الديموقراطية الهندية أقدم من الديموقراطية الإسبانية، لكن مظاهر التقدم التقني والاقتصادي في إسبانيا متجاوزة لنظيرتها الهندية بأضعاف الأضعاف. ونفس ما قيل عن الهند يقال عن البرازيل والمكسيك والأرجنتين وغيرها من الدول التي عرفت ديموقراطية سليمة دون أن يؤدي ذلك إلى سيادة واضحة للقانون على الجميع ولا إلى القضاء على الفساد ولا إلى توزيع ثروات الوطن بعدالة، ديموقراطية سطحية لا يتشربها المجتمع كما يجب، وإنما يتباهى بها أمام العالمين
في المغرب أيضا، يخيم حلم جميل بإرساء الديموقراطية كما في السويد أو الدنمارك، لكن واقع الحال يجعل التكهنات لا تبتعد بنا حتى عن النموذج التركي أو الباكستاني، لماذا؟ ألأن النيات غير حسنة؟ بمعنى أن الأمر يتعلق باستراتيجية أمنية تمتص الغضب وتخذر المجتمع إلى حين؟ أم أن المجتمع جاهل بأصول الديموقراطية التي تمارس ماديا في الواقع لا التي تمارس مثل طقس احتفالي منفصل عن عقيدة الناس وقناعاتهم ومداركهم؟ هل تكتفي الديموقراطية عندنا بتبنيد المجالس المنتخبة أمام العالمين؟ هل هي ديموقراطيـة الفترينات فقط؟ هل هي أداة شكلية لتبريء تسيير وحكم البلد من كل طعن ممكن؟
في المغرب، فئة ضيقة العدد تعيش على نبض أعرق الديموقراطيات ماديا ، أما فكريا فهي مشدودة بإخلاص إلى أبشع التقاليد المخزنية، ومن أخطر هذه التقاليد، الذات قبل الوطن، وإن كان النفاق هو أحسن ماكياج لإخفاء النوايا الحقيقية لهذه الفئة. هذه الفئة الفاسدة هي الموكول لها بناء الصرح الديموقراطي الوطني، وهي حين تجد تعارضا بين مصالحها وبين المتطلبات الصريحة للديموقراطية الحقيقية فإنها تعمد إلى التلويح بالخصوصية الوطنية(ونذكر هنا كيف كان أحمد العلوي يدافع يوميا عن الديموقراطية الحسنية في جريدة لوماتان) علما أنه لا العلوي ولا غيره كان ديموقراطيا ولو على الطريقة الشيلية آنذاك
لقد تعجبت من نفور المغاربة من السيارات التي تنظم طريقة اشتغالها برمجة إليكترونية، ليس لأن إصلاحها مكلف أو لأنها تتوقف فجأة عن العمل لأتفه الأسباب، ولكن لأن المتخصصين في إصلاحها نادرون إن لم يكونوا منعدمين، وحتى إذا وجدت بعضهم فهم موجودون بالبيضاء أو الرباط، كيف إذن يدعي البعض أننا في طريق التقدم بينما نحن عاجزون عن مواكبة العالم المتقدم في ما وصل إليه من اختراعات تتقادم بسرعة؟
بين المكاتب المكيفة المحمية بنظام أمني حديث والمزودة بآخر صيحات التكنولوجيا في الدار البيضاء وبين الدواوير المعزولة في الأطلس الكبير أو الصغير، المحرومة من الوسائل البدائية للحياة كالماء والكهرباء والعلاج(تخيلت في لحظة خرف طفولي أهالي أنفكو مجهزين بالحواسيب ومكيفات الهواء)، بين كل هذا مسافة هائلة تفضح حقيقة التباهي الذي لوث عقولنا. ولأن الفئة المعنية أعلاه لا يهمها السير بالبلد كله نحو الأمام وإنما الذي يهمها هو أخذ صور مع أقوياء العالم، أولئك الذين قاموا بواجبهم مع مواطنيهم قبل أن يأخذوا صورا للتاريخ، بينما نحن نشاز في الصورة، فإننا لن نبرح صف الديموقراطيات المتخلفة