المدونات في :

أرسل الإدراج التالي


اســمك مطلوب
بريدك الإلكتروني مطلوب
بريد صديقك الإلكتروني مطلوب
الرسالة 300 حرف كحد أعلى

محتويات الإدراج الذي تريد إرساله:
الخطاب الأخلاقي، حق شعبوي أريد به الترهيب

نحن لا ننصر التفسخ والعهر والفسق وتردي القيم والمبادئ، لكننا لا نريد أن تطرح مثل هذه القضايا في سياق فوضوي يسهّل تأويلها بأشكال لا تخطر على بال، ومن ثم يمكن الحجر على المجتمع وعلى كل شيءجميل فيه، لأن بئر التأويل لا قعر له، والمجتهدون لا تعدمهم التربة الديماغوجية، لأغراض سياسية أو مرضية ولم لا تجارية (كما تفعل قناة الجزيرة). الشعب في حاجة إلى تربية سياسية اجتماعية ثقافية، أما الأخلاق فلها أهل الاختصاص من علماء وخطباء وأهل دين، أما أن يحرض الجميع على صيانة الأخلاق بغموض عميق فتلك لعمري فتنة لا أقل ولا أكثر.

حين نتصفح المواضيع الأكثر تداولا في الأنترنيت فلن نجد فيها، إلا القليل مما يخص المعاملات، كالرشوة والفساد وظلم الحكام والديموقراطية والاقتصاد والتعليم والاجتهاد من أجل رفع الحرج عن المسلمين وغير ذلك مما هو لصيق بحياة المؤمن المادية، وإنما نجد سواد المواضيع يدور حول الحجاب والتبرج والنمص وتحريم الموسيقى والتجميل والتصوير وعورة المرأة والربا وغيره، فماذا يريد الأخلاقيون؟

أتكلم عن المغرب فأقول أن هؤلاء يحنون إلى تقليد المجتمع السعودي وذلك بإنشاء مليشيات المطاوعة التي يمكنها التدخل في أي شيء تؤوله أخلاقيا، فتمنعك من شراء الخيار مثلا أو أكل الموز بطريقة ما لأن في ذلك إيحاءات جنسية، أو تؤدبك لأنك نطقت كلمة جنس في مكان عمومي، أو تحقق معك في قراءاتك وكتاباتك وتمنعك من ارتياد الشوارع والملاعب والأسواق المخصصة للنساء، وقد تعتبر سياقة زوجتك للسيارة فتنة، ووجه ابنتك سبحان من صورها فتنة، وقد تتدخل في طريقة حلاقتك لشعر رأسك فتنبهك إلى ما قالته كتب السنة في آداب الحلاقة والحجامة، وقد تحرجك أمام حريمك لأن وجهك أملط كالنساء وهلم جرا، فهل هناك حدود لهذا الخطاب؟

ليس الخطر كامنا في الخطاب في حد ذاته وإنما في الطريقة التي يفهم بها الناس هذا الخطاب، ولقد رأيت بعضهم في المقهى ينفعل بشدة بعد قراءة خبر شواذ القصر الكبير في جريدة متخلقة جدا، فيضرب بيده المائدة ثم يصيح بقوة "والله ما بقاوا شي رجال فالمغرب، والله حتى يجاهد الواحد فهاد الكفار". قد يكون هذا الرجل سكن دم غضبه بعد ساعة أو ساعتين، لكن من الممكن أن يقرر آخر، في ظروف أخرى، إقامة الحد بيده، ومن ثم يصل الخطاب الأخلاقي إلى هدفه، الذي هو بكل بساطة تحريض الناس على تنفيذ الأحكام التي يصدرونها بأيديهم، دون حاجة إلى استشارة القانون الذي تشتغل به البلاد، وقد تجد بعض الصحف المتخلقة تقنع الناس بفساد القضاء جملة وتفصيلا فتلمح لهم بتطبيق عدالة السماء، فيقوم الجهلة وأنصاف المتعلمين وفقهاء الظلام بتطبيق ما يرونه حقا إلاهيا، متجاوزين بذلك "قوانين الكفار"، أفهذا ما يريده الأخلاقيون حقا؟

أنا شخصيا أعتبر أن الخطاب الأخلاقي هو الوجه الصحفي للتطرف والإرهاب، وإذا كان الإرهابيون يفجرون غضبهم دون تمييز فيحدثون المجازر بين الناس، أبرياء ومذنبين، فإن الأخلاقيين يفجرون قنابل أخرى مسمومة، تتلبس بقناع التقوى والاستقامة في حين أن أثر فعلهم لا يحسبون عواقبه وأبعاده هم أنفسهم، والمطلوب من هؤلاء أن يكونوا أكثر وضوحا حين يرشقون الناس بخطاباتهم هذه، فماذا تريدون من الناس بالضبط؟ فكروا مليا حتى لا يقتل الناس من أجل ذنب أقل من جنحة.




"لا يتحمّل مكتوب أيّة مسؤوليّة عن المواد الّتي يتم عرضها و/أو نشرها في مدوّنات مكتوب. ويتحمل المستخدمون بالتالي كامل
المسؤولية عن كتاباتهم وإدرجاتهم التي تخالف القوانين أو تنتهك حقوق الملكيّة أو حقوق الآخرين أو أي طرف آخر."