
كلام محمود فهمته بالمرة في ليلة وحدة. في ليلة وحدة فهمت معنا العبودية الشاملة الي كان بيحكي عنها و فهمت قد ايش كان عزيز عليا محمود و قد ايش كنت بحبه.
في كثير من المرات يوجد عندنا شيء عزيز بس مش شاعرين بعزته عندنا عشان هو موجود في متناول ايدينا. بس لما يغيب علينا نحقق قد ايش كان علينا غالي. نفس الشيء صار معايا.
في ليلة من الليالي تأخر محمود أكثر من العادة. كان متعود يدخل متأخر بس مش هيك. و إذا كان يحصل كان بيعلن انه عنده نشاط و انه حا يبقى برا، ينام عند واحد من أصحابه. .
كننا في وسط الثمانينات و الأوضاع السياسية كانت كثير معقدة. القمع كان يسقط من غير تمييز على أي واحد ينحرف شوية عن الطريق المستقيم . الناس كانت بتخاف حتى من ظلها.
قمت شفت الساعة متأخرة كثير و صحيت عمي و عمتي. قلبي كان يخبط بسرعة و مش قادرة أركز على أي شيء.
قام عمي و خاذ التلفون و حكى مع كل زملاء محمود الي بيعرفهم. بس عمي كان يعرف ابناء الحي الي كانوا معه في الثانوية و محمود وقتها غير جماعة و كان يمشي مع شباب تقريبا ما بنعرفهمش.
في الأخير واحد من الزملاء حكى لعمي انه كانت فيه مناوشات بين الطلاب البعثيين و جماعات أخرى و انه بعد الظهر دخلت المخابرات الجامعة و قاموا بحملة اعتقالات واسعة. بس هو مش عارف إذا كان محمود من ضمنهم و الا لا.
جلس عمي عالكنابايا و نشف جبينه من العرق البارد الي كان يلمع عليه.
يا ربي استرنا، يا ربي استرنا. يا رب!
بقى عدة دقائق و هو يطالع قدامه كأنه غايب مش شايفنا، لا انا و لا عمتي الي كانت هاطلة عليه بمطر من الأسئلة: آاه؟ شو صار؟ شو قاللك؟ فيه خبر؟ ابني جرالوا شيء؟...
استرجع عمي نفسه بعد شوية، عوذ و سبح و قال: لا مش عارف شيء. ما شافوش. بس حكالي انه صارت فيه مشاكل بالجامعة و انه المخابرات خاذوا شباب و بنات كثير. و انت بتعرفي ابنك، ما بيسكتش ...
جلست عمتي وجلست معها. احتضنتني و بكينا سوى. عرفنا انه ما دام فيه سياسة و اعتقالات و مخبرات و كذا... اننا احنا صرنا خارج اللعبة. ما نقدر نعمل و لا شيء. مسألة رجالة. إحنا بيدنا بس نبكي و ندعي لربنا يستر محمود و كل الشباب الي معاه.
واصل عمي طول الليل مكالمات بالتلفون. حكى مع أقسام الشرطة و مع المستشفيات و مع الدفاع المدني و مع أي سلطة الها علاقة بالمسألة و بعديها بدا يفتش عن ناس بيعرفها: أقارب، أصدقاء، أصدقاء الأصدقاء، أي واحد اله علاقة بالنظام أو بالمخابرات.
بعد سعات و سعات من البحث عرف عمي من واحد من اصحابه انه محمود و صحابه موجودين في المقر الرئيسي بتاع إدارة الأمن العام. وقتها كان طلع النهار من زمان و صحات الحارة كلتها و كلتهم كانوا جالسين في صالتنا بيستنوا الخبر. لما سمعوا الكبار كلمة إدارة الأمن العام نزل على الغرفة صمت رهيب. صمت بيوجع الأذنين و الراس كأنه صراخ. كأنه وسط الغرفة قنبلة و كلنا بنستنا انها تنفجر و لا واحد قادر يتحرك و الا يسوي اشي.
إدارة الأمن العام... إدارة الأمن العام ... إدارة الأمن العام...
بقي صدا الكلمات بيحلق فوق روسنا كغراب ملعون ما يحمل إلا الأخبار السيئة.
دخلت غرفتي و بكيت و بديت افكر شو أقدر اعمل. ما طلعت في بالي و لا امكانية. حسيت نفسي حشرة صغيرة بين ايدي عملاق. يمكن انه يسحقها في أي وقت و لا تقدر تعمل شيء. ما كان في إمكاني إلا البكاء فبكيت قدر ما طاقت عيوني.
شو حا يصير لو ما يرجعش؟ وين حا أروح؟ شو حا أعمل؟ الحياة ممكنة من غير محمود؟ و ليش خذوه على مركز المخابرات؟ شو عمل يعني؟
هو قد هيك خطير على امتنا و على امانها؟ مش بيقولوا بالتلفزيون أنه قوات الأمن بتحمينا من المخاطر و من الأعداء؟ طب هو محمود خطر و الا عدو؟ خطر على مين؟ و عدو مين؟
أنا محمود بالنسبة الي حياتي كلها و مش ممكن أتخيل انه ذاك الشاب الحلو الحنون الي كبر ويايا ممكن يكون خطر على حدا!
ما محمود حنين و حبوب! بيحبوه كل الناس! كيف ممكن يطلع عدو للأمة كلتها؟
معقولة انه الأمة العربية العظيمة و ذات الرسالة الخالدة الي بيحكوا عنها، ممكن تخاف من شاب ضعيف مثل محمود بيحب السنما و المسرح و بينظم نقاشات بين الطلاب؟
ممكن يعني يا عالم؟؟؟!!!!!
...
يتابع