المدونات في :

أرسل الإدراج التالي


اســمك مطلوب
بريدك الإلكتروني مطلوب
بريد صديقك الإلكتروني مطلوب
الرسالة 300 حرف كحد أعلى

محتويات الإدراج الذي تريد إرساله:
انتهت الحرب

مقالة للكاتب موسى برهومة " - انتهت الحرب

وسيكون علينا أن ننسى، وأن نعد الملابس النظيفة للعمل، وأن نحدق بلا تردد في خزانة الثياب، فنختار أكثر ربطات العنق أناقة وأشدها إبهارا، فالحرب قد انتهت، والشهداء يستعدون للنوم الطويل بعد أن أزعجت رقدتهم الطائرات، وعضت هناءاتهم الصواريخ، ولوثت أنفاسهم القنابل الفسفورية.

  عمال الطوارئ منهمكون، بلا شك، في إحصاء الجثث وإزالة الموتى من تحت الأنقاض. لقد كان عملهم قبل وقف إطلاق النار متعبا ومشوبا بالحذر. الآن بمقدورهم أن يسحبوا نفس سيجارة بين كل عمارة وأخرى، ولربما يعنّ على بال أحدهم أن يحتسي الشاي بالنعناع ويستثمر بعضا من دفء ظهيرة في نهارات غزة الموحشة.

 ولا على هؤلاء لو أخذوا قيلولة، فالمشوار طويل، والجثث التي لا يتم العثور عليها اليوم سيعثر عليها غدا أو بعد غد، أو يمكن أن تدل عليها الرائحة، الرائحة التي تذكّر العابرين بأن ثمة أنفسا قد أزهقت في هذا المكان أو ذاك، أنفسا كانت قبل أن تلفظ أنفاسها تلهو بقطعة خشبية تهيأ لها أنها لعبة، أو تستعد للتسوق بعد أن تصمت المدافع، أو كانت تعد الحساء على عجل قبل أن تنهار البناية المجاورة.

 الحرب انتهت. زال عبء كبير عن أكتافنا، فلقد بقينا محشورين أمام التلفاز أكثر من عشرين يوما، امتنعنا فيها عن الفرح العلني وعن ارتياد المقاهي أو إقامة الأعراس أو المشاركة في كرنفالات التسوق التي هذا وقتها المناسب الآن، بعد التنزيلات الكبيرة والمغرية.

 الحرب انتهت. ياه كم أتعبتنا الحروب. نزفنا خلالها دمعا مدرارا، وبحت منّا الحناجر، وتشققت القلوب. أدمتنا غزة، وأتعبت أقدامنا من كثرة المسير في المظاهرات المؤيدة لها.

 وادعين سنعود للعمل، وسعداء، وثمة بعض من بشاشة لا بد أن يلمحها كل من يتفرّس في ملامحنا. لقد أفرغنا حمولة الغضب التي كانت تضج في صدورنا. لم يبق في أعماقنا أي صراخ أو أي نزق أو أي اعتراض على أي شيء. وادعين جدا، وأكثر مما نستحق أو نتوقع.

 الحرب انتهت، فلتضع مؤشر الريموت على الـ (إل بي سي) ولتتمتع بما حرمت نفسك منه طوال عشرين يوما كانت مضمخة بالدم ورائحة الجثث والمؤشر المتصاعد لأعداد الشهداء والجرحى.

 الحرب انتهت. تعالوا ننخرط في السجال المفضل عن أي الجهات أكثر تحملا لأسباب الحرب ونتائجها الكارثية، ونراقب من انفتق في ثوب الإجماع العربي المهرّأ. هل كان ثمة إجماع عربي ذات يوم؟!

 الحرب انتهت، فتعالوا نتسول من أجل غزة. وتعالوا نشتجر مرة أخرى ونعقد قمة جديدة في بلاد الواق واق نؤكد فيها تضامننا مع دماء الأبرياء الذين سقطوا وسيسقطون في الأيام المقبلة وفي الحرب التي أضحت جزءا من الفولكلور الوطني العربي. فثمة أطفال فائضون عن الحاجة، وثمة مدنيون يتعين التخلص منهم بأية وسيلة، كي يتحقق التوازن الديمغرافي، فمن لم يمت بالحرب مات بغيرها.

 

الحرب انتهت. والشهداء سينعمون بنوم مسيج برجاءات حارة بأن يظلوا في منأى عن الندم، أو عن الجدل الذي يخوض فيه الخائضون في تحديد عدمية هذه الحرب أو جدواها النضالية وامتداداتها الجهادية التي تربط الأرض بالسماء.

 

وفي هذه الأثناء، ماذا عليّ أنا الجالس الآن في مكان مكيف في فندق خمس نجوم في الكويت، لو استعدت سيرة الموت الفلسطيني، وقلت ما أشبه اليوم بالبارحة، وما أشبه هذه اللحظة باللحظة المقبلة. ماذا عليّ لو استللت خصلة من مديح الظل العالي، وهتفت مع الراحل محمود درويش:

 "الطائرات تطير. والأشجار تهوي.

 والمباني تخبز السكان. فاختبئي بأغنيتي الأخيرة.

 أو بطلقتي الأخيرة. يا ابنتي

 وتوسديني كنت فحما أم نخيلا

 نامي قليلا".

 فناموا قليلا يا بني قومي أو ناموا كثيرا، فالحرب قد انتهت، نعم قد انتهت، فما ألذ نعمة النسيان.

 

 




"لا يتحمّل مكتوب أيّة مسؤوليّة عن المواد الّتي يتم عرضها و/أو نشرها في مدوّنات مكتوب. ويتحمل المستخدمون بالتالي كامل
المسؤولية عن كتاباتهم وإدرجاتهم التي تخالف القوانين أو تنتهك حقوق الملكيّة أو حقوق الآخرين أو أي طرف آخر."