المدونات في :

أرسل الإدراج التالي


اســمك مطلوب
بريدك الإلكتروني مطلوب
بريد صديقك الإلكتروني مطلوب
الرسالة 300 حرف كحد أعلى

محتويات الإدراج الذي تريد إرساله:
ذكرى

 
 
 
 
 48960
  
 
ذكرى
 
 
=====
  
وليد…
 
شقيقي الأكبر
تفصل بيننا تسع سنوات …
رجل في أوائل الأربعينات
ثقافته فرنسية و ملامحه رومانية
طويل القامة جذّاب . ذو بشرة مشرقة و شعر مائل إلى الشقرة ، 
 برجه الميزان …يعمل طبيب أسنان …
هاجر إلى فرنسا منذ سنوات يقيم هناك
و حصل على الجنسية الفرنسية ..
 
هو فاقد العلاقة مع الزمن يعاني في الظاهر من فائض فحولة تدخله مغامرة تلو الأخرى ، و تزاحم شديد أمام الأبواب في متناول الجسد لكن كراسي قلبه شاغرة.
 
لم تقتله العادة و لم يخنقه ضيق الوقت…
هو روض الحياة لتركع تحت قدميه .
هو يعتقد ذ لك… لكن كلما إلتقينا ،
رغم براعته في ارتداء الأقنعة و عدّته التنكرية
 يستوقفني وجهه الذي تنتشر فيه العبرة 
لأشعر بدعوة مؤجلة إلى البكاء تنال مني حتى الضلوع …
أشفق عليه و أنا أرى قوافل سنين عمره تنفرط منه كعقد منثور …
لقد تعلق في شجرة الأوهام حتى أصبح بعض أغصانها .
تتساقط منه السنين كأوراق الخريف على سطح الغبراء
حتى تتلف تحت أقدام أيامه الراكضه .
هو يعيش وحيدا من دون زوجة و لا ولد ،
لولا المشهد العام لذلك الزحام…
هو يمارس مذبحة للوقت. يعيش على سرير الغياب في غيبوبة الفراغليؤكد أن حبه الأول ما زال على قيد الذاكرة أو يكاد .
 
 تشده الفتيات اللواتي يصغرنه سنا بحكم مأساة تاريخية لم يشف منها …
تستوقفه تلك الفتاة التي تذكره بحبه الأول حين كان في فاتحة حياته…
تلك الشبح الماثله في كل أنثى تكتسب شبه بعض ملامحها السمحة ..
فأعجبه هذا الخيال ووجد فيها سلوته و عزاءه ..
 
 هو يكبر لكن ذاكرته لم تكبر معه …
توقف به الزمن في سن العشرين حين فقد محبوبته مرتين…
الأولى إثر حادث أليم ذات شتاء فدخلت في غيبوبة عميقة لخمس سنوات 
          و لم يتصدق عليها الدهر بشفاء… و الثانية حين أدركتها رحمة الرحمن وواراها في مقبرة الراحلين عن الدنيا في رحلة ذهاب من دون إياب .
 
كانت "ذكرى " بنت الجيران ، 
 فتاة في ربيع العمر كقطرة ندى صافية يقتات سواد الليل من كحل عينيها لا يستطيع لها فراقا …
تتمتع بأنوثة متدفقة…
حين تطل من على الشرفة في الطابق الأول من البيت المقابل تبدو كتمثال فينوس منتصب في وسط ميدان، تتعلق بها العيون و تهفو إليها القلوب…
لافتة كنجم لامع خارج مداره صورة لا يستبيحها النسيان ...
 
لقد أحبها منذ كانت طفلة لاعبة ثم شبّا و شب الحب معهما حتى لم يبق بينهما و بين الخطبة سوى خطوة. فنادتها عاديات القضاء ليختطفها الموت من زهرة صباها حين كانت الجداول الزرق ترتديها و انحدرت شمسها نحو الغروب فينتهي بهما الأمل إلى خيبة كبرى.
 
حين ودعها لم يطلق للعبرة سبيلا ظل واقفا طويلا على فوهة عواطفه المنكسرة، تتخطفه كواسر المحنة يلفظ ما في جوفه من حمم الحسرة ظلت تعرش لوعته عناقيد أنين بضع سنين ..
 
وحين استفاق من ذهوله ، غسل رماد قلبه ورماه في جحيم الصقيع ، لم يبق من ظله إلا وشم قدر و شبح يلهو في الخاطر و يرن ، و مضى في سبيل الحياة يجتاح ضباب الأمكنة ….فهرعت إليه الدنيا ولم تحرمه شيئا من هطولها سوى تلك القطرة ….
الفتاة المتعلقة بياقة الذاكرة …
أسرته صورتها لحظة من الزمان لامسها بسنين عمره و اختفى فيها ….
ظل يمارس فيها طقوس السراب كطير منتحر على حافة طريق..
يمسك بحفنة من الذكريات و بقايا حريق….
 
 
 (مشهد معدل من رواية أكتبها" ذاكرة الشجن")
 

226345




"لا يتحمّل مكتوب أيّة مسؤوليّة عن المواد الّتي يتم عرضها و/أو نشرها في مدوّنات مكتوب. ويتحمل المستخدمون بالتالي كامل
المسؤولية عن كتاباتهم وإدرجاتهم التي تخالف القوانين أو تنتهك حقوق الملكيّة أو حقوق الآخرين أو أي طرف آخر."