محتويات الإدراج الذي تريد إرساله:
اليمن السعيد 4
ويذكر نقش يمني أن عامل شَمّر يهرعش في صعدة ريمان ذو حزفر اشترك في عدة حملات وجهها هذا الملك شمالا، ثم استمر غازيا، أو في سرية حتى بلغ أرض تنوخ، وتنوخ هو اتحاد القبائل العربية الذي كان أساس ما عرف بعد ذلك بدولة اللخميين في الحيرة، ويبدو أن امرؤ القيس بن عمرو من مؤسسي تلك الدولة – كان ممن وقف في سبيل تلك الحملة اليمنية، ويذكر نقش النمارة الذي عثر عليه على قبر امرئ القيس أنه قام بحملات عسكرية باتجاه جنوب الجزيرة بلغت نجران مدينة شمر ، ويشهد نقش عامل شمر يهرعش على أن كل شبه الجزيرة العربية كانت امتدادا حيويا للدولة اليمنية حيث لا حدود إلا حدود القوة والتمكن ، ويؤكد ذلك أيضا الحملات العسكرية المظفرة التي شنها خلفاء شمر يهرعش في منتصف القرن الرابع الميلادي في نجد والبحرين على الساحل الغربي للخليج العربي.
وقد كشفت الدولة الساسانية عن أطماعها في جزيرة العرب من خلال غزوات سابور ذي الأكتاف التي فصلها الطبري في تاريخه، ويعتقد أنها حدثت في هذه الفترة نفسها.
وفي نقش يمني آخر عثر عليه في عَبَدان منذ عهد قريب يدون أقيال حمير من الأيزون أخبار حملتهم العسكرية في منتصف القرن الرابع الميلادي وتمثل هذه الحملات اندفاع الحميريين نحو الشمال بعد الأحداث السابقة بزمن يسير، وأهم حملات الحميريين التي يذكرها النقش هي تلك التي بلغت مناطق اليمامة والبحرين شرق الجزيرة وأرض الأزد أزد عمان ومناطق قبائل معد ونزار وغسان .
وفي مطلع القرن الخامس الميلادي تولى الحكم أبي كرب أسعد بن ملكي كرب يهأمن المشهور بأسعد الكامل، ويعكس لقبه سعة نفوذ دولة حمير في عهده داخل شبه الجزيرة العربية ، فهو ملك سبأ وذي ريدان وحضرموت ويمانة وأعرابهم طودا وتهامة ، أما الطود فهو الحجاز كما يذكر ابن المجاور وتهامة هي كل الساحل الشرقي للبحر الأحمر، أي أن جميع الأعراب وهم القبائل البدوية في المشرق والحجاز وتهامة خضعت لحكمه، وكان اتحاد كندة في وسط الجزيرة مملكة تابعة له أيضا، بل هناك من المؤرخين من يرى أن هذا الملك وهو يضيف إلى لقبه أنه ملك الأعراب في الطود والتهائم، إنما أراد ان يقول أنه أصبح ملكا للجزيرة العربية كلها، وفي وادي مأسل االجُمْح بنجد قرب الّدّاودمي، عثر على نقش باسم أبى كرب أسعد، يذكر أنه حل غازيا مع ابنه حسّان يهأمن في أرض معد وذلك يوافق ما ورد في كتب التاريخ والأخبار، كما تروي الأخبار انه مر بيثرب المدينة واعتنق الديانة اليهودية ومر بمكة وكسا الكعبة المشرفة. والمعروف أنه لم يعثر على نقوش وثنية من عهده وعهد من خلفه، وكانت قبل ذلك كثيرة الانتشار ويقال إن الناس في اليمن بدؤوا يهجرون عبادة الأصنام، فمنهم من دخل اليهودية ومنهم من دخل النصرانية، ومنهم من بقي على وثنيته.ويرى أهل العلم أن أسعد الكامل هذا هو المشار إليه بقوله تعالى أهم خير أم قوم تبع وقد ارتبط بذكر أبى كرب أسعد كثير من الأخبار والأقاصيص تشكل في مجملها ملحمة تاريخية تمجد أعماله وفتوحاته داخل اليمن وخارجه، وتنسب إليه عددا من المدن التاريخية اليمنية مثل ظفار وبينون وغيمان وخمر وغيرها، وما زال الناس إلى اليوم ينسبون إليه الكثير من بقايا الآثار القديمة مثل السدود و"الجروف" و" الكرواف" والطرق وغيرها، بل إن كل ما تقادم العهد عليه، فهو عند بعضهم أسعدي، كقولهم عادي أو من صنعة قوم عاد لكل ما هو قديم عامة.
وكان سد مأرب خلال عمره الطويل يتصدع بين الحين والآخر لأسباب عديدة منها : السيول الكبيرة التي تنتج عن أمطار غزيرة وفيضانات، مما يدخل عموما في الكوارث الطبيعية، ومنها الزلازل، ومنها الإهمال، وضعف السلطة المركزية.وقد جرت العادة أن يهب الناس عندما يحدث ذلك إلى مكان السد بغية العمل والتعاون في إصلاح ما تهدم منه ، وتتولى تنسيق عملهم وتمويلهم سلطة مركزية قوية تجمع الإرادة وتحشد الإمكانات اللازمة، كما حدث في عهد شرحبيل يعفر عام 450 م، وفي عهد أبرهة عام 542 م ، والذي تمكن ومن معه من أهل اليمن من إصلاحه، ودون ذلك في نقش كبير فصلت فيه نفقات إصلاحه، والجموع التي شاركت فيه وذكرت فيه أيضا الوفود الأجنبية من فارس والروم والغساسنة والمناذرة التي وصلت للمشاركة في الحفل الذي أقيم بتلك المناسبة، غير أن تفجر السد الأكبر والأخير لم يكن عاديا، بل كان خارقا للعادة، وكارثة كبرى أتت على معظم بنيان السد، وجرفت معظم منشآت الجنتين، فكان أن شل نظام الري بأجمعه، وبدلت صورة الحياة في تلك الأرض تماما، وقد ذكر القرآن الكريم العبرة الإلهية والسبب في ذلك ، قال تعالى: فأعرضوا فأرسلنا عليهم سيل العرم وبدلناهم بجنتيهم جنتين ذواتى أكل خمط وأثل وشيء من سدر قليل .
إلا أن تفجر السد النهائي يرجح أنه قد وقع في النصف الثاني من القرن السادس الميلادي ، وبعده يحدث النزوح لأهل اليمنباتجاه الشمال فيؤسسوا لهم هناك مستقرات جديدة كما فعل الأوس والخزرج في يثرب وهم فرع من الأزد، أو كما فعلت فرع آخر من الأزد في جهات حوران من بلاد الشام وأسس دولة الغساسنة كما كان هناك المناذرة باتجاه العراق، وقد لعبت كل تلك المستقرات اليمنية دورا في صياغة الشخصية العربية بعدئذ لكل شبه الجزيرة العربية.
وكان آخر من حكم من ملوك حمير قبل دخول الحبشة إلى اليمن عام 525 للميلاد رجل اسمه أسأر يثأر من العائلة اليزينية، واشتهر بذي نواس، ويقال إنه تسمى يوسف بعد أن اعتنق اليهودية، ربما كرد فعل لتغلغل النفوذ الروماني عبر المسيحية التي كانت نجران قلعة من قلاعها، وكان أهل الحبشة يدينون بالنصرانية، ويشرفون على النشاط المسيحي في اليمن، حيث دان أقوام بالمسيحية منذ أن دخلت إليه في حوالي منتصف القرن الرابع الميلادي، ومن أولئك نصارى نجران.
وكان النفوذ الحبشي قد اشتد في اليمن، فاشتبك ذو نواس معهم في معارك طاحنة، كانت الغلبة فيها أول الأمر لذي نواس، حيث ألحق بهم الهزائم تلو الهزائم ، وانتهت بحرق كنائسهم وتعقبهم في كل مكان، ولم يشأ أهل نجران أن يتركوا دينهم ويعتنقوا بدلا منه دين ملكهم، فما كان من هذا الملك إلا أن دمر كنائسهم وأحرقها وقتل المؤمنين منهم بالنصرانية وألقاهم في الأخدود، ويجد المرء ما يوافق تلك الحادثة في سورة البروج من القرآن الكريم ، وانسحب الأحباش بعد هزائمهم في تلك المعارك ليعودوا من جديد بعد سنوات لغزو اليمن وتمكنوا بمساعدة إمبراطور الروم من إلحاق الهزيمة بذي نواس واحتلال اليمن ، وكان ذلك عام 525 للميلاد.
وولي اليمن نيابة عن نجاشي الحبشة شخص يدعى أبرهة وهو الذي تهدم سد مأرب في زمنه كما أسلفنا وأصلحه، لكن ابرهة استبد بالأمر في اليمن وخلع طاعة النجاشي وسمى نفسه ملكا على اليمن ، وقام بغزوات عديدة لإخضاع القبائل المتمردة عليه في الداخل، وبأخرى للمد نفوذه في الجزيرة، على أن دولته لم تدم طويلا إذ أن الفرس بدؤوا يتحينون الفرصة للسيطرة على اليمن في إطار صراعهم الطويل مع الروم، وتنافس الطرفين على كسب مناطق نفوذ لهما، فكان أن أرسل الملك الساساني عن طريق ملوك الحيرة قوات فارسية إلى اليمن، تمكنت بالتعاون مع قائد يمني من ذي يزن اشتهر باسم سيف من تقويض نفوذ الأحباش في اليمن وطردهم.
على أنه مما بقي عالقا في أذهان أهل اليمن وتواتر أخبارهم قصة حملة أبرهة الفاشلة على مكة، وهي الحملة التي قصد منها هدم الكعبة واتخاذ القليس في صنعاء كعبة يحج إليها الناس بدلا منها، وقد أشار القرآن إلى هذه القصة في سورة الفيل.وفي عام الفيل ولد النبي في مكة وروي أن جده عبد المطلب بن هاشم كان في جملة الوفود التي وصلت إلى صنعاء لتهنئة سيف بن ذي يزن بانتصاره على الحبشة، وتوليه سدة الحكم في اليمن إلا أن ذلك لم يدم طويلا، فقد قرر كسرى الثاني برويز الملك الساساني أن يجعل من اليمن ولاية فارسية، وكان أن تم له ما اراد، وعين عليها واليا فارسيا في اليمن حوال عام 598 ، ، وكانت اليمن بعد تحولها إلى ولاية فارسية لا تزال تشكل مركز الاستقطاب والثقل في الجزيرة العربية ، ويمكن الاستشهاد على ذلك بتصورات الملك الفارسي لدور اليمن في الجزيرة، فقد أرسل كما هو معلوم إلى واليه في اليمن أن يقبض على رسول الإسلام محمد بن عبد الله (ص) في الحجاز وكأنه بهذا الطلب ينظر ببداهة إلى نفوذ اليمن في منطقة شمال الجزيرة العربية.
وقد ضعفت أحوال اليمن الداخلية في عهد الحكم الفارسي وفقدت السلطة المركزية هيبتها في البلاد وهو ما أفسح الطريق لبروز الزعامات القبلية الكثيرة إلى جانب حكم الوالي الفارسي في صنعاء وبعض مناطق أخرى من اليمن ، وهذا هو الوضع السياسي الذي ستشرق شمس الإسلام واليمن عليه وسيتغير بعد ذلك ضمن المتغيرات الكبرى التي أحدثتها دعوة النبي محمد عليه الصلاة والسلام الناس جميعا إلى دين الإسلام.
وقبل الإسلام عبد اليمنيون عدد من الآلهة أهمها الكواكب والأجرام السماوية، كالشمس والقمر والزهرة، أما اليهودية والمسيحية فقد بدأت بالظهور في اليمن ابتداء من القرن الرابع الميلادي فتداخلت مع ديانات محلية ذات طابع توحيدي كعبادة الرحمن، كما شاع بين أهل اليمن القديم السحر والشعوذة.
|