أعلن المواطن الجيلالي الأقرع أنه بلغ حافة الفقر وقرر مقاضاة الحكومات العربية والعالمية متهما إياها بالتواطئ ضده . ذلك أن المواطن الجيلالي الأقرع هو المواطن الوحيد في العالم الذي لامس الفقر من جديد بعدما نجح العالم في القضاء على آخر فقير في العالم عفوا ، القضاء على فقر آخر فقير في العالم منذ ما يزيد على أربع سنوات . لم يستطع خبراء البنك الدولي ولا محنكو هيئة الأمم المتحدة التعرف على السبب الذي جعل ظاهرة الفقر تعود للظهور من جديد ، هكذا فقد انكب مجموعة من المفتشين الدوليين على دراسة هذه الظاهرة الفريدة في العالم الجديد حيث التوازنات الاقتصادية تحدد مسار كل سنتيم في العالم وحيث الثروات الكونية موزعة بعدل وقسطاس بين جميع الشعوب دون ميز أو تفضيل . وحيث تقلصت الطبقات في الدولة الواحدة إلى طبقتين ، الطبقة البرجوازية والطبقة البرجوازية جدا .
بدأ البحث في تفاصيل حياة الجيلالي الأقرع .
ولد في حي شعبي لأب حمال وأم صبانة . كان والداه يكسبان رزقهما بالكاد ، ومع ذلك أدخلاه المدرسة ، ليتخرج منها قبل الأوان بشهادة ابتدائية كانت ولا زالت مفخر والديه . امتهن الجيلالي الأقرع عدة مهن ، وكان ينطبق عليه قول القائل ( سبع صنايع والرزق ضائع ) حيث كان حظه من الرزق أقل مما هو حظ والديه . وجاء اليوم العالمي للقضاء على الفقر ، وبدأ إحصاء الفقراء في العالم ثم بادرت كل الدول إلى منح اللجنة العالمية كل الإحصائيات والكشوفات التي تحدد ثروات البلدان العامة و والخاصة . بعدها ، كما هو معلوم وزعت اللجنة الثروات بحساب دقيق و احتفلت منذ أربع سنوات بتوديع آخر فقير في العالم . منذ أربع سنوات ، والحياة تمر بانسجام جميل ، إلى أن انبعث المواطن الجيلالي الأقرع مهددا هذا النظام البديع مربكا حسابات اللجنة العالمية لمحاربة الفقر ، التي ادعت في الدراسة لها أن أول عائد إلى الفقر سيظهر بعد أربع مئة سنة . جل حياة فقراء العالم ما قبل اليوم العالمي لمحاربة الفقر ، كانت تشبه حياة الجيلالي الأقرع ، لذلك استبعد الخبراء أن يكون سبب العودة المبكرة للجيلالي للفقر هي حياته. انكب خبراء الاقتصاد على دراسةحياته الاقتصادية ما بعد الفقر ،فحللوا كل سنتيم أنفقه الجيلالي طوال أربع سنوات .صحيح أنه أصبح ينفق في يوم ما كان يكسبه في سنة خلال فترة الفقر،إلا أن مصاريفه كانت عادية بالمقارنة إلى وضعه الاقتصادي الجديد. يئس الخبراء من استنباط الخلل من خلال وضعية الجيلالي الاقتصادية الحالية . فانكبوا على دراسة حياته النفسية . لاحظوا في بداية البحث أن الجيلالي استطاع أن يتخلص كلية من العقد النفسية التي لازمته طوال حياته الماضية قبل مرحلة الغنى، ورغم أن طريقة نطقه للكلمات أصبح فيها الكثير من التصنع إلا أنه استطاع أن يتطور مع المتطورين حوله ، تعلم نطق بعض الجمل بالفرنسية وبعض الكلمات بالإنجليزية ، غير أن ذلك كله ، لم يستطع محو الجيلالي الأقرع من ذاكرة الجيلالي الأقرع ، وكثيرة هي العادات التي لازمته حتى في مرحلة الغنى ، فقد ضل في معظم الأحيان يقضي حاجته في الطبيعة الطلقاء عوض المرحاض العصري الذي ينزوي في ركن من فيلته الفخمة ، وضل الجيلالي رغم غناه ، يستحم مرة في شهرين ، ولا يغسل رجله إلا قليلا. تأكد الخبراء أن الجيلالي الأقرع يعاني من انفصام واضح ، لذلك أدخل مستشفى المجانين ، وتكفل بنك الموازنات الدولي بكل مصاريف العلاج كما تعهد صندوق النقد الدولي بضخ ملايين الملايير من العملة الدولية الموحدةDEDR في حسابه بمجرد التوصل بشهادة الشفاء من أطبائه.
كان الجيلالي الأقرع يحاول أن يتمتع بليلته الأولى في هذا المستشفى الراقي ، وضع رأسه على المخدة المخملية ، وشغل قناته المفضلة . وبدأ يفكر في النعيم الذي سيحظى به بمجرد شفائه . فجأة شعر الجيلالي الأقرع بيد والده الصلبة تجره من عنقه :
-انهض أيها الكسول ، أتريد أن تطرد من العمل فنموت من الجوع ، ألا ترى الفقر المذقع الذي نتخبط فيه ، إليك المعول ، وهيا إلى العمل .
كم تمنى الجيلالي الأقرع أن يعود إلى النوم ويكمل حلمه الجميل ، غير أن ضربة قوية من رجل والده أسقطته خارج البيت وجعلته يحمل المعول ويهرع إلى العمل لا يلوي على شيء.