غزة.. أول الطريق
لم يتبق شيء يحتاج إلى ترتيب، فكل الأمور جاهزة، لقد طوعوا الجميع بالتهديد والوعيد، وها هو الوقت المناسب كي تنفذ المؤامرة.. مضى زمن طويل، عملوا فيه بجد واشتغلوا فيه بتخطيط، الأمة وصلت إلى أسوأ حالاتها.. أزِفَ وقت الانطلاق.. لتحقيق الحلم الكبير، وتجاوز كل التحديات.. للوصول إلى إسرائيل آمنة، مستقرة، معترف بها، من الأقارب والأباعد..
لكن.. ثمة مجموعات من الرافضين، المتطاولين، المقاومين، هم فقط من يرفعون أصواتهم عالياً، يعارضون الفكرة برمتها، يريدون خرق الاتفاقات الكثيرة، يهددون.. ويتوعدون.. رغم قلتهم، وضعف شوكتهم.. لا بأس، سوف يتم إسكاتهم، وإخماد صوتهم، ووأد أفكارهم، لن يطول الوقت في سبيل تحقيق ذلك.. خصوصاً بعد أكثر من عام ونصف على حصارهم، وتجويعهم، وترويعهم، لقد أينعوا وحان قطافهم، وحتى يتم الأمر بسرعة، بل بمنتهى السرعة، فلتتأهب كل القوى بكل أسلحتها وعدتها وعتادها، وليُدْعَ جميع كوادر النظام والاحتياط، ولتطوق تلك الفئة المتمردة من كل الجهات براً وبحراً وجواً، ولتبسط كافة الخبرات، ولتحبك كل المؤامرات في سبيل الضربة القاصمة، وليُعلم الجميع بهذا، لكن بصمت كي لا يعلم الأعداء...
ثم ماذا.. دخلت إسرائيل إلى حيث خططت، ورسمت، وأعدت.. ماذا وجدت، وجدت ناساً غير الناس، ورجالاً غير الرجال، ونساء غير النساء، حتى الأطفال، أطفال غزة ليسوا كالأطفال، أطفالٌ أبطال، يلعبون بصمت، ويجوعون بصمت، ويموتون بتمرد الكبار، أطفال غزة كريحانة فواحة تموت كي تنشر العبير للأحياء، رأيناهم يستلقون بإغفاءة الموت، ممددون إلى جانب بعضهم بهدوء، أنا متيقن أن أحدهم.. ذاك الذي لم يكمل سنته الأولى، رأيته على شاشة الجزيرة.. أنا متيقن أنه لم يكن يأبه بالجنود، ولم يكن يعير انتباهه لأصوات المدافع والطائرات، لأنه كعادة الأطفال في القطاع يستغرقون باللعب ليتناسوا الجوع والحرمان.. كان يلبس بنطالاً أزرقاً، كان ساحلاً عن خصره، لا بد أنه مات أثناء اللعب، لم يعرف أن الموت سيباغته في ساعة اللهو، قبل أن ينهي ابتسامته وقبل أن تضبضب أمه بنطاله، لم يعرف أن في الناس من يخدع الأطفال إلى حد الموت والدمار..
لم تعرف إسرائيل أن أهل غزة أحرار، وأنهم ما زال في قلوبهم طهارة الأبرار، لم تدر إسرائيل أن الجوع والحصار سيصنع الثوار، وأن من حلكة الظلام ستوقد الأنوار.. وأن سحرهم سينقلب في نحرهم دمار، فغزة أيها اليهود، آخر السدود، غزة أيها القرود.. نهاية الضياع، وأول الطريق.. طريقنا.. جميعنا.. لغد مشرق مجيد.