المدونات في :

أرسل الإدراج التالي


اســمك مطلوب
بريدك الإلكتروني مطلوب
بريد صديقك الإلكتروني مطلوب
الرسالة 300 حرف كحد أعلى

محتويات الإدراج الذي تريد إرساله:
انا، أمي و محمود و العبودية

catene


في المساء الي وراء الحادثة بتاع الست فاتن و أولادها رحت على بيت أمي عشان أشوف كيف حالها بعد الي صار.
صورتها  لسى على بالي... حتى و إن مرت سنين و سنين مش حنسى ذيك النظرة.
عيونها كانت حمرة و شوية منتفخة، مبين عليها أنها بكت كثير. كانت رابطة راسها بمنديل مطوي على جبهتها، زي ما بتعمل كل ما بيجيها صداع.

بس كانت رافعة راسها و بتقوم بشغلها بالبيت زي انه ولا شي صاير. كانت بتقدم الأكل لأخواني و اختي الصغيرة منى كانت بتساعدها و الذكور كيف عادتهم بيلاعبوها و بيضحكوا عليها عشان كل مرة بتجري عند ماما و تصيحها. و لا واحد منهم كان عارف الموضوع و نضرة أمي عند دخولي فهمتني انه ما كان لازم يعرفوا.

بقيت معاها بعد ما دخلوا كلهم على غرفة التلفيزيون. و سألتها بنظري: شو صاير يا ماما؟ شو هالحكاية؟

نظرت فيا كأني مخلوق غريب ظهرقدامها بفجأة و بعد ما تعرفت ليا ضمتني على صدرها و قالت "معليش، معليش يا بنتي. هذي هي الحياة بالنسبة النا يا بنتي. ابوكي رجل و الرجالة الهم الحق معاهم. احنا نسوان يا بنتي، احنا علينا نحارب على شرفنا و على ولادنا و علينا بالطاعة يا بنتي. هذه هي سنة الحياة من يوم ما خلقها ربنا ليوم القيامة."

- " كيف يعني يا ماما؟ احنا مكتوب علينا بنتبهدل و بنتعذب و نسكت؟ احنا الي بنتحمل لحالنا كل شرف العايلة يا ماما؟ الرجالة ما الهمش نسبة في هالمسؤولية؟"

- "الرجالة يا بنتي حراس على شرف العايلة. بس هالشرف احنا الي حاملينه على عاتقنا. الرجل يا بنتي يغلط و يتسامح! بس احنا اذا غلطنا ما فيه و لا واحد بيسامحنا."

- "و دا مش باطل يا ما؟ مش ظلم؟"

- "ما بعرفش اذا كان ظلم و الا لا يا بنتي. الي بعرفه انه حياتنا هيك. انا لقيت أمي بتعيش هالحياة.انا بعيش هالحياة. و انتي هلا يا بنتي بديتي مشوارك في هالحياة. زيي و زي أمي و زي أمها قبل منها. هذه حياتنا."

بكيت انا في حضن امي و هي ما طلعت من عينها دمعة. بقت بتحضنني و بتهدي فيا. بقت عيونها مرفوعة لفوق بتشوف السما من خلال الشباك بتاع المطبخ، سارحة في أفكارها، حتى سكتت و رجعت لبيتي.

ذيك الليلة لما دخل محمود متأخر زي عوايده، عملت نفسي نايمة و تعبانه كثير عشان ما كان بدي احكي معه. شو كان ممكن احكيله ؟ كان ممكن أسأل ليش الحياة اعطاته كل الحقوق و أنا ما اعطاتني شي؟ كان ممكن احمله مسؤلية مش اله؟ ...

نام محمود بسرعة و انا بقيت صاحية بفكر في حياتنا ده. يعني ممكن انه احنا محكوم علينا بالسجن الأزلي؟ ممكن انه سنة الحياة هي الظلم و احنا ما نقدر نغير منها شي؟ ممكن انه امي بتنظلم و أمها من قبلها انظلمت و انا مظلومة و ما بقدر اعمل و لا شي عشان بنتي بعدي ما تنظلم؟ عندها حق أمي انه هيك محكوم علينا ليوم القيامة؟

هذه كل الأسئلة سألتها على محمود بعد أيام. و هو تحمس كثير لهذا الحكي.

- "هيك يا فيفي! مليح. هذه هي الأسئلة الوجودية الي لازم تسألي نفسك بيها."

- "أسئلة وجودية؟"

- "يعني أسئلة عن أشياء مهمة مثل ده يا فيفي! فاهمة كيف؟ يعني حول معنا الحياة و معنا وجودنا في هالحياة و شو المسؤوليات الي عندنا تجاه نفسنا و تجاه الي حوالينا... فاهمة كيف؟ هذه هي المسيرة نحو الوعي السياسي يا فيفي. ممتاز يعني!"

- "الوعي السياسي؟"

- "معناه انك تفهمي حالتك، و تفهمي حالة العبودية الي انتي فيها و تحاربي عشان تحرري نفسك!"

- "يعني اني انا عبيدة؟ عبيدة مين؟ اذا انا عبيدة معناه اني عبيدتك انت.  مو؟ و إذا بتحرر حا أتحرر منك. بس أنا ما بديش أتحرر. يعني أتحرر و أسوي إيه؟ أتحرر و أروح فين؟"

- "طبعا يا فيفي. انتي مش عبيدة عندي بس عبيدة النظام، عبيدة المجتمع،عبيدة التقاليد و العدات الفاشلة!"

- "طب اذا بدي أتحرر أنت حا تساعدني؟"

- "طبعا يا فيفي! ما فيه واحد و الا وحدة بتتحرر لحالها. إحنا لازم نتحرر كلنا سوا. فاهمة كيف؟"

- "طب ليش ما بتحكي لأبوك اني انا بدي أواصل دراستي. عشان افتهم أكثر و اقدر أتحرر؟"

سكت محمود و دار راسه للجهة الثانية من السرير. ظهر أنه أنحرج كثير من الطلب ده. فكر كثير و قاللي بصوت منخفض كأنه مستحي من الحكي الي بيحكيه:

"لا يا فيفي... ما اقدرش! الحكي ده أبويا مش حا يرضى عليه أبدا. فاهمة كيف؟ و انا لسه طالب و ما عندي كلمة في هالبيت. أنا سجين زيك يا فيفي. ما اقدرش!"

سكت محود و سكتت انا كمان.ما كان بدي أحرجه أكثر.

سكتنا و بقينا نفكر في الضلام الي مغطينا بالغرفة. بقينا بنفكر كل واحد لحاله.

بقيت محتارة بالاكتشاف الي اكتشفته: الي كنت بضنه سجاني كان هو كمان سجين سجن أكبر منه و مني.  



"لا يتحمّل مكتوب أيّة مسؤوليّة عن المواد الّتي يتم عرضها و/أو نشرها في مدوّنات مكتوب. ويتحمل المستخدمون بالتالي كامل
المسؤولية عن كتاباتهم وإدرجاتهم التي تخالف القوانين أو تنتهك حقوق الملكيّة أو حقوق الآخرين أو أي طرف آخر."