المدونات في :

أرسل الإدراج التالي


اســمك مطلوب
بريدك الإلكتروني مطلوب
بريد صديقك الإلكتروني مطلوب
الرسالة 300 حرف كحد أعلى

محتويات الإدراج الذي تريد إرساله:
مدرسون جدد و تلاميذ و غرف تدريس لها أبواب دوارة

مدرسون جدد و تلاميذ و غرف تدريس لها أبواب دوارة

بقلم : باتريشيا ليه براون

ترجمة : صالح الرزوق

 

تستيقظ جينيفير نوبل ، في بعض الليالي حينما تجد صعوبة في الرقاد ، على حزمة من الأضواء الصفراء التي تنسكب  من خلال أباجورة النافذة. ترى من بعيد شاحنة للجر يتلألأ منها ضوء مزعج ، و هذه إشارة على فجر لاس فيغاس ، فمن المتوقع أن ينضم إليها سريعا خلاطات الإسمنت و حافلات المدارس.

من نافذة غرفة نومها ، و بعد أضواء الشارع و على امتداد درب من الحصى تتحول هذه البيداء المجهولة إلى مكان له هوية -  موقع جديد تقول عنه إنه " نفايات تتراكم على يسار الأتوستراد " و على أطراف وادي لاس فيغاس الذي يبدأ من الحدود  الشمالية الغربية  -  و لكن ليس بمقدور السيدة نوبل أن ترى إلا بصعوبة السقف الأخضر لمدرسة جيمس هـ. بيلبراي الإبتدائية ، حيث تعمل مدرسة في الصف الثاني. إن بروفيل المدرسة الرقيق يرتبط بطريقة سوريالية ببروفيل آخر من طراز حديث ، و  صورة البنائين متشابهتان و كأنهما خيال في المرآة. 

يبلغ عمر السيدة نوبل 34 عاما ،  و هي واحدة من حوالي 2000 مدرسا جديدا انضموا إلى السلك التعليمي ، في العام المنصرم ، من جميع أنحاء الولايات المتحدة ، و قد شجعت على ذلك مديرية مدارس منطقة كلارك ، و هي الأسرع نموا بين مناطق البلد. إن مدارس إبتدائية من نمط بيلبراي تعتبر إضافة تدل على نشاط مجتمع يعيش في ظل مرحلة جديدة. المدارس هنا لا تقتبس أسماءها من الأشجار أو المباني أو الرؤساء ، و لكن من الناس الأحياء – و في حالة مدرسة بيلبراي ، من رجل كونغرس سابق ، هذه المدارس مزدحمة بأولاد عائلات تبحث ، بالضبط ، عن حياة هادئة في الضواحي التي يأتي إليها ملايين من السياح على سبيل الفرار من الزحام.

إن بيلبراي التي افتتحت في الخريف الماضي ، و معها توأمها شيركينباخ ، التي ستفتتح في هذا الخريف ، هما جزء من ثورة المباني المدرسية ، التي تعتبر عمليا إنجيلية ( ابتدائية رودس ثم هيكيثورن ، هيكيثورن ثم بيلبراي ، بيلبراي ثم شيركينباخ ).

في كل صباح و في الساعة 8:55 تماما ، إن السيدة نوبل ، و التي لديها ولد في الرابعة من العمر و توأم لبنتين بعمر 19 شهرا ،  تلقي التحية على أفراد خليتها من أتباع الصف الثاني ، عند درجات السلم المعدني الذي يقود إلى القاعة 5 ، أو بي 5 ، و هذه صالة من 10 قاعات تجدها في نهايات ساحة مفتوحة ، و هناك تتعامل مع ثلة من الطلبة الذين انتسبوا للدراسة حتى قبل افتتاح المدرسة.

لهذه " القاعة " سقف من القرميد الذي تزينه فراشات ساطعة بأجنحة من فلتر القهوة ، و إن السيدة نوبل تنظر إلى ذلك كرمز و ذكرى من سنواتها غير المستقرة. مثل العديد من الحجيج الذين يتوافدون إلى لاس فيغاس ، تتمتع السيدة نوبل بخبرة ميدانية في التدريس ، مع هدوء دافئ ، و قد كانت دائما بهذه المواصفات و هي تشبه شخصيات فيرمير ( 1 )  ، و قد حضرت إلى هنا بعد أن دب الياس في قلبها من كاليفورنيا.

كانت تعيش هناك في طفولتها ، و عادت بعد غياب مع زوجها كريس ، إنما بعد إنجاب التوأم ، ثم أدرك الزوجان أن الأجور بالنسبة لمدرسة متمرسة و طاه موهوب لا ترقى إلى مستوى وعود كاليفورنيا.

إنها تقود سيارتها في المنطقة على نحو روتيني بعد الدوام لتستعيد توأمها من الحضانة و جيريمياه من الروضة ، رحلة سوف تكررها منذ فجر اليوم اللاحق ، و في توضيح ذلك تقول : " كان هذا قرارا عمليا ، فأنا ذات عاطفة جياشة. لقد مرت بي ظروف عنيدة في العام الذي مضى".

بدأت السيدة نوبل مع دوامة لاس فيغاس  كمدرسة للصف الرابع في قاعدة نيليس للقوى الجوية ، و هي تقع على الطرف المقابل من الوادي ، و لكن في فترة ما بعد ظهيرة يوم الأربعاء ، و توافق ذلك مع مرور شهر و نصف على بداية عملها الجديد ، تم إخبارها أنها " فائض " عن اللزوم. – لقد انتقلت من مدرسة بأعداد قليلة إلى أخرى تختنق بالقادمين المزدحمين ( بيلبراي ، و يتوقع أن تبدأ بـ 687 تلميذا ، و لكن وصل العدد الآن إلى 1102 ). كان أمامها عدة ساعات ، لتحزم جدولها و لصاقاتها ، و تضعها في شاحنتها ، و تنطلق فورا إلى اجتماع يضم أكثر من 50 مدرسا و مدرسة فائضين عن اللزوم بانتظار وظيفة. كانت بيلبراي قريبة من البيت ، و في منطقة جديدة الإنشاء  ، و لا تزال بحاجة إلى مشرفين على تقاطع الطرق بمجرد الانتهاء من شق شوارع أخرى.

كانت الحياة في صف السيدة نوبل مفككة أيضا. لقد بدأت بـ 10 طلاب ، ضمنا آشلي ، و شيلسي ، و جايس ، و أوزوالد ، و كل واحد من هؤلاء قادم من ولاية أو مدرسة مختلفة. ثم بعد أسبوع وصل طوني ، ثم براندون ، و آنا ، و رايان ، و أنتوني. بمعدل تلميذ أو إثنين من الصف الثاني في الأسبوع الواحد ، حتى وصل العدد إلى 18 تلميذا.

كان كل وجه جديد يعني إشارة أخرى ، و عيد ميلاد آخر  ، و عملا جديدا يضاف على البرنامج ، و مجموعات قراءة أخرى. و في نفس الوقت إن امتحان الإملاء و ورشة الكتابة ، كانت تضع تحديات صعبة أمام تلاميذ ابتدائية شيركينباخ ، و هو المكان الذي سوف تكون فيه السيدة نوبل في الخريف القادم فائضة عن اللزوم.

كانت الأحوال في باجيت سوتس لا  تفترض ارتباطات طويلة الأمد أو بطاقات إئتمان قوية. و مع أن هذا يعني القليل للوافدين أصحاب الموارد المالية المستقرة ، فهو يفتح الباب أمام أمريكيين ليس لديهم غطاء مالي. إنهم يتوافدون استجابة لعاطفة أساسية من أجل عمل لائق ، و بيت مناسب ، بغض النظر عن المطبات التي يصادفونها على الطريق .

قال هال ك. روثمان و هو أستاذ للتاريخ في جامعة نيفادا ، لاس فيغاس ، و مؤلف لعدة أعمال تتحدث عن المدينة : " لا بد لأي شخص أن يمر من هنا ذات مرة ، و الآن لدي رغبة بالبقاء. معظم المارين من هنا لديهم خطط لمتابعة الطريق. المكان مجرد محطة للحظ. و لكن ماذا يحصل إذا أحبتك هذه المدينة ، إنها تضع الأمور نصب يديك. و تسمح لك بالاختيار".

و لا زالت لوري غالوواي ، و هي أم جامي روز ، بانتظار حظها. إنها تقوم بأعباء العائلة طوعا ، و هي تعتقد أن المستقبل  حديقة من الورود و أزهار النرجس الصفراء، مع أنها لا زالت تعيد النظر في سلسلة مصادفات حظها العاثر.

حينما بلغ السيل الزبى  في كاليفورنيا ، كانت تختلس الجبنة و اللحوم المدخنة و تدسها بين طيات ثيابها ، كلما عمدت لشراء الخبز ، من المتجر القريب. و قد سألت بشكل مباشر : " ماذا تصنع إذا جاع أطفالك؟. بمقدوري أن أوفر لهم الخبز فقط".

و لكن الأمور ، هنا ،  أفضل . إنها تضع الوجبات الغذائية على المنضدة . و هي تذهب إلى دورات الطعام المجاني في الكنيسة و تحضر الوجبات الرخيصة من الكازينو. و كانت قد جمعت الأطباق البيضاء البسيطة الخاصة بالعائلة من مباراة يسميها الأولاد الصغار " البحث عن المهملات". و عثرت على مكنسة الكهرباء بتلك الطريقة.

و الملاءتان على الفراش من ممتلكات أم شابة تعيش في الطابق العلوي. و قد وهبتهما لها حينما سمعت من الابنة ، التي تلهو مع بريني ، و هي شقيقة جامي روز البالغة من العمر 10 سنوات ، أن بريني تبرد في الليل. إن الشقيقات من آل غالوواي تتقاسمن السرير الوحيد الذي كان لديهم في بوجيت سوتس.

قالت السيدة غالوواي ، و التي لديها ابن يبلغ 21 عاما و يتوقع منه أن يأتي من  كاليفورنيا في هذا الصيف : " أعتقد أن هذا أفضل لحالة أولادي. جيمي روز تحب الطهي. و هنا توجد مدرسة ممتازة للطهاة".

و تشكو السيدة غالواي ، 44 عاما ،  من البدانة بسبب عقار لعلاج القلب و تهزأ أيضا من حكومة لا تهتم على مايبدو برعاية الأسر المشابهة لعائلتها ، و مع ذلك فهي تتلقى شيكا مصرفيا كل أسبوع مقابل إصابتها بالعجز. و لكنها تستدرك فتقول و هي تستلقي على الكنبة التي تتحول إلى سرير : " لا شك أنا أحلم ببيت أوسع قليلا ". ثم تضيف بنبرة مرحة : " نحن نشبه عائلة واحدة هنا ".

و لدى ديني كوي الذي انتقل بعد الطلاق ليقطن في غرفة من مبنى يقع خلف آل غالوواي ، وجهة نظر قاتمة عن مئات من المهاجرين الذين يعانون من أحلام اليقظة. إنه يسميهم " مهاجرين " و يقول إنه لم يكتسب خبرة حول الشاحنات الأسطورية التي تأتي بالرخاء السريع.

معظم الحالمين هنا يعانون من واقع سيء ، هكذا يقول السيد كوي في استراحة بين جرعات من الجعة و هو يقف أمام باب بيته في الطابق الثاني ، ، حيث يأتي جيرانه ليتسولوا الكحول ، و السجائر ، و الطعام ، و النقود أيضا. إن هذه التنازلات العويصة تقود إلى الجنون كما يقول.

قال السيد كوي ، و هو ذاته مهاجر من أيوا : " ليس هناك ما هو أفضل من العودة إلى البيت بعد يوم عمل ، لترى سيارة دورية في موقف السيارات تعتقل شخصا ما. أو أنها تراقب أبوابا مهدمة ، أو أجهزة تلفزيون مثقوبة بطلقات من الرصاص. مثل ذلك يحدث هنا طوال الوقت".

على شاكلة العديد من النزلاء الأغراب في باجيت سوتس ، إن السيد كوي البالغ من العمر 63 عاما ، له حياة تنطوي على الهدوء. في داخل غرفته تجد منضدة عليها صور صفراء لأبنائه الستة بعد زواجين و صورة أخرى لشاحنة فورد طراز 1951 كان يستعملها في السباق. و في المطبخ ، الذي تجده في الطرف الثاني من البيت ، يحتفظ السيد كوي بخزانة فيها أكياس من المعكرونة و علب معجون البندورة. و هو يشتري البقايا من مخزن مجاور بسعر 99 سنتا ، ليقدمها لجيرانه في الفندق كلما أفلسوا من الأطعمة.

الإغواء و الأوهام

قال السيد كوي الذي يعمل في مطبعة تطبع كراسات جنسية تراها معروضة في عددد من زوايا المدينة : "  يمكن للناس أن ينحرفوا في هذه المدينة. الناس هنا دائما بانتظار بيت أو شقة ، أو ربما هم بحاجة لشيء يفتقدونه. لا سبيل لمعرفة ذلك".

هذه لاس فيغاس ، إنها  في نهاية المطاف ، مكان للمغويات و الأوهام ، تتعامل مع سكانها تماما مثلما تتعامل مع زوارها ، و تحول البعض إلى ملوك أو ملكات على الفور بينما تنكر وعودها على عدد آخر لا يحصى. و يقول جيف هاردكاستل ، المختص بسكان نيفادا ، إن دائرة مسح السكان تتوقع من كل شخصين يصلان إلى لاس فيغاس و محيط مقاطعة كلارك ، أن ينسحب أحدهما. و إن آخر تقارير ( دائرة الخدمات المحلية ) تضع المعدل في حدود 1.5 إلى 1 .

و قال السيد هاردكاستل : " أمامنا أفراد من المجتمع يأتون و يذهبون ".

و لكن من يهتم. أعداد أكبر تأتي بالمقارنة مع من يغادر ، و الحافز غالبا وحيد الاتجاه و ينصب على ملكية منزل.

و تقول ريتا باينا ، 46 عاما ، من أوكلاند ، كاليفورنيا ، و التي جهزت بيتا لها في باجيت سوتس ، قرب مطار شمال لاس فيغاس ، و هناك تقطن مع زوجها الإسرائيلي  " توجد أموال لنربحها في هذه المدينة. و الخطة تتلخص في الحصول على عمل ، و شراء بيت خلال سنتين ".

إن فيلق هؤلاء المستوطنين المطمئنين يراهن على مشاكل تعاني منها  السلطات و تمنعهم من التعداد. و نبوءة السيد هاردكاستل تؤكد أن السكان سيزدادون بنسبة 1.3 مليون خلال الـ 20 عاما قادمة ، و سيصل العدد إلى 3.6 مليون. و لكن من لديه العلم بالحقائق.

من بين المصاعب تأتي رخصة القيادة. في نيسان ، حصل حوالي 6.200 شخصا على رخصهم من قسم سيارات نيفادا ، و معظمهم الآن يقيم في كلارك. و قد حضروا من 49 ولاية ، و من بورتوريكو ، و غيوما ، و كندا. و لكن في آذار ، تجاوز الرقم 8.000 . و في عام 2003 كان قرابة 250 شخصا يحصل عليها من هناك يوميا.

بيت يبنى كل عشرين دقيقة

المواطنون الجدد هم آخر من انضم إلى مسار عقود من النشاط البشري الذي يتجاوز لاس فيغاس. و قد انتقل إلى الغرب المتصحر ما يزيد على سبعة ملايين إنسان قادمين من أربعة ولايات ، هذا منذ 1970 ، فتحولت الكثبان الرملية إلى إسمنت مديني ، و الإشارة ضمنا إلى  توسون و سانت جورج و يوتا.

و كانت لاس فيغاس و ضواحيها هدفا مفضلا بسبب وفرة في فرص العمل كصناعة القمار و توسع مشاريع الإسكان الرخيصة. لقد ربحت كازينوهات الولاية 390 مليون دولارا من الميسر  ، في شهر آذار ، و هذا رقم قياسي تجاوز ما جنته في كانون الثاني من عام 2001 ، و كان مصدر نصف النقود من أعمال في منطقة القطاع.

و في نفس الوقت ، تم تشييد بيوت جديدة هنا بمعدل بيت في كل 20 دقيقة. و لكن هذا لا يكفي لاستيعاب قافلة القادمين بشاحنات تنهمر على المدينة.

و تقول روندا برينكيروف ، و هي وسيطة عقارية تعمل لدى سينشري 21 إكسبريس : " أنا أمر بظروف عصيبة . البائعون الذين أتعامل معهم متصلبون ، و شرسون ، و أفظاظ . إن أعدادهم بازدياد مستمر. في أول ثلاثة شهور من هذا العام جنيت جعالة تسعة شهور بالمقارنة مع العام المنصرم. لقد قمت ببيع ثمانية بيوت في الأسبوعين الماضيين. و كان لدي مشتريان من نيويورك ، واحد من كاليفورنيا ، واحد من أوهايو ، و واحد من تينيسي. لقد حضروا من جميع النواحي".

في السنوات الأولى من تطوير الصحراء ، كان معظم القادمين إليها يفرون من الصدأ و الثلوج و الحظ المقموع في الشمال الشرقي بحثا عن مكان هادئ لا نعرف عنه شيئا و يبدأ من هذه الحدود التي تلهبها الحرارة المرتفعة.

و الآن هم يكتشفون ظروفهم مثل آل غالوواي – إخفاق ، زيف ، و يأس من كاليفورنيا . و لكنهم يقايضون حلما غربيا بآخر. بعضهم يزاول نفس العمل الذي اعتاد عليه في كاليفورنيا ، و لكنه يكبت وراء الحدود على يد سلطات نيفادا بالضرائب و غيرها من المعوقات.

يقول أ. سومير هولينغزوورث ، رئيس سلطات نيفادا للخدمات ، و هي مؤسسة ساهمت في تطوير مقاطعة كلارك : " لدينا هنا مؤسسات و شركات من كاليفورنيا بطواقم موظفيها. و القاعدة المتبعة أن ثلث القادمين إلى هنا هم من المتقاعدين ، و ثلث آخر من الشغيلة ، و الثلث الأخير ممن ينتظرون عملا ".

و لكن جيلا من المهاجرين قد حطم عددا من الأوهام التي تصف كلفة الفترة الصحراوية. لا زال الناس يجدون بيوتا و أعمالا يؤدونها ، و لكن بالمقابل هم يعانون من هواء مشحون بغبار الأعمال الإنشائية ، و من مؤونة من المياه البعيدة ، و من ضمانات صحية بائسة ، و من زحام مروري مرهق ، و من ارتفاع في نسبة المنتحرين و المدمنين بين المراهقين ، و من فرار من القطاع ، و من ثقافة للميسر و الجنس على مدار 24 ساعة. إن الوافدين الذين يعيلون أولادا صغارا يعتبرون ذلك سلوكا لا يحتمل. و في إحدى الإشارات التي تبين مدى ضجر الناس هنا من الأحوال ، إن أمهات لولدين كن من بين المئات الذين حضروا في آذار اجتماعا في مجتمع نيفادا للتسلية ، للاحتجاج على فكرة بناء كازينو و فندق ألعاب.

و إن بحوث معهد فوردهام للتجديد في مجال السياسة الاجتماعية قد وضع نيفادا في موقع اجتماعي متأخر "  بين ثمانية ولايات كانت تعتبر الأسوأ – من الدرجة 43  و حتى الدرجة 50 في مجمتع له  16 مؤشرا اجتماعيا ، مثل نسبة موت المواليد ، و معدل الأجور ، و هذا استنادا إلى إحصائيات عام 2000 . إن معظم ولايات الحد الأدنى كانت في الحزام الجنوبي.

و قد أكدت الإحصائيات أن نيفادا هي في المركز 50 بين سواها على مستوى البلاد ككل ، بالإشارة إلى الانتحار بين العجائز و طبيعة الغذاء. و في المركز 49 من ناحية إتمام الدراسة الثانوية ، و المركز 47 في تداول العقاقير بين المراهقين. و كانت في المركز 46 في عدد الجنايات ، و الـ 44 في انتحار المراهقين ، و الـ 43 في سوء معاملة الأطفال. و وصلت إلى أفضل 10 فاحتلت المركز 4 " في أعباء نفقات المنازل " ، و هو مقياس يدل على معدل نفقات بناء بيت بالمقارنة مع رأس المال المكتسب أو الدخل.

" لا مكان للأحلام هنا "

بالنسبة لعدد من الوافدين ، حتى أفضل 10 صفات لا تعتبر عزاء ، لأن ثمن شراء بيت ليس في متناول اليد.

و يبين تحليل اقتصادي لمصلحة حاكم نيفادا في عام 2002 أن الوافدين هم الأسوأ اقتصاديا بين سكان نيفادا الآخرين. و يقول التقرير إن الدخل الأساسي الذي يكسبه الوافدون حديثا هو أقل بمعدل 30% من المواطنين الآخرين.

و يقدر مركز البحوث الاقتصادية و العمل في جامعة نيفادا ، لاس فيغاس ، أن ما يزيد على ربع الوافدين إلى مقاطعة كلارك يكسبون أقل من 25.000 دولارا لكل أسرة في العام الواحد. و إن واحدا من أربعة يحمل شهادة جامعية. و في نفس الوقت ، إن تكاليف الإسكان قد ارتفعت ، و قفزت حوالي 20% للبيوت الجديدة و تقريبا 30% للبيوت القديمة و ذلك في أول ثلاثة شهور من العام الحالي بالمقارنة مع نفس الفترة من عام 2003 .

تقول آن شيتس ، البالغة 31 عاما من العمر ، و هي أم بلا زوج لثلاث بنات و تستعد للعودة إلى ميشيغان ، مسقط رأسها : " لا أعلم لماذا يستمر الناس بالقدوم. حاولت البقاء لسنتين و تحملت أعباء عملين في وقت واحد. لا مكان للأحلام هنا. أنا أشاهد الناس يعملون بنفس الثياب التي كانوا يرتدونها في اليوم السابق ".

تقطن الآنسة شيتس في حجرة بالطابق الثالث في بادجيت سوتس. استمر ذلك طوال شهر تموز. و حينما انتهت الدراسة أصبح بمقدورها أن تغادر من غير عودة. لقد اختارت عمدا فندقا بعيدا عن القطاع ، و هي تعتبره غير لائق ، و أثناء الحديث عنه سدت بيديها أذني ابنها البالغ من العمر 7 سنوات .

قالت الآنسة شيتس ، التي قامت بأداء أعمال متنوعة ، منها واحد في ماكدونالدس و آخر على المنصة النسائية في كازينو : " لا تستطيع أن تقود سيارتك في المدينة دون رؤية صور لنساء أنصاف عرايا. و إن أي والد منطقي يرغب لأولاده بالحياة و بمستقبل معقول لا يعيش هنا".

كانت الآنسة شيتس هي التي أرسلت لآل غالوواي في الأسفل مع ابنتها الوسطى ، أمبر ، 11 عاما ، ملاءتين . مع أن الآنسة شيتس لم تلتق بآل غالوواي ، كانت سمعت بهم و بآمالهم المعلقة على هذه المدينة ، التي تشعر باليأس منها . و تتمنى الآنسة شيتس أطيب الأمنيات لكل امرأة شريفة و صادقة من النوع الذي لا تبهجه بذات تزينها رسوم ميكي ماوس . و تقول : " أنا لا أرى المستقبل في هذه النواحي. و لكن أعتقد أن الناس ليسوا متشابهين".

لقد حطت السيدة غالوواي الرحال هنا. منذ شهر تشرين الثاني  و هي تقود سيارة ميتسوبيشي - ميراج موديل 1992 مع ابنتيها و كلبهما لوي الذي له حجم ليتر من السوائل ، و هي تمر اضطراريا من موجاف في ريفيرسايد ، كاليفورنيا . و قد تبعها بعد ذلك زوجها توم ، و هو رجل عاطفي له وشم على ذراعه و شارب كبير .

إنهما لا يمتلكان أشياء عديدة. معظم متاعهما ، بما فيه ألبومات صور العائلة و تلفزيون كبير الشاشة ، قد ضاعا بسبب التقصير في الدفع للأمانات. و حتى السيارة ، التي وهبها لهما أصدقاء من الكنيسة ، تبدو بحالة ميتة. و هناك كومبيوتر ، و حقيبتان كبيرتان ، و ملف لأوراق عائلية ، و صندوق ثقيل و صغير مع قبضات من النحاس . كان الصندوق أثناء فترة الإقامة بغرفة في باجيت سوتس فوق التلفزيون بشكل دائم مع زوج من مكعبات النرد المحيرة ، و هو يحتوي على رماد والدي السيد غالوواي.

قال السيد غالوواي، 42 عاما ،  بفخر عن والده ، ناثان ، الذي كان يعمل سائق شاحنة في لوس أنجليس بعد تسريحه من الجيش : " إنه قاتل تحت إمرة باتون و كان هناك حينما داست سيارة الجيب عليه. و ساعد في تأسيس اتحاد سائقي الشاحنات ، لقد كنت على علاقة مع جيمي هوفا".

انتقلت السيدة غالواي إلى الحجرة المجاورة و عادت مع أمر تسريح والد زوجها من الجيش . كانت الورقة في كومة بين أوراق أخرى للعائلة. ثم أبرزت زوجا من القصاصات كانت في بذته.

و قالت : " من حسن الحظ ، هذا شيء لا نحتفظ به في المستودع. لقد ضيعنا جميع الميداليات و الأوسمة ، ربما باعوها بالمزاد أو شيء من هذا القبيل ".

حمل السيد غالواي علبة بيبسي من الثلاجة و جلس على الكنبة. و هجع الكلب فورا في حضنه. و قال الرجل : " أحببت العيش هنا في لاس فيغاس. إنها نشاط و مستقبل. أحسنا صنعا حينما انتقلنا من هناك".

و أومأت السيدة غالوواي برأسها و أضافت تقول : " المخدرات و العصابات هناك. و يوجد مثلهم هنا ، و لكن يبدو أن الشرطة تتحكم بهم".

و قال السيد غالوواي : " فكرنا لو نبدأ الحياة من جديد ، فهذا هو المكان. لسنا مضطرين لدفع ضريبة دخل هنا ، و من المحتمل أن نجد عملا. لو أنني فقدت رخصتي ، بمقدوري دائما أن أذهب إلى الكازينو لأقوم ببعض أعمال الصيانة".

و قالت السيدة غالواي : " لو أنك لست متشائما ، بإمكانك أن تقامر بمبلغ كبير".

و أضاف السيد غالوواي : " هذا لا شيء بالمقارنة مع معاناتنا السابقة".

و قالت جامي روز و هي تنهض لتحصل على سيجارة : " أجل ، هذه جنة ".

ثم أضافت السيدة غالوواي : " الجو هنا نظيف. انظر حولك. البيوت مرتبة و الشوارع ليست قذرة و وضيعة ".

و تابع السيد غالوواي  يقول : " و المدارس ناصعة ".

ثم قالت السيدة غالوواي : " يقولون إن المافيا تعتني بها. كلها مزودة بمكيف للهواء و حواسيب ، و المكتبات شديدة الأناقة".

لم تداوم البنات في المدرسة منذ انتقلن إلى هنا، و لكن السيدة غالوواي قد طلبت استمارة لبرياني ، التي تشترك مع أمها بابتسامة جذابة و روح تعاونية مع الجيران ، و هي ترتدي الوشاح فوق رأسها و تصبغ شعرها بلون الكرز الأسود.

و قالت جامي روز التي تبرز من تحت قميصها سرة واضحة ، إنها سوف تبدأ العمل لمساعدة عائلتها في الوقوف على قدميها مجددا. و هي تحتفظ ببطاقة الوسيط الناجح التي حصلت عليها حينما كانت تشاهد في كازينو كلوندايك الواقع على بعد عدة أميال في هذا البوليفارد فيلما لساندرا بولوك عنوانه " السيدة العاطفية 2 "  . إن الحصول على تلك البطاقة يعتبر من القصص التي تجبر جامي روز على الابتسام فتبدو مثل شخص في السابعة عشرة من العمر. قبل أن يصيب العطب سيارتهم في موقف للسيارات ، حيث تركوها لآخر مرة ، كانت عائلة غالوواي تذهب بانتظام إلى الكازينو من أجل الغداء الخاص الذي تبلغ قيمة وجبته 69 سنتا.

قالت جامي روز : " إن حلمي أن أكون ممثلة و أحصل على قدر مناسب من النقود لأشتري لوالدي سيارة و لوالدتي بيتا و أفعوانا ".

و قالت السيدة غالواي : " أنت تعلم ما هي أحلامي ؟. أود لو أذهب للتسوق و أحصل على ما أريد".

و تابعت جامي روز قائلة : " سأشتري غرفة خاصة  و سريرا خاصا".

ثم قالت السيدة غالواي : " و بيتا مع باحة لأعمل فيها".

و هنا قرع جرس موبايل السيد غالواي.أجاب يقول : " نعم يا توم".

قالت السيدة غالواي : " هذه إشارة. لقد تم ذلك. عليه أن يعود إلى العمل".

و أغلق السيد غالواي الخط و قال : " إنهم بانتظاري".

و سألت جامي روز بلهجة سريعة :" والدي ، هل أستطيع زيارة وال- مارت؟. بودي لو أذهب للتسوق و شراء بذة استحمام و حمالة أثداء".

و أجابت السيدة غالواي بقولها : " يجب أن تذهبي إلى سيلفيرتون لشراء شريحة من لحم الدجاج المشوي ".

قالت جامي روز : " كلا. لن أذهب إلى هناك".

أضافت السيدة غالواي : " و لكن هذا عيد ميلادك".

قالت جامي روز : " كلا ، كلا. هذا باهظ الثمن".

فأجابت السيدة غالواي : " و لكننا وفرنا النقود الضرورية. لا تقلقي".

راقبت جامي روز من موقف السيارات  السيد غالوواي و هو يقفز من فوق السور ليصل إلى شاحنته ، زمجر محرك الديزل و غطى على أصوات الأولاد الذين يلعبون كرة السلة باستخدام سقف المخزن كسلة.

مشطت السيدة غالوواي شعرها الأجعد بأناملها ، و رتبت قميصها القطني الباهت ، و سألت أحد الزوار من أجل توصيلة إلى الكنيسة القريبة من المطار ، حيث يوزعون في ذلك اليوم  أطباق الحساء ، و اللحم المعلب ، و الرز. و تكلمت بطلاقة قائلة : كم هي سعيدة لهذه البداية الجديدة ، و لكنها لم تتوقف عن النحيب طوال الطريق.


هوامش المترجم :

1 – فيرمير ( 1632 – 1675 ) : رسام هولندي من العصر الذهبي.

 المصدر :

  New Teachers, Pupils, and Classes With Revolving Doors , By :PATRICIA LEIGH BROWN , The New York Times , May 31, 2004.

 

 

 

ترجمة : صالح الرزوق - 2008

 




"لا يتحمّل مكتوب أيّة مسؤوليّة عن المواد الّتي يتم عرضها و/أو نشرها في مدوّنات مكتوب. ويتحمل المستخدمون بالتالي كامل
المسؤولية عن كتاباتهم وإدرجاتهم التي تخالف القوانين أو تنتهك حقوق الملكيّة أو حقوق الآخرين أو أي طرف آخر."