يعد الوطن الخبز الذي لا نستطيع العيش بدونه والهواء الذي نتنفسه فأينما نتجه هناك بداخلنا شيئا يربطنا به حنين لايتوقف ..اشتياقا دائم.. هو الحقيقة التي لايكاد يختلف عليها اثنان.
فبالتالي يختلف كل منا في وجهة نظره مع الآخر حول رؤيته للحياة وتعامله مع الواقع أي كان وضعه ويبقى لهذا الخلاف مذاقه الخاص وفلسفته التي تحوي نواة الاستمرار في معادلة مانحن فيه وما ينبغي أن يكون عليه الطموح والترقب والانتظار والهروب والتوقف أحيانا والركض أحيانا أخرى خليط من المشاعر والعواطف والشرود والاستغراب والتفكير في كل شيء وأشياء كهذه قد لانختلف عليها ونحن في داخل الوطن أو بعيدين عنه .
الوطن لايعني عموما الجغرافيا وخطوط الطول والعرض وبحر هنا وجبال هناك هو شيء تعيشه إحساسا يتعذر وضعه في كلمات .
شاركني العديد من المثقفين في إيجاد حل لهذه الإيقونة السهلة الممتنعة والمعادلة الصعبة، آراء كلا منهم تكاد تجزم عندما يختلط ذاك العرق بتراب الوطن الأصيل يكون عبقه لاتضاهيه مكانة على الأرض .
هل نفتقر إلي ثقافة حب الوطن وهل أصبح الوضع الراهن في دولنا العربية ينتزع هذه الثقافة شيئا فشيئا؟
يقول الأستاذ جلال عثمان مدير تحرير مجلة الجليس
سؤال ليس سهلاً على الإطلاق ياحنان ، أقل ما يمكن أن يفعله بنا هو إجبارنا على مراجعة الذات هل يوجد بيننا ما يعرف بثقافة حب الوطن أم لا ؟
و في اعتقادي كليبيين نفتقد إلى هذه الثقافة، وعلى سبيل المثال سمعت عدد من الشباب الليبيين غداة خسارة فريقنا الوطني يقولون :
(يستاهلوا إنشاء الله من خسارة لخسارة)
و رأيت بأم عيني زبال مصري يبكي غداة فوز مصر في البطولة العربية و يقول: (عمار يا مصر).
رغم يقيني إن هذا الزبال ليس لديه عشر ما لدى أفقر ليبي.
لقد اختلطت لدينا مفاهيم الثورة بمفاهيم الوطن فكرهنا الوطن نكاية في من شوهوا الثورة، و صرنا نعتقد إن الوطنية ضرب من الوصولية و التقرب للمسئول ، أنا شخصياً أينما ثمة كرامتي ثمة وطني، و أينما ثمة حاجاتي ثمة وطني ,و لست من أنصار الشعارات الجوفاء فعصر البطولات القومية انتهى بانتهاء غاندي و جمال عبد الناصر.
بينما تقول سلمى رشيد فلسطينية الجنسية التقيتها عبر الايميل

الانتماء للوطن إحساس فطري يكبر معنا منذ خطواتنا الأولى على ترابه ،، يتعمق ويزداد رسوخا كلما اكتشفنا وعشنا قيمه الرائعة وجمال الانتماء إليه
فوالله لا نرضى أن يهان ويغتصب ويكيد له الكائدون ونصمت
كيف يتكون هذا الإحساس بالاستعداد للموت في سبيله !
الوطن هو الرئة التي من خلالها نتنفس الحياة
يا حنان.....
يسود هذا الإحساس هذه الأيام بأنا فقدنا بوصلتنا وإحساسنا بالمواطنة وفقدنا ثقافة حب الوطن
ولكن صدقيني هذا الإحساس ضاربة جذوره في كل واحد منا ولكن نريد من يستنهضه ،، ويوجهه الوجهة السليمة...
شبابنا العربي المسلم صاحب نخوة ورجولة حقة وما تشاهد ينه من شواذ سيرجعون بإذن الله إلى الدرب الصحيح.
تحدثني الممثلة والمترجمة الليبية سعاد خليل:
حب الوطن ليس ثقافة أنما هو شعور، إحساس، انتماء، هو نابع من الارتباط، من الموروث الذي ولد منه الإنسان ولكن قد تكون هناك إشكاليات الداخلية تمس المواطن مسا مباشرا مثل الفساد الادراي الذي يوجد داخل بعض مؤسساتنا وممارسات غير صحيحة تمارس على المواطنين ولكن هذا ليس له علاقة بحب الوطن وأحيانا البعض يسافر إلي الخارج للإيجاد وظائف وفرص اكبر للعمل لتوفير حياة مريحة ولكن يبقى حبه وانتماءه لوطنه الذي إنشاءه وإعطاءه الكثير.
الوطن يبقى وطن الآباء والأجداد فحب الوطن مرتبطا تماما بالوجدان ولا يتعلق بأي ممارسة سياسية عربية خاطئة سواء داخلية أم خارجية .
فيوجد خلط لدى الإنسان من هذه الناحية وربما هذا الخلط ناتج عن عدم فهم وإدراك الشخص لمعنى الوطنية والمواطنة بالإضافة إلي ثقافة الإنسان نفسه ومفهومه للحياة بصفة عامة فان لم تتوفر له حياة مستقرة داخل بلاده يضطر إلي السفر للخارج ولكن يبقى هناك شيء ناقص وغير موجود مهما توفرت له كافة احتياجاته.
وبالنسبة لي إنا تجولت في العديد من الدول سواءا عن طريق دراسة أو عن طريق سياحية والتي تمثل بالنسبة لي أيضا ثقافة وعمل ولكن دائما أحس بالغربة وأريد أن أعود لهذا الوطن لأنه هو الذي أمدني وجعلني (أنا) فلا بد أن يصحح ذاك الخلط .
ولابد أن تسخر ثقافتنا لحب الوطن وإذا لم تسخر تلك الثقافة لن تصبح ثقافة.
فلاشيء يبقى سوء الوطن وأؤكد أن حب الوطن هو شعور وإحساس وميول وانتماء وهو كتلة وعمق من المشاعر الرائعة المختلفة .
شاركني الكاتب القدير الأستاذ محمد السنوسي الغزالي .
أظن أن هذا السؤال مركب لدرجة شعوري بعدم فهمه؟؟ لكني إذا فهمته فهو محاولة مطلقة لربط الوطنية بواقع الأنظمة..بمعنى أن هذا الربط قد أصبح إشكالية وتحصيل حاصل وهو في نظري غير صحيح..الانتماء للوطن أو الإنسان لاتلغيه أوضاع راهنة أو غير راهنة ..وإنسان هذا العالم لم يعد يقيس مواقفه بهذه الهوية..الإنسان هو الإنسان والأجدى أن يحتفظ بآدميته وإنسانيته مهما كان قبح الواقع..ليس هناك من يتبرأ من إنسانيته أو انتماءه بسبب نظام سياسي بعينه..والسبب فيما يبدو لي لهذا السؤال المركب بالذات هو أن الأمور أصبحت تُقاس بمدى ما يكتسبه الإنسان من وطنه وليس بمدى ما يقدمه هو لوطنه أو إنسانيته بالأحرى..أي أن التفكير بمساحة البطون والكسب فقط ولذلك سنجد الكثير من الكتابات السيارة في هذه الأيام تتحدث عن ما لم يحصل عليه الإنسان من وطنه أسوة بغيره الذي يراه لايستحق ألا إذا كسب هو مثله ومهما كانت الطريقة...الوطن والهوية والإنسانية لاتقزم ولا تؤطر في هذا الحيز السطحي..وهذه هي وجهة نظري..إذا فهمت أنا السؤال طبعا.
كما كان للقاص والكاتب الأستاذ صديق بو دوارة رأي آخر/ يرى من خلاله

قببر في وطني أفضل من قصر في غربتي ، مع احترامي لهذه المقولة المشحونة بكم هائل منالرومانسية ، إلا إني لااوافق تماما على ماتحمله من قيم تنحاز فقط للرمز دون انحيازها لمن يصنعونه تتحدثين ياحنان عن ثقافة حب الوطن.
(( فهل تعني هذه الثقافة أن لايحبك الوطن ؟))
الحب عاطفة مجردة ، إحساس ، وهو في النهاية التزام ، لكنه عقد لايكمتل إلا بتوقيع الطرفين ، فما معنى أن ابذل الروح لأجل عيون وطني بينما يبخل علي بكوخ صفيح ؟
وضعنا العربي صادر الكثير من روعة هذا الإحساس، القيمة العليا هنا تهبط من سماء رمزيتها لترتطم بجدار الواقع ، هناك قصر يجب على الوطن أن يمنحه لنا ، هناك التعليم الجيد والمرافق الصحية والهواء النظيف والكهرباء التي لاتنقطع والمياه الغير ملوثة والشوارع التي تخلو من المطبات والإسكان والمرتبات التي لاتتأخر ..
كل هذه قصور من حق ساكني الوطن حرموا منها ويحرمون منها كل يوم بداعي الأزمات الاقتصادية والحروب وشد الحزام وقضايا الفساد وألف سبب آخر ، لكنك تجدين كل يوم من يتفانى في خدمة الوطن دون أن يطلب شيئا .
حب الوطن ليس تجارة كما قد يظن بعض من يفهمني بشكل مغلوط ، وليس مسألة عرض وطلب وليس بضاعة لاينالها ألا من يدفع أكثر .. انه فعلا قيمة عليا أثمن من أن تشترى أو تباع ، لكن هذا لايعني أن يكون وطني بخيلا معي إلي درجة أن يمنحني سوى قبرا ، عندها لن اخجل لو صحت في وجه هذا الكيان الطيب : اعذرني أيها الأب الحديدي ، اعذريني أيتها الأم الجافية ، قصر في غربتي أفضل ألف مرة من قبر في وطني .
يشاركنا الرأي الأستاذ حمد المسماري الكاتب والصحفي:

في رائي حب الوطن ليس ثقافة بل هو انتماء وانتماء لايقاس بأحداث السياسة والاقتصاد أو ما شابه بل يقاس بمقدار الحب الذي يسكن قلب المرء فطريا على
ثرى أرض وبلادا أحبها منذ نعومة إظفاره.
واعتقد أن عبارة الكاتب المصري إبراهيم خليل قبر في وطني أفضل من قصر في غربتي ماهي سوى مزايدة رخيصة على قيمة الحب بحد ذاته .
والحب كما قال احدهم (( موقف عقلي متناهي الرزانة )) ولا يحتمل كل هذا المشاعر الفياضة والكلمات البراقة الوضع الراهن في وطننا العربي مهما بلغ أقصى درجات التدهور والسؤ ، لايمكنه أن ينتزع ذرة حب واحدة مالم يكن هذا الحب أصلا مشاعر غير راسخة الجذور في أعماقنا.
بينما يسترسل عبر كلماته شاعرنا القدير راشد الزبير قائلا :

الوطن هو ذلك المكان الذي تحتضنه بعينك وأنت في حماه، وتلتفت إليه بأحاسيسك وأنت بعيد عنه، هو ليس التراب والشجر والحجر، وليس الشوارع والعمارات فقط
فتلك الأشياء لها نضائر في كل مكان ، وما يتميز به موقع عن غيره، هو تلك الصلة غير المرئية بينه وبين أعماقك ، إذا ذكرته فاضت مشاعرك ،وان ابتعدت عنه يحملك الحنين إليه .
تقدم روحك ومالك وولدك أن أحدقت به المخاطر، وتفني زهرة عمرك من اجله، وأنت مرتاح الضمير، انه رقعة من الأرض لو صغرت لا تستبدلها بالكون كله.
فإذا ما قبل كاتب بقبر في وطنه على قصر في غربته فهو من جهة يجد ذلك التواصل بين الذات ونبع الحياة ، ولكنه من جهة أخرى يقبل من وطنه بالفتات ، وهي مثالية قد لاتجد لها صدى على ارض الواقع .
فلا معنى لوطن تهدر فيه كرامة الإنسان، ويظل السؤال يقول: هل نحتاج لثقافة تقودنا لحب الوطن ؟ فإذا سلمنا بذلك نكون قد أوكلنا لغيرنا قيادة وتوجيه مشاعرنا ومثلما يوجهها لهذا الحب فقد يقودنا لمستنقع الكراهية ، وما من إنسان يولد وبأعماقه حب فطري للتراب الذي نشا عليه ، غير أن هذه الأحاسيس لايمكن لها تتجذر إلا إذا كان الفرد موفور الكرامة ، محاطا بالأمان ، ومتمتعا بالعيش الكريم ، فإذا تحول الوطن إلي بيئة طاردة ، وانقطع الحبل السري الذي يشد التراب إلي التراب ، ابتلعت المنافي فلذات الأكباد يمضغهم الشتات ويبصقهم على بلادة الصقيع وكل منهم يعفس على الجراح حتى لاتفلت منه ألاه ، تبعثرهم مراكب اليأس بعيدا وحلم كل واحد منهم أن ينجو بظله من براثن الجدران قانعا من الحياة بنفس عميق دون استئذان وعندها يسقط الطرفان في خانة الخاسرين .
حنان كشبة