أتشرف بالتواصل الدائم مع مجموعة من الإخوة الفلسطينيين بما فيهم فلسطينيو 48..نتحاور حول التاريخ والسياسة والجغرافيا والأدب والفن..نتفق في بعض الأحيان ونختلف في أخرى ، ويبقى الموضوع الرئيس قضية الاحتلال..لحد الآن كلامي عادي جدا..والوضع طبيعي، ولكن مرة وأنا أحاور أحدهم عن السياسة في الكنانة إنفجر عليَبعد أن اختلفنا قائلا(إنه لا يتمنى التحرير)وأن يحكمه يهودي يضمن له خبزه وكرامته ويعترف بإنسانيته حين يصوت لهو خير بكثير من أن يحكمه حسني مبارك الذي طغى في البلاد فأكثر فيها الفساد..طبعا صدمت بهذه الصفعة الذهنية القوية التي لم أتوقعها فيما مضى من عمري ..صمتت وانسحبت ..(كان ذلك قبل أربع سنوات أو أنقص منها قليلا)خصوصا أنني نشأت على العهد بأن نحرر فلسطين من اليهود وأن نلقيهم في البحر ليقيهم الله في الجحيم تباعا..كنت أومن أن كل بلاوينا كل إحباطاتنا دموعنا متارحنا هزائمنا ، كل تناقضاتنا أحزابنا المريضة وحكامنا ولاد الكلب ، وشيوخنا الذين أكل عليهم الزمان وشرب وللأسف تعفف من أن يأكلهم ضمن وجباته ، الطماطم التي مرضت بالذبابة البيضاء والجزر الذي غلى في السوق..كل ذلك وأكثر من إسرائيل والإسرائليين..الصفعة لم تكن لحظية فقد كانت لها تبعات ، استقلت من التنظيم الذي كنت أنتمي له(كنا نسمى بالفلسطنيين أكثر من الفلسطيين أنفسهم)ودخلت في مرحلة طويلة من تأمل في هذه النقطة وفي مجموع نموذجي الإدراكي وقوالبي العقلية التي نشأت عليها ورضعت من أثدائها لردح غير قصير من عمري القصير..بعد ذلك بحوالي نصف سنة وبينما أنا في حوار عال التوثر والضغط مع نفسي..سقطت بغداد ..ليخرج عموم الشعب العراقي المقهور الجوعان إلى الشارع ، فنصف إلى السرقة والإستيلاء والتخريب، ونصف إلى رش القوات الأمريكية بالورد والرز، كان مشهدا قويا عليَ ويا ليتني كنت مضربا على التلفزيون منذ ذاك ..متابعتي للشأن العراقي قبل وبعد(خصوصا أن أمي من قبيلة عراقية أبيدت بالكامل ولم ينفعها إلا هرب عائلتها قبل ولادتها بأعوام قليلة من البلد)..يمكنني من القول أن العراق تحسن بما لا يقارن ، وان أقررنا أنه مازال في بحر الدماء والدموع والألم وما زال أمام العراقيين الكثير ..(وصارت الأيام*مابين نقاش وكلام)على لحن أم كلثوم لأصل مؤخرا إلى كتابة مسودة رسالة إلى محور الخير أقطف هنا الشاهد: (أود أن أنقل لشعوب محور الخير..يا أيها المشاغبون سرا..يا من تمارسون التقية السياسية ليل نهار ، اجهرو بصياحكم ..لا تبكو على هذه الأمة ..لا تبكو على القدس التي ضاعت ولا بغداد التي ضاعت ولا قرطبة التي ضاعت بل صيحو بعلو أصواتكم ، اقلبو حكامكم من على عروشهم فلن تحررو القدس من اليهود قبل أن تحررو القاهرة من القبحي اللامبارك ، لا يمكن أن تتكلموا عن تحرير بغداد من الأمريكان قبل أن تحررو الرياض من خادم البيت الأبيض الحرام..لا يمكن أن تصمدوا أمام الجيب الاسرائيلية ومعظمكم يفقد وضوءه أمام بوليسيه الوطني..جاهدوا صيحوا أكتبوا علقوا عضوا ولينعدم همكم من أين أو كيف ستموتون اجعلوا همكم في أن يكون لأمتكم شأن بين الأمم،حتى لو افترضنا أنكم لستم بشر فلتحيا أمة الحشر حرة أبية..)عندما كنت أكتب الرسالة فوق كنت في لحظة من لحظات حياتي الإعتيادية-قمة الكآبة والحزن على الواقع المريض بكل أمراض التاريخ والجغرافيا-وكنت واعيا بأن خطابي خطاب النتحاري قبل أن يخبرني بذلك مخبر يقول أنه يخاف عليَ(نفس العبارة قالها العديد من الرفاق في المنتديات والرسائل الخاصة) ولكني رغم ذلك كنت أعني ما أقول بنسبة لا يستهان بها معبرا عن قناعاتي التي وصلت لها بعد طول محنة..سأعرضها لكم في نقط قصيرة واضحة ومحددة:*إسرائيل عرض مرض وليست المرض الحقيقي ومن يجاهد لإندثار إسرائيل بدل الجهاد للقضاء على الظلم وتحقير الإنسان والعنف والرشوة والنفاق..يغالط نفسه ..لن يقضي على اسرئيل ولن يشفي المرض..مثله كمثل طبيب يكوي نطف البشرة لمريض بالسيدا..** أنا أومن أن الصهاينة اغتصبو أرضنا وطردونا منها واستباحو خيراتنا وعليهم اللعنة يوم يولدون ويوم يموتون ويوم يبعثون أحياءا (رغم أني أفضل من الله أن يهديهم للحق) ولكنهم نماذج في تقديس الفرد (الإسرائيلي طبعا)نزهاء مع بعضهم، الرشاوي منعدمة ، العنف لا يمارسونه إلا مع الأغيار أو لإيقاف عنف ..يجب أن نستفيد منهم ، فالحكمة ضالتنا ولو من فم ابليس..***رغم أني أومن أن الحركات الإسلامية الفلسطينية هي الأخلص والأتقى والأنقى ، وأبطال العمليات الإستشهادية كثيرا ما يعجزونني على التفكير حين أحاول تصور مقدار ايمانهم وحبهم لوطنهم ولكنني أعتبر أن ذلك خطأ والثورة باللاتعاون وبالرفض أحسن وأفلح(سأتناول الموضوع بتفصيل لا فكاك لي عنه في مقال اللاعنف بين الفلسفة والإيمان والتاريخ)،(ما أقوله عن اسرائيل ساري المفعول على كل محتل وما أقوله عن الفلطينيين ساري على كل مقاومة شريفة )*أينما كان العدل فثمة شرع الله) كما قال ابن القيم، وكلما كان العدل أقرب الى كمال ، كان أقرب إلى الشرع*** حسب تعبير الضخم جودت سعيد "وإذا حكمتم بين الناس فاحكمو بالعدل " كما جاء في قول الله جل جلاله وتقدس في عليائه وبهذا المعيار فاسرائيل دولة تطبق الشرع أكثر من السعودية الظالمة أو ايران القاهرة..*علينا أن نناضل ، نملأ الدنيا ضجيجا من أجل العدالة ، أقصد بالثورة اللاعنفية..