محتويات الإدراج الذي تريد إرساله:
شبان موهوبون يشغلون أوقات فراغهم بالتجربة فيأتي الاختراع
العود الالكتروني والروبوت الآلي والمطب الكهربائي اختراعات بتوقيع فلسطيني
تقرير : ربى عنبتاوي
لم تثنهم احباطات الواقع السياسي عن المحاولة، كما لم يثبّط عزيمتهم غياب أرضية علمية تستوعب أفكارهم، فلطالما وجد الأمل والإيمان أصبح للحياة مذاق مختلف، وبما أن عالم الالكترونيات والميكانيكا هو شغفهم، فكروا وبحثوا وحاولوا مرة واثنتين وثلاثة حتى نجحوا، وبانجازهم الأول تشاركهم فلسطين هذا النجاح، فبراءات اختراعاتهم باسم بلدهم الذي غاب عن الساحة العلمية طويلاً مشغولاً بتجاذبات تقرير مصيره السياسي، فعاد هنا ليذّكر العالم أجمع بقصة شعب.
القدر يعيد سامي إلى وطنه

سامي ذوابه شاب في الثالثة والعشرين من عمره من سكان محافظة طولكرم، شاءت الأقدار أن يوقف فجأة مسيرته العلمية في الخارج ويعود إلى الوطن ليقضي وقتاً أخيراً مع أخيه المريض الذي وافته المنية لاحقاً. سامي الذي أنهى الصف الأول ثانوي في مدارس عنبتا، حصل لاجتهاده على منحة دراسية في كليه لي بو تشن العالمية في هونج كونج لدراسة البكالوريا الدولية، وبعد إتمامها حصل على منحة أخرى لدراسة الهندسة في جامعة البرتا الكندية. التي لم يكمل فيها إلا سنة واحدة للأسباب الآنفة الذكر، فيعود ليلتحق في جامعة بيرزيت الفلسطينية.
"نشأت في بيئة تجمع ما بين البساطة و الإبداع معاً، فمهنة والدي كنجار تركت بصمة واضحة في ميولي للأعمال اليدوية، بالإضافة إلى حكمة والدتي التي جعلت الاتزان و التمسك بالعلم رمزا ساميا و هدفا لا يمكن الرجوع عنه" قال سامي.
شغف الاختراعات
بدأت الميول العلمية لدى سامي منذ الصغر حيث كان يستهويه كل شيء يندرج تحت إطار الميكانيكا و صنع الآلات و تطويرها، رافضا بطبيعته الانسياق خلف الروتين الأكاديمي وما يمليه الصف الدراسي من ملل الحفظ وإهدار العقل بالتلقين، ولكنه وجد باباً لاستيعاب ميوله بدعم و اهتمام أساتذته أمثال حمدان دروبي و أنور يعقوب اللذين لم يبخلا عليه في الدعم و التوجه المعنوي.
وحول حكايته مع عالم الاختراعات تحدث سامي: " بدأت مسيرتي مع الاختراعات منذ سن الثالثة عشر عندما ابتكرت ماكينة بيع المناديل الورقية التي تعمل على مبدأ وضع قطعة نقود في خانة مخصصة و بالتالي الحصول على المناديل الورقية، كما تابعت بعدها العمل على أجهزه و اختراعات أخرى أبرزها الإنسان الآلي المبرمج باستخدام الكمبيوتر عام 2002 و الذي استغرق انجازه ثمانية أشهر متواصلة بكلفة ألف دولار أنفقتها من مدخراتي الخاصة".
العلم الحقيقي في الخارج
لا ينكر سامي فضل سنيّ تعلمه القليلة خارج الوطن وتأثيرها الايجابي على مسيرته العلمية، حيث توسعت دائرة مهارات البحث العلمي لديه، كما حظي باهتمام واحترام أساتذته و هذا أكثر ما افتقده في جامعته و وطنه.
سامي الذي يرى ضعفاً محلياً وعربياً في أسس تدريس العلوم بتهميش دور التجربة والتطبيق، أشار بقوله:" ما نتعلمه في المدارس لا يعد كافيا لإعداد جيل قادر على محاكاة التطور و التكنولوجيا العالمية و من هنا لابد من بث ثقافة البحث العلمي و تخصيص ميزانية لبناء المختبرات ووحدات البحث و ربط التطبيق العملي للمفاهيم النظرية و ترويج نظريات التساؤل و التفكير النقدي".
كما يثمن المخترع الشاب دور النيزك في دعمه بناء و تصميم اختراعه الأول، وهو عبارة عن مركبة تتسع لراكب واحد تعمل بالبنزين و تجمع ما بين صندوق الغيار اليدوي و الأوتوماتيكي، كما لم تبخل هذه المؤسسة في دعمه لانجاز اختراع آخر وهو العود المعلم الذي يساعد المهتمين بالعزف على هذه الآلة بواسطة التعلم الفردي دون الحاجة إلى معلم ما يوفر المال والجهد.
"ما يؤلمني حقاً هو حقيقة أن كل الفرص التي حظيت بها -و التي كان أخرها فرصة العمل في شركه مرسيدس العالمية في ألمانيا- كانت كلها من جهات أجنبية ولم احظ بفرصة واحدة في وطني".
العود المعلم
نشأت فكرة هذا الاختراع من كون سامي عازفا مبتدئاً عاني صعوبات في التعلم، فبعد أن أعد بحثاً علمياً حول العزف على آلة العود توصلّ إلى أن أكثر من 70% من المبتدئين يعانون من مشكلة أماكن وضع الأصابع على زند العود و تذكر المقامات، ما حثه على مساعدتهم بطريقة مبتكرة، و ذلك بتثبيت عدد من المصابيح الضوئية في عنق العود ووصلها بدائرة الكترونية مبرمجة ساعد في بنائها احد الزملاء في النيزك، و ببرمجة المصابيح حسب المقامات يتسنى للمتعلم متابعة هذه المصابيح و محاكاة نمط إضاءتها و تعلم المقامات.
لا ينسى سامي الكثير من الملاحظات الايجابية التي سمعها حول اختراعاته و مشاريعه و لكن ما يفتقده هو ردة الفعل العملية من المسؤولين و أصحاب القرار، فعلى الرغم من نجاح معارض مؤسسة النيزك العلمية الثلاثة إلا أن المخترعين لم يلقوا هذا التقدير المتوقع أو يحظوا بشيء عملي أو حتى مكافأة عينية من أصحاب القرار.
يطمح سامي دخول دائرة البحث و التطوير في شركة دايملر العالمية أو أي شركة سيارات في نفس المستوى. أما حلمه القريب فهو إكمال الدراسة والتخصص العلمي في محركات الاحتراق الداخلي، بالإضافة إلى العمل حالياً على تأسيس شركة صغيرة لتصنيع و تطوير العود الكهربائي.
هوايات سامي عديدة فهو يحب الموسيقى و العزف، كما يعشق السفر و المغامرة، وتجذبه القراءة و الطبخ لاسيما الأكل الصيني، ولا يرى نفسه دون تكوين صداقات أو بناء علاقات اجتماعية صادقة .
الحاجة أم اختراع منى

الشابة العشرينية منى العدرة، تقطن رام الله وتعمل في مهنة تنسيق الزهور، بدأت لديها الرغبة في اختراع جهاز الكتروني لرش المبيدات أثناء دراستها الهندسة الزراعية في الجامعة، حيث حثها على ذلك الرغبة في تحدي أضرار المبيدات والأسمدة الكيماوية على البيئة والمزروعات.
لم تحب منى طبيعة تدريس العلوم في مدرستها شأنها شأن باقي المدارس العربية، حيث يندر استخدام المختبر العلمي مقابل تلقين الطالب الجمل العلمية وتحفيظه إياها دون تطبيقها عمليا.
"لم يكن اختراعي ضمن جملة من عدة اختراعات ابتكرتها، فهو الأول والوحيد حتى الآن، رغبتي في الحفاظ على بيئة صحية دفعني لابتكار هذا الجهاز، الذي مر بعدة مراحل حتى وصل إلى شكله النهائي." قالت منى.
وحول الصعوبات التي واجهت منى لتوصيل فكرة اختراعها، أشارت إلى أن طبيعة مجتمعها الذي يصنف العلوم والميكانيكا على أنها تخصص للذكور، جعلها عرضة لاستغراب الكثيرين واستفساراتهم حول مشروعها، فكان الذهاب إلى ورشات الحدادة والخراطة وغيرها من الأماكن التي يندر دخولها من قبل الفتيات بمثابة تحدٍ لها لكنها استطاعت تخطيه بنجاح.
تعرّفت منى على مؤسسة النيزك في القدس عبر إعلان في صحيفة محلية محتواه دعوة الشباب للمشاركة في ابتكاراتهم العلمية في الدورة الجديدة، فكان لهذه المؤسسة الدور الأبرز في إتمام مشروعها من خلال تقديم الدعم المادي وتعزيز الفكر الإبداعي عبر دورات منظمة ومكثفة.
الروبوت الآلي لبيئة آمنة
تعرّف منى اختراعها بأنه آلة لرش المبيدات والأسمدة الورقية داخل البيوت البلاستيكية، يهدف إلى تقليل كمية الأسمدة المهدورة بالرش من خلال التحكم في كمية المادة المستخدمة فتتم فقط على أماكن تواجد المرض بحيث تحمي المزارع من خطر التعرض المستمر للكيماويات. تعمل الآلة بنظام التحكم عن بعد بواسطة الريموت كنترول، وتستقبل الأوامر لمسافة تقدر ب 25 متر، تعمل الآلة حالياً بالبطارية المشحونة بالكهرباء.
خلال فترة العمل لم تكن الآراء تشجيعية على حد قول منى، ولكن بعد الانجاز ودعوة الزوار إلى المعرض العلمي، كانت ردود الفعل ايجابية ومشجعة كثيرا . "كانت نظرات الإعجاب من الفتيات في سني أو اللاتي هن اصغر مني أجمل الملاحظات التي يمكنني وصفها بالاستثنائية كن معجبات كثيرا بما فعلت، واذكر جملة قالتها إحدى طالبات مدرسة ثانوية زارت المعرض : نحن فخورون بك" .
عشق العمل هو متعة منى في الحياة، فهي كمهندسة زراعية تستمتع كثيرا بعملها، وتحلم دوماً بخضرة تملأ المكان وبطبيعة نظيفة وصحية. كما تسعى منى الآن إلى تطوير اختراعها وخاصة "المرشّات" لتعمل الآلة بشكل أفضل، وهي في صدد استبدال البطارية بنظام الألواح الشمسية للاستفادة من الطاقة النظيفة.
"يستحق الشباب الفلسطيني نظرة متأنية فيما يمكنهم انجازه، وتستحق فلسطين أن يكتب اسمها على اختراعات وانجازات نفخر أن نقول عنها : صنعت في فلسطين" ختمت منى قصتها مع الاختراع الأول.
المطب الكهربائي، إيجاد طاقة من أبسط الأمور
ع

عنان عياد وهيثم عبد الجواد شابان مقدسيان ما زالا على مقاعد الدراسة الثانوية، ألهمتهما المشاهدة فكانت التجربة لابتكار اختراع قوامه حركة المواصلات العادية واحتكاك عجلات المركبات بمطبّات الأمان على الطريق بحيث تستعمل الطاقة المولدة في إنارة الشوارع و الإشارات الضوئية.
عنان الذي ظهر حبه للعلوم منذ الصف الرابع، بدأ يطبق لوحده ما يتعلمه من معلمه مترجماً الكلمات إلى أفعال، كما كان كتاب الخامس الابتدائي هو الشرارة التي أشعلت حب الاكتشاف في نفسه لما تضمنته من معلومات بسيطة سهلة التطبيق. وهو يقدر تشجيع أساتذته له ويشكر أستاذ العلوم في الصف الثامن"هشام طحان" لتوجيهه مع زميله إلى مؤسسة النيزك الذي تبنت اختراعهما.
ولم يختلف هيثم في طريقة حبه للعلوم مع عنان، فالأول تلقى الدعم العلمي من أهله الذين ساعدوه على تطبيق تجارب الكتب العلمية من كلمات إنشائية على ورق إلى تجربة حقيقية. وكان أول اختراع ابتكره هيثم بمفرده هو صنع سيارة صغيرة تسير بالطاقة الشمسية.
قد يصنع الصغار ما يعجز عنه الكبار
الصعوبات التي واجهت عنان هي وجود شاب في الرابعة عشرة من عمره في محددة يقوم بتفصيل قطع معقدة تحتاج بعض الدقة كان أمراً غير مألوف لمن حوله، ما جعله يحتاج بعض الوقت ليثبت جدارته ويكسب ثقة الحداد و كذلك النجار.
أمّا الردود الجميلة التي سمعها هيثم في المعرض العلمي الذي نظمته مؤسسة النيزك فكانت تعليقاً محتواه: كيف تمكن أطفال من القيام بمثل هذا العمل؟
يهوى عنان تصليح كل ما هو معطل مهما كانت درجة الخراب، كما يحلم بإنهاء دراسته الجامعية و القيام بإنشاء معمل صناعي كبير يوفر فرص عمل للحرفيين الفلسطينيين و ذوي الاحتياجات الخاصة، و يتمنى أيضاً إنشاء نقابة للمخترعين الشباب تدعم مشاريعهم العلمية.
وبالنسبة لهيثم فهو يحب قراءة آخر ما توصل له العلم من اكتشافات ومحاولة إيجاد حلول للمشكلات اليومية التي تواجه حياة الإنسان على هذه الأرض.
مؤسسة النيزك الشبابية أولى من نوعها في فلسطين
تحولت مؤسسة النيزك في سنتها السابعة -كما يصفها مؤسسها ومديرها المقدسي عارف الحسيني- من فكرة مجنونة إلى عنوان للشبان والمبدعين الفلسطينيين، ففي اليوم الواحد تعرض على المؤسسة خمس أفكار على الأقل .
مؤسسة النيزك المقدسية التي أسست من قبل شبان اجمعوا على امتعاضهم من كتب العلوم النظرية التي تسرق متعة التجربة من الطالب، مقررين إنشاء مؤسسة أطلقوا عليها اسم" النيزك" آملين أن تترك أثراً وتنشئ حقائق جديدة مثلما يفعل هذا الجرم المشتعل.
"بدأت عملي أنا والزملاء عبر التطوع في المدارس الفلسطينية، حيث حمل كل منا حقيبة يد تحوي معدات ووسائل علمية لتطبيق بعض تجارب الفيزياء والكيمياء وعرضها على التلاميذ، اكتشفنا من خلال مراقبتنا للطلاب أنهم يفتقرون لمهارات النجاح الأساسية وهي الصبر والإصغاء وحب الاكتشاف، وهذا يعني أن لدينا إشكالية في الفكر المنتج سواءٌ أكان المناهج التعليمية في المدارس و الجامعات، أم في السوق الخاص الفلسطيني الذي يقتصر دوره على التجارة والخدمات، فاستنتجنا للأسف أنه لا يوجد رؤية مستقبلية لتأسيس اقتصاد وطني مبني على صناعات محلية ترفع البلد لمستويات عليا". قال الحسيني
النيزك تسبح لوحدها عكس التيار
ما زالت تزعج الحسيني حقيقة أن أكثر الأمور متعة وهي العلوم تحفظ حفظاً في المدارس، معتبراً من انغماسه في عالم التجارب وجلوسه في مختبره يومياً أن العلوم هي فاكهة الحياة، والصناعة والفكر المنتج سببٌ رئيسٌ لرقي الشعوب، من هنا ألحّ عليه هاجس أن يفعل شيئاً، فلا يكفي أن نقنع بالعمل كموظفي خدمات بل على الفلسطينيين أن يخلقوا واقعاً جديداُ أكثر وعداُ وأملاُ .
ويقول الحسيني في هذا الصدد : "أذكر أن الجميع قلّل من أهميتنا في البداية واستهزأ منا، ووضع عوائق السياسة وتحرير الوطن أمامنا ليقنعنا بعبثية مشاريعنا، إلا أن تميز المعرض العلمي الثالث والانجازات العلمية وبراءات الاختراع التي سجلت باسم فلسطين سلطت علينا الأضواء".
التفاتة للغير قد تكشف عن مواهب عظيمة
يؤكد الحسيني أن النيزك تركز في جدول أعمالها على مشاريع الطاقة البديلة( النظيفة)، مستفيدة من كون فلسطين تملك قيمة مضافة من حيث توفر الشمس 300 يوم ووجود مناطق دائمة الحرارة كالأغوار. ومع أن الفكرة مكلفة لكنها ليست بالمستحيلة لافتا النظر إلى كوارث بيئية تلحقها إسرائيل بالمنطقة عبر حرق ألاف الأطنان من الفحم الحجري في مولدات الكهرباء وصب دخانها السام في سماء الضفة الغربية والأردن، هذا عدا عن تأثير الحقول المغناطيسية الناتجة عن التربينات على البيئة.
يشعر الحسيني بالسعادة من ردود فعل الشبان المخترعين حين يجدون من يحتضن اختراعاتهم، ويذكر قصة أثرت في نفسه حين سمع احد الشبان من الذين تعاونوا مع النيزك يقول في مقابلة تلفزيونية : " كنت اعمل عتالاً لصناديق الخضروات في الخليل، وبعد أن تعرفت على مؤسسة النيزك وساهمت في بعض المشاريع العلمية، استطعت الحصول على وظيفة برتبة مهندس في مصنع، لولا النيزك لعشت ومتُ دون أن يعرف أحد أن لدي من القدرات ما يؤهلني لأن أكون مهندساً وليس مجرد عتّالٍ بسيط".
"أنا متفائل من قدرة الشباب على التميز بالعلوم، ولست متفائلاً من المؤسسات الأكاديمية ورغبتها في تغيير مناهجها، أتمنى أن نتعلم من تجربتي سنغافورة وايرلندا الشمالية حيث استثمرت الدولتان العقل عبر تطويرهما لمناهج التعليم، وأصبحتا من الدول المتقدمة علمياً" ختم الحسيني حديثه.
|