجرد فضله . وإذا أوصلك إلى الشيخ فقد أوصلك إليه كما قلت في الحكم سبحان من لم يجعل الدليل على أوليائه إلا من حيث الدليل عليه ، ولم يوصل إليهم إلا من أراد أن يوصله إليه .

ثم إن الشيخ رضي الله عنه ، كما ذكر عزة الطريق ، وفقدان أهلها شرع يتأسف على الإجتماع بهم ويتمناه ، ويستبعد من نفسه حصول ذلك ، والتشرف بلقائه تواضعا منه وانكساراً وهضماً لنفسه واحتقاراً . وهذا شأن العارف لنفسه بنفسه ، الممتلىء من معرفة ربه ، المتحلي بواردات قدسه ، لأنه لا يرى لنفسه حالا ولا مقالا ، بل يرى نفسه أقل من كل شيء وهو هو النظر التام ، كما قيل :

إذا زاد علم المرء زاد تواضعا وإن زاد جهل المرء زاد ترفعا

وفي الغصن عن حمل الثمار مناله فإن يَعرُ من حمل الثمار تمنعا

فانظر إلى الشيخ أبي مدين ورفعته في الطريق مع أنه وصل من تربيته اثنا عشر ألف مريد ، وانظر إلى هذا التنزل منه والتدلي بأغصان شجرة معرفته إلى أرض الخضوع والإنكسار حتى أنه لم ير نفسه أهلا للإجتماع بأهل هذه الطريقة ، ويزيده هذا الإنخفاض من الإرتفاع ، لأن الشجرة لا يزيدها انخفاضها في عروقها إلا ارتفاعا في رأسها .

فتواضع في الطريق ، وخذ هذا الأصل العظيم من هذا العارف المتمكن يزل عنك كل تعويق .

ثم قال رضي الله عنه بعد ذلك < أحبهم إلى آخره > ، أي وإن لم أكن أنا منهم فإني أحبهم ، ومن أحب قوما فهو منهم ، كما ورد في الحديث { المَرءُ مَعَ مَنْ أحَبَّ } . كما قيل :

أحب الصالحين ولست منهم لعلي أن أنا بهم شفاعة

وأكره من بضاعته المعاصي وإن كنا سواء في البضاعة

وهذه خصال القوم وصفاتهم ، ولذلك ارتفعت رتبهم ، وجزلت عطيتهم كما وصفهم رضي الله عنه بقوله :

قوم كرام السجايا حيث ما جلسوا يبقى المكان على آثارهم عطرا

يهدي التصوف من أخلاقهم طرفا حسن التألف منهم راقني نظرا

هم أهل ودي وأحبابي الذين هموا ممن يجر ذيول العز مفتخرا

لا زال شملي بهم في الله مجتمعا وذنبنا فيه مغفورا ومغتفرا

ثم الصلاة على المختار سيدنا محمد خير من أوفى ومن نذرا

أي قوم سجاياهم كريمة وهمتهم عظيمة ، حيثما جلسوا تبقى آثار نفحات عطرهم في المكان ظاهرة ، وأينما توجهوا سطع شمس معارفهم فتشرق القلوب ، وتصلح بهم الدنيا والآخرة ، يهدي التصوف للسالك المشتاق من أخلاقهم طرقا مجيدة تدل على الطريق ويسير في سلوكه سيرة حميدة ، فلذلك جمعوا أحسن تأليف ، حتى راق كل ناظر وجَدُّوا في أكمل معنى لطيف ، حتى اكتحلت بكحل إثمدهم أنوار البصائر .

وكذلك قال الشيخ رضي الله عنه بعد ذلك هم أهل ودي وأحبابي إلى آخره ، فإن الشخص لا يحب إلا من جانسه ولا يَوَد إلا من كان بينه وبينه مؤانسة .

وفي هذا الكلام إشارة إلى أنه رضِي الله عنه من جملتهم وطينته من طينتهم ، وما تقدم منه في التواضع والإنكسار دليل على التحقيق في هذا المجد والفخار كما تقدمت الإشارة إلى ذلك ، فنسأل الله تبارك وتعالى أن يسلك بنا أحسن المسالك ، ثم دعا وسأل أنه لا يزال شمله بهم في الله تعالى ، وذنبه مغفورا ، ونحن نسأله أيضا إتمام الصلاة والسلام على سيدنا محمد المختار خير من أوفى ومن نذر ، ومن أكرم الجار وعلى آله وصحبه السادة الأبرار والتابعين وتابعيهم بإحسان إلى يوم الدين ، وهذا الرقم لمن تعطش ليله في معاني هذه الأبيات ، وإلا فنحن معترفون بالعجز والتقصير عن معانيها وإنما الأعمال بالنيات ، والله تبارك وتعالى أعلم .

تم بحمد الله إنهاء كتابة هذا الكتاب .




"لا يتحمّل مكتوب أيّة مسؤوليّة عن المواد الّتي يتم عرضها و/أو نشرها في مدوّنات مكتوب. ويتحمل المستخدمون بالتالي كامل
المسؤولية عن كتاباتهم وإدرجاتهم التي تخالف القوانين أو تنتهك حقوق الملكيّة أو حقوق الآخرين أو أي طرف آخر."