محتويات الإدراج الذي تريد إرساله:
حديث الصور: أسرار عاهرة 1
-1-
حديث الصور
"فبكى. بكى لأن الرب لم يكن عادلا ولأنه يجازي، بهذه الطريقة، الناس الذين يؤمنون بأحلامهم الخاصة"
الكيميائي لباولو كويلهو

خلال شهر ماي من تلك السنة طلبت الحاجة فاطمة من أبي أن يأتي بي إلى المزرعة حتى أساعدها في توفير ظروف الراحة لضيوفها الذين سيأتون من فرنسا، لقضاء أيام من الإستجمام تحت أشعة شمس المغرب المرغوبة من طرفهم. اعتذر لها أبي بكوني مقبلة على خوض امتحانات الباكالوريا بعد شهر، لكنها أقنعته بأن الظروف في المزرعة أفضل لذلك كما أنها يمكنها مساعدتي رفقة ابنها جاك. ثم دست في يده بضعة أوراق مالية. وهكذا وافق أبي الذي كان يشتغل عاملا بالمزرعة كأغلب رجال الدوار و نسائه.
لم تكن الحاجة فاطمة قاسية وجلفة كمعظم أرباب المزارع المحيطة بدوارنا والممتدة حتى حدود مراكش. ولعل هذا راجع لكونها لها جذور انتماء في الدوار قبل هجرتها رفقة باقي عائلتها إلى مراكش ومن هناك إلى فرنسا لوحدها لإتمام دراستها خلال سبعينيات القرن الماضي، وهناك تزوجت بفرنسي و أنجبت منه. وخلال أحد عوداتها اشترت مزرعتها، ثم مع كل عودة أصبحت تشتري الحقول المحيطة بها وتضيفها إليها، إلى أن اصبحت أكبر مزرعة في المنطقة. كما أنها اعتادت عند كل عودة أن تزور أهل الدوار و الدواوير المجاورة في بيوتهم الفقيرة حاملة إليهم الهدايا ومساعدة لهم في كسوة أبنائهم. ولهذا أطلقوا عليها إسم "الحنينة" و أحبوها، ولم يعد أحد يتجرأ على رفض طلب لها.
هكذا أخبرني أبي حينما عاد تلك الليلة برغبة الحاجة فاطمة، وعدم قدرته رفض طلبها! أحنيت رأسي و أنا لا أعرف ماذا أفعل؟ فالإمتحانات على الأبواب و أنا تركت الداخلية و عدت للدوار حتى لا انشغل بأمر سوى التهييء للإمتحانات. فكرت بالتهرب بالقول لأبي أنني ملزمة بالعودة إلى مراكش لكوني ما تزال تنقصني بعض الدروس و أن الأساتذة سيتطوعون ببرمجة حصص دعم لنا. وكأن أبي أدرك ما يجول في رأسي فقال:
- الحاجة فاطمة ستساعدك في التهييء للإمتحانات ، هي و ابنها جاك. لقد وعدتني بذلك.
رفعت رأسي مندهشة. كنت أعرف أن الحاجة فاطمة امرأة متعلمة جدا وتفي بوعودها. تذكرت هديتها لي السنة الماضية والتي كانت عبارة عن جلبابين خاطهما خياطها الخاص بمراكش خصيصا لي و على مقاسي. كما أنني لا أنسى أنها تكفلت بشراء كل مستلزماتي الدراسية منذ ولجت السلك الإعدادي. غير أن ما أدهشني في القول الأخير لأبي وجعلني أرفع رأسي و أوافق ليس وعدها بمساعدتي، بل كلمة واحدة: جاك. إبنها جاك.
في تلك الليلة لم أنم. حاولت في الظلام أن أتذكر صورة جاك البعيدة. جاك الذي لم يأت إلى المزرعة منذ ما يقارب ست سنوات. في آخر مرة جاء، كنت طفلة كبيرة أشمر عن مفاتني الأنثوية لألج مراهقتي المغلقة. وكان هو يكبرني بأكثر من أربع سنوات. كان شابا جميلا وفاتنا، ذاشعر أشقر اللون وله عينان خضراوان وخدان يضخان حمرة. كان طويل القامة و ذا بنية قوية. وكنا انا وكل الفتيات في سني وحتى من هن أكبر مني ومنه مغرمات به. لقد كان الذَّكَر الإستثناء الوحيد في الدوار! وقد أطلقنا عليه سرا نحن المتعلمات قليلا إسم "يوسف" تشبيها له بالنبي يوسف الذي اورتثنا الحكايات عنه أنه أجمل الرجال.
مخطئ من يظن أن النساء لا تستهوي في الرجال الجمال و الاناقة أيضا.
في ذلك الصيف البعيد قضى جاك في الدوار قرابة شهر ونصف الشهر. كان يستيقظ في الصباح الباكر دائما، ما عدا يوم الثلاثاء حيث موعد السوق الأسبوعي. أيام الخميس و الاحد كنا نراه بسرواله القصير يغادر باب المزرعة ويجري منطلقا بين الطرقات الضيقة وسط الحقول. نتبعه بأنظارنا وهو يبتعد، وتصعد بعض الفتيات لأجل ذلك فوق أسقف البيوت الواطئة. نبقى نتابعه حتى تخفيه عنا الهضاب، و نبقى بالإنتظار إلى ان نشاهده بعد ساعة عائدا. خلال هذه اللحظات الحالمة و المشتركة لفتيات وشابات الدوار يكون الرجال والنساء الكبيرات يَشْقَوْن في الحقول و المزارع.
في الأسبوع الثاني رافق جاك في عٓدْوِه ثلاثة من شبان القرية بعد أن عادوا من دراستهم الجامعية. ثم رأيناهم في أحد الأيام يرافقونه في سيارة امه ويغيبون لساعات، وفي مساء نفس اليوم شاع خبر: جاك سَيُكَوِّن فريقا في كرة القدم لشباب الدوار! و هكذا ظهرت فجأة كرات من الجلد حقيقية لا علاقة لها بالجورب المحشو بالخرق الذي كنا نشاهده عند أطفال الدوار ولا حتى بكرات البلاستيك الصلب التي كنا نشاهدها عند الفتيان، إنها كرات أفضل حتى من تلك التي كنا نلعب بها في حصص الرياضة بالإعدادية، كما علمنا ان جاك اشترى بدلتين رياضيتين كاملتين لكل أعضاء الفريق الذي ينوي تكوينه.. ثم صرنا نرى شباب الدوار في مباريات لكرة القدم مساء كل يوم ثلاثاء في خلاء أعدوه بأنفسهم لذلك قرب الجامع. وسمعنا ان جاك اشترط عليهم أن من لا يتدرب معه أيام الخميس و الأحد لن يلعب الثلاثاء، فصرنا نرى سربا من الشباب والفتيان يستيقظون باكرا و يبدؤون الجري خلفه بين الحقول إلى أن تخفيهم الهضاب.
و هكذا أيامها صار جاك حديث الجميع، الفتيات في السر و الفتيان في العلن.
فيما يتبقى من الوقت، حكت الفتيات المشتغلات بمزرعة الحاجة فاطمة، أن جاك كان يقضيه بينهم مشتغلا بيديه ومحادثا الجميع، رجالا و نساء و أطفالا، وكانوا يضحكون من عربيته المتلعثمة ويقلدونها في أحاديثهم! و حكت بعضهن عن نظراته الجميلة و كلماته المتغزلة الرقيقة! فكنا نحن غير المشتغلات او المشتغلات في مزارع أخرى نحسدهن. ولم نعرف كيف اخبره أحد ما بقصة "يوسف" التي كانت سرا بيننا نحن الفتيات المتعلمات؟ ولربما أخبره أيضا بقصة النبي يوسف. ففاجأ الجميع بالمزرعة حين طلب منهم ان لا ينادوه إلا بهذا الإسم الجديد. حتى أنه لم يعد يرد على من يناديه باسمه الحقيقي "جاك. وقد علق كثيرون في الدوار قائلين:
- سبحان الله! إنه العِرْق!
أما هو فقد بذل كل جهده ليعرف أول من أطلق عليه إسم يوسف دون أن يفلح. لأن لا أحد يتذكر من بادر بذلك.
وفي تلك الليلة التي لم أنم فيها، حين أخبرني ابي برغبة الحاجة فاطمة برغبتها في إحضاري للمزرعة، تذكرت كل هذه الذكريات و أكثر دون أن أستطيع القبض في ذهني عن صورة غير مشوشة ل " يوسف الفرنسي". كنت و أنا احاول تخيله لا أقبض سوى على رجلين ناصعتي البياض وهي تعدو بين الحقول، او شعرا أشقر تهزه الريح و كأنه منبع النسيم، أو عينين خضروان كلما ألححت في استحضار صاحبهما تحولت الصورة المتخيلة إلى قِطِّنَا. ببساطة كانت صورته هاربة ولا تأتي سوى مجرد قطع متفرقة. غير أني في المقابل تذكرت أول خاطرة شعرية كتبتها بمشاعر فائضة، وكانت بعنوان " يايوسف أنا زوليخا".
في الصباح أخذني معه أبي إلى المزرعة، فاستقبلتني الحاجة فاطمة وهي تحضنني كقريبة لها. وحين غادر أبي إلى عمله أدخلتني إلى المنزل، وصعدت بي مباشرة إلى غرفة في الطابق السطحي لها نافذة تطل على الدوار والهضاب البعيدة، وقالت لي:
- هذه غرفتك، انسلي إليها متى شئت لمراجعة دروسك، و سأساعدك أنا او جاك بين الفينة و الاخرى.
ارتفع نبض قلبي و أحسست بالحرارة تلتهم خداي و شحمة أذني و أنا أسمعها تنطق جاك، سارعت بالإنحناء لأقبل يدها فسحبتها بسرعة وهي تتمتم " أعوذ بالله" ثم عانقتني و أردفت قائلة:
- أنت مثل ابنة لي.
لم تكن لي ولو ليوم واحد في حياتي السابقة غرفة خاصة، واليوم و أنا أستعد للإمتحانات النهائية للبكالوريا صارت لي واحدة، فكرت بهذا مغرورقة العينين و شكرت الله كثيرا. وطيلة ما تبقى من ذلك اليوم قضيته رفقة الحاجة فاطمة و الطباخة نعد الغرف الأخرى حتى تكون مهيأة لا ستقبال الضيوف حين يأتون. بذلت جهدا كبيرا في مساعدتي و أنا أتخيل جاك بين الفينة و الأخرى أمامي.
كانت تلك اول مرة اكتشف فيها بيتا بذلك الإتساع و الجمال و البذخ. لم ار له مثيلا حتى في بيوت صديقاتي اللائي يدرسن معي و يُقِمْن في مراكش. كان مكونا من ثلاث عشرة غرفة نوم ( خمسة في الطابق الأرضي و مثلها في الطابق الأول و ثلاثة في الطابق السطحي)، وصالونين للجلوس، ومطبخين كبيرين مجهزين بحاجيات تكفي لخدمة كل أهل الدوار! أما في الجهة الخلفية للبيت، المختفية عن باقي المزرعة، فيوجد مسبح جميل ذوغطاء متحرك ومزود بالكهرباء للتسخين، وتحيط به أسرة بلاستيكية ميكانيكية. وفي إحدى الزوايا قرب المسبح كانت توجد غرفة معزولة يوجد بها مكتب وكراسي وتيرة وخزانة تضم مئات من الكتب الأجنبية.
حين اقتربت الشمس من المغيب، غادر أبي المزرعة رفقة المزارعين الآخرين ولم يتبق سوى الحارس في الجهة الاخرى، فعم صمت فاتن، وتخيلت أن جاك قد يظهر الآن فربما قضى يومه بين العمال! غير أني تفاجات بالحاجة فاطمة تطلب مني مرافقتها لجولة في مزرعتها وزرائبها. فأحسست لأول مرة و بشدة أننا لسنا فقراء فقط، و إنما معدمون. رأيت مئات الأغنام يعود بها الرعاة للزرائب وعشرات العجول و الأبقار الحلوب مربوطة، وحقولا للطماطم و البطاطس والمهاية و أخرى لا ستنبات الورد ولأشجار الزيتون والليمون....، فتساءلت في نفسي: لماذا هذا العالم بهذا الشكل؟ أشخاص يملكون كل شيء و بالفائض وغيرهم مكدسون في الجحور لا يسدون حتى جوع بطونهم ؟ تذكرت أستاذ الفلسفة وهو يحدثنا عن ماركس و الصراع الطبقي والثورة العمالية! قلت في نفسي " ماركس محق" غير أني تذكرت أنه كافر وملحد وعدو للدين، كما تذكرت أن الله منحني قبل وقت قليل غرفة خاصة وقد يمنحني بعد قليل رؤية جاك، وقد يمنحه لي إلى الأبد! فقلت في سري: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم. الله يلعن أبو ماركس.
بعد العشاء فقط علمت ان جاك لن يأتي إلا بعد يومين رفقة خطيبته جاكلين. أرتني الحاجة فاطمة صورهما في باريس خلال الربيع الماضي، ولم تكن تدري أنها بذلك تسقي قلبي ألما موجعا.
جاك في ملعب لكرة القدم فوق العشب الأخضر، يرتدي قبعة تحتوي ألوان العلم الفرنسي وجاكيتا جلديا و سروال جينز، وإلى جانبه اللاعب الفرنسي زين الدين زيدان بقميص منتخبه.
جاك في مقهى أو بهو أوطيل يحمل آلة تسجيل و قربه تجلس امراة فاتنة و أنيقة، يبدو أنه يجري معها حوارا.
جاك و بجانبه حقيبة مجرورة في مدخل مطار أورلي، وخلفه تقف جاكلين واضعة ذقنها على كتفه بينما يداها تحيطانه.
جاك و جاكلين متدثرين جيدا بالملابس فوق الثلج و يحملان أدوات التزلج.
جاك يحيط جاكلين بيده اليمنى بينما يده الأخرى ترفع كفها إلى شفتيه و تقبلانها.
جاك وجاكلين أمام تمثال وسط ساحة. هي تلبس قميصا قصير الأكمام و تنورة مفتوحة من الأمام، تهز الريح طرفيها فيظهر فخداها بضين ناصعين، وجاك خلفها هذه المرة رأسه على كتفها الأيسر و فمه مغروس في عنقها، بينما كفه تقبض على اللحم الأبيض بين فتحة التنورة.
... وحكت لي الحاجة فاطمة كثيرا عن جاك وجاكلين. تعرف إليها حين عاد آخر مرة من هنا في معهد الصحافة حيث كان يدرس، فلم يعودا يفترقان أبدا. اليوم صارت بينهما الكثير من المشاريع و خطبا لبعضيهما خلال بداية الربيع. إنها من أسرة فرنسية راقية ذات أصول عريقة. أبوها أستاذ في السوربون، و أمها محامية و سفيرة سابقة في الولايات المتحدة.
كانت الحاجة فاطمة فرحة و مزهوة و هي تحكي لي عن ابنها البكر جاك و تريني الصور موضحة، غير أني حين صعدت إلى الغرفة في وقت متأخر ليلتها أحسست بالصداع يشق رأسي و أني حانقة ضد كل هذا العالم. أغلقت باب الغرفة بإحكام و ارتميت على السرير باكية للحظات، ثم قمت بعدها و اتجهت إلى المرآة مقابل السرير وبدأت أخلع ملابسي قطعة قطعة و أنا أتلمس جسدي بشهوة مباغثة، أدير كفاي على نهداي و أعصرهما، أستدير بظهري للمرآة و أحاول أن أرى مؤخرتي و أنا أمرر كفاي نازلة من الأعلى حتى فج الركبتين. أضع يدي بين فخدي و أنا أحاول تخيل جاك في المرآة يقف خلفي ويقبل عنقي بينما يده تعبث بين فخدي.
حين تعبت ارتميت على السرير عارية ومتشظية. تغطيت بالبطانية و أطفأت الضوء. متى نمت؟ لا أتذكر. غير أني حين استيقظت صباحا كانت كفي ماتزال بين فخدي، و الصداع ما زال يشق رأسي. و أول صورة قفزت إلى ذهني: جاك و جاكلين و يده تعبث بين فخديها.
|