محتويات الإدراج الذي تريد إرساله:
المدنية تبدأ من الرصيف
المدنية تبدأ من الرصيف
نعم، المدنية تبدأ من الرصيف، هذا ليس شعاراً وليس حكمة، وليس قولاً مأثوراً، وإنما استنتاج طبيعي لحالة اللاتنظيم التي نرى عليها مناطقنا وحاراتنا وشوارعنا في بلادنا العربية عموماً، في مقابل حالة التنظيم الكبير الذي نراه في أغلب مناطق البلاد الغربية..
المدنية تمثل الجانب المادي للحضارة، لأن الحضارة لها جانبان: مادي وهو العمران بكل مكوناته وأشكاله، ومعنوي وتمثله الأخلاق والعلوم والفنون، وكلا الجانبين يكمل الآخر بل ويؤدي إليه، فإن النظام هو النظام، والإبداع هو الإبداع، والاستقامة هي الاستقامة، كل ذلك ينعكس على الحالة المعنوية والحالة المادية قطعاً، فصاحب التفكير السوي سينتج عنه سلوك سوي في أخلاقه وفي معاملاته وفي عمله، وهكذا..
في أوروبا وأمريكا مثلاً تجد أن رصيف المشاة يخضع لشروط صارمة جداً، بحيث يحدد –أي الرصيف- فيما بعد أموراً كثيرة جداً له علاقة بالناس وبتنظيم حياتهم.. حدثني أحد مهندسي الطرق في أمريكا بأن الرصيف عندهم يجب أن يبنى بعرض معين يتسع للمشاة، ولما سيوضع عليه كمقاعد المطاعم إن كان رصيفاً في شارع تجاري، وشجر، وحاويات قمامة، ونحو ذلك والذي قد يكون يبلغ معه عرض الرصيف نحو ثلاثين متراً، ويجب أن لا يزيد ارتفاعه عن الأرض أكثر من عشرة سنتيمتر، وأن يكون سهلاً ممتداً باستقامة من غير إعوجاج أو ارتفاع وهبوط ما أمكن.. ثم لا يجوز عندهم أن يعبد شارع إلا إذا بني معه رصيف يحدد طرفيه، ولا يجوز البناء في أرض إلا بعد أن تبنى الأرصفة والشوارع، ولا يجوز البناء العشوائي، بل لا بد من البناء في مناطق معينة من غير عشوائية أو انتقائية لتحكم عملية بناء الأرصفة والشوارع وللاقتصاد في مد الخدمات من مياه وكهرباء ونحوها.
أتدرون أيها السادة ماذا سينتج عن ذلك؟ أنا أقول لكم:
- تحقيق الأمن للمشاة وخاصة الأطفال، وبالتالي تقليل أو انعدام حالات الدهس التي تعلن عنها إذاعاتنا صباح مساء: ...أخي المواطن هل تعلم أن حادث دهس يقع كل سبع دقائق! نعم أعلم.. وهذا أمر طبيعي لأن الأطفال الذين لا يجدون رصيفاً أو يجدون رصيفا ضيقا أو "محفراً" سوف يمشون على الشارع، وبالتالي سيتعرضون للدهس.
- أن الرصيف بتلك المواصفات سوف يشجع الناس على المشي، والمشي يقلل من اعتمادهم على وسائل النقل، والمشي رياضة، والرياضة تقلل الإصابات بالجلطات، والمشي يروِّح عن الناس فلا يضِيقُ خلُقُهم ولا تكتئب نفوسهم.
- ارتفاع الرصيف المحدد وغير المبالغ فيه سيؤدي إلى حماية أسفل مقدمة السيارات من الارتطام بالأرصفة ومن ثم خرابها، وخرابها يكلف أموالاً طائلة، وقلة ارتفاعها سيسهل الصعود والهبوط من الرصيف وخاصة لمن يجرون العربات، ويسهل سير المكفوفين، والمعوقين وغيرهم الذين يجب أن نفكر في خدمتهم وراحتهم.
- ضبط ارتفاع الرصيف في كل الأماكن أدى في الغرب إلى انتاج وسائل مواصلات عامة منضبطة الارتفاع مع الأرصفة بحيث يستطيع الأطفال والمعوقون وأصحاب العربات الخروج من الباص أو القطار بسهولة لأن ارتفاع وسيلة النقل تلك مساوية تماماً لارتفاع الرصيف.
- تنظيم الرصيف سيؤدي بالضرورة إلى تنظيم الشارع، فالشارع سيكون مستقيما، منضبط الطول والعرض كما هو الرصيف تماماً.
- وفي الدول الغربية ولكي يحافظوا على ذلك النظام، فإنهم قبل أن يبنوا الرصيف والشارع يحددون مساحة معينة تفصل الرصيف عن الشارع وهي بعرض أربعين سنتيمتر تبنى غالباً من الحجارة مربعة الشكل ترصف بجانب بعضها، وتحتها تمد خدمات الاتصالات والكهرباء والماء والمجاري، تكون أولاً معروفة المكان تماماً، ثانياً إن احتاجوا إلى تفقدها أو إصلاحها فإنهم لا يعمدون إلى حفر الشارع بما نراه من حفارات تخرب وتزعج وإنما بنزع الحجارة ثم إعادتها مكانها إن انتهوا وكأنها أحجار "الليغو".
- وعدم حفر الشارع، وبناء رصيف إلى كل شارع، سيقلل من كمية الغبار المتطايرة في كل آن، وبالتالي ستبقى البيوت من داخلها نظيفة براقة وليست تعج بالغبار دائماً.
أهم ما في الموضوع، أن السير على نظام واضح يؤدي إلى قناعة الناس بالخدمات المقدمة إليهم، وسيدفعهم إلى المشاركة في الحفاظ على تلك المكتسبات، وسيرتقي بأذواقهم بحيث تستقيم كما استقامة حياتهم..
أليس ذلك كله مقدمة لتنظيم بيئتنا انطلاقاً من تنظيم الرصيف، وأليس ذلك كله يرتقي بنا حتى لا نعود نقبل العشوائية و"الكركبة" ونميل إلى النظام والنظافة دائماً!!
|