المدونات في :

أرسل الإدراج التالي


اســمك مطلوب
بريدك الإلكتروني مطلوب
بريد صديقك الإلكتروني مطلوب
الرسالة 300 حرف كحد أعلى

محتويات الإدراج الذي تريد إرساله:
من ذاكرة الربيع

من ذاكرة الربيع

في يوم مشمس يحنو بدفئه على طبيعةٍ ودعت الشتاء أو تكاد... ونحن نقترب من التخرج من كلية الطب .. مدرج الكلية يضج بنا.. طلاباً وطالبات .. دخل أستاذ مادة الطب النفسي وبرفقته فتاة ريفية لم تصل ربيعها العشرين بعد.. ورغم الرهبة المفترضة وهي تدلف إلى مدرج المحاضرات الوثير إلا أنها دخلت رافعة الرأس وكأن كل ماهو موجود لم يعبر مساحة اهتمامها.. طبعاً نحن تعودنا أن يصطحب أستاذنا كل مرة مريضاً نموذجاً للدرس المقرر في الجدول الدراسي لمادته ، وهكذا بدأ المحاضرة بتعريف الصمت الهيستريائي والذي بعني بإيجاز الصمت الذي لا أمراض عضوية تسببه بل هو عرض لسبب ما من طيف الإضطرابات النفسية الواسع وقال هذه الفتاة مصابة بالصمت الهيستريائي .. وأردف أنه يعزو الأمر لغياب أبويها لتأدية فريضة الحج وهي صغيرتهما المدللة .. وقد أوصيا قريباً لهما بالإشراف عليها حتى عودتهما .. وهكذا كان ، والنتيجة فإن هذا الغياب هو الذي سبب لها هذه الإصابة.. وتابع أنه لم يفلح حتى الآن بإعادة النطق لها..وطلب منا المحاولة ووعدنا بدرجات إضافية لمن يستطيع أن يعيدها إلى التغريد من جديد .. ودلنا على سرير مرضها في المستشفى الجامعي وأذن لمن أراد أن يحاول ذلك خلال الدرس وحاول البعض بسذاجة ولكن دون جدوى..عادت الفتاة لسرير مرضها في المستشفى الجامعي وانتهى اليوم الدراسي ولكن موضوعها أشغل تفكيري وناقشت زميلاً لي كان حاضراً .. وقلت له أنني أعتقد أن سبباً عاطفياً يقف وراء صمت زهرة الخزامى تلك ولا سبب آخر يفعل ذلك في مثل هذه المرحلة من العمر ..وهكذا قررنا أن نذهب لزيارتها في المستشفى ..وهكذا كان ..الآن نحن نقف إلى جوار سرير مرضها ..طلبت منه أن يلتزم الصمت حتى أشير له بطرح السؤال المتفق عليه..
هنا تذكرت مقولة فرويد الطبيب النفسي النمساوي الشهير والذي مفاده أن الشعراء هم الأقدر على فهم النساء وها أنا طالب طب وشاعر .. وقبلت التحدي ...
الفتاة ما تزال تلتزم الصمت المطبق غير آبهة بالأسئلة الأولى التي تعمدت أن تكون استفزازية ولكن دون جدوى .. وهنا قلت لها ألست من جنس البشر أومأت بم بالإيجاب إيماءةً اعتبرتها أول الغيث .. قلت لها ما يميز البشر ليس الكلام فقط ولكن التفكير ربما يميزهم أكثر وإذا قبلنا منك الصمت عن الكلام فلن نقبل الامتناع عن التفكير فتفاعلت أكثر وأجابت هامسة بالموافقة ..قلت لها لاشك أن رأسك ممتلئ بالكثير من الأفكار فعلا همسها أكثر ..تابعتُ ولكن هناك موضوع واحد يشغل كل تفكيرك يقظةً ومناماً أليس كذلك فغدا الهمس صوتاً خفيضاً فنظرت في وجه زميلي الذي باغتها بطرح السؤال المتفق عليه قائلاً أنت في حالة عشقٍ عميقٍ وجارف ..
فصرخت كالملسوعة نعم ولكن أرجوكم أن تكتموا عني قلنا لها هذا سر المهنة ولا تخافي.. وكان اعترافها بوح بمكنون صدر ضاق بكتمانه وهذا( البوح بمكنون الصدر) مبدأ علاجي مهم في الطب النفسي فطلبنا منها البوح الكامل فقالت لواحد منكما فقط وقبلت أن تعترف لي فاصطحبتها إلى شرفة تطل على حديقة المستشفى وانفجرت سيلاً جارفاً من الكلام ..قالت أنه في غياب والديها أخذ الرجل المكلف بالإشراف عليها بطرق باب عاطفتها العذراء وكان حبها الأول وكل يوم تزداد تعلقاً به حتى استولى على عرش قلبها ولا سبيل للحياة بدونه ..وهكذا عاد أهلها من رحلتهما فطلبت من أميرها أن يتقدم لخطبتها ففعل ولأنه متزوج وأب لستة أطفال رفضه أهلها فدخلت في غيبوبة الصمت ...........
هنا ذهبت لأستاذي وقلت له مازحاً ليس ذهاب أهل الفتاة هو سبب صمتها الهيستريائي هذا بل عودتهم.. ضحك الأستاذ وانشرحت أساريره لتعافيها من حالتها وطلب مني أن أعود لها لمحاولة تقوية شخصيتها لمساعدتها على نسيان الحبيب ففعلت ولكن ماذا كان الرد..قالت إن نسيانه مستحيل لا سبيل لتحقيقه واعترفتُ أنا هذه المرة بصواب ما تقول فالنسيان في مثل هذه الحالة نعمة معلقة بالثر يا قد يستحيل نيلها.. وما نحن عن قيس وليلى بغرباء..
المهم..هذه القصة رافقت ممارستي اليومية لمهنة الطب حيث كنت أبحث عن طيف لألم دفين يتخفى وراء شكايات مبهمة وغالباً ما كنت أصيب..

د/ محمد رائد الحمدو




"لا يتحمّل مكتوب أيّة مسؤوليّة عن المواد الّتي يتم عرضها و/أو نشرها في مدوّنات مكتوب. ويتحمل المستخدمون بالتالي كامل
المسؤولية عن كتاباتهم وإدرجاتهم التي تخالف القوانين أو تنتهك حقوق الملكيّة أو حقوق الآخرين أو أي طرف آخر."