محتويات الإدراج الذي تريد إرساله:
الرسالة 13: مستقبلهم و ماضينا
علاقة الكنديين و الشمال أمريكيين عموما بالتاريخ مركبة، فهم دائمو الالتفات إلى الوراء بحثا عما يدعم وضعهم المتردي أمام بقية الشعوب التي تجر وراءها آلاف السنوات من الماضي الإنساني في حين لا يتعدى وجودهم هم على خارطة العالم بضع مئات من السنين.
قوة حاضرهم و مستقبلهم لم تكن لتكفهم، فلمنظومة الوجود الإنساني أضلع ثلاثة لا يغني أحدها عن الآخر. و كما لم يغننا ماضينا برغم رحابة صدره عن الحاضر و المستقبل فإن حاضرهم يبدو باهتا في عيونهم على الرغم من قوته. حسموا أمرهم مع الحاضر و المستقبل فالتفتوا نحو الماضي، أما نحن فنهجر ماضينا نحو حاضر و مستقبل الآخرين.
في حديثهم مع الأجانب يحضر التاريخ رديفا للجغرافيا فيجد من كان يبحث لديهم عن المستقبل نفسه سجين حديث و حكايا الماضي... في محطات انتظار الحافلات و الميترو، يتربص العجائزمن جيل الحرب العالمية الثانية بالركاب علهم يظفرون بمن لديه متسع من الوقت قد يفي بالغرض، و الغرض ليس شيئا آخر غير أن يرددوا على مسامع غيرهم قصص حياتهم الطويلة المفعمة ككل قصص بني الجنس البشري بالقليل من الآمال و الكثير من خيبة الآمال.
و الأمر ليس على ما يبدو حكرا على العوام من الناس فقد سجل المفكر الدكتور محمد عابد الجابري في زيارة له إلى امريكا تدخل في إطار ما يسمى بالحوار العربي الأمريكي أن برنامج الرحلة لم يكن يعطي الأولوية لإطلاع الزوار, وهم نخبة من ألمع المفكرين العرب، على تجليات الحضارة الأمريكية المعاصرة من قبيل مراكز التكنولوجيا و المعلوميات و برامج غزو الفضاء، بقدر ما انصرف إلى أشياء و أماكن لها ارتباط بالتراث و التاريخ. لقد انتظر المفكرون العرب أن يقودهم مضيفوهم إلى وكالة الأبحاث الفضائية نازا و هوليود و التوين سانتر على اعتبار أن الزيارة تمت قبل أن يدكهما رجال بن لادن دكا دكا...فوجدوا انفسهم في المتاحف و المزارات و النصب التذكارية.
هذه المفارقة جعلت الدكتور الجابري يخاطب مضيفيه في إحدى مداخلاته على هامش الحوار المذكور قائلا:"إن وضعنا معكم مقلوب, نحن في العالم العربي شبعنا من التراث و نبحث عن المعاصرة, أما أنتم فيبدو أنكم شبعتم من المعاصرة و تبحثون عن التراث. أنتم تبحثون عن الماضي و نحن نبحث عن المستقبل".
هنا بكندا يتم التعبير أحيانا عن إشكالية التاريخ هذه بالمبالغة في إطلاق أسماء الأشخاص على شوارع المدن و ووضع النصب و التماثيل في الساحات العمومية...هذه المبادرات التي يقدم عليها أصحاب الحال هنا من حين لآخر قد لا تصادف نفس الهوى في نفوس الجميع ، ففي مطلع السنة الماضية خاض ناشطون من بين سكان مدينة مونتريال معركة شرسة ضد مجلس مدينتهم من أجل أن يحتفظ شارع بارك باسمه الحالي بدل تغييراسمه كما قرر المجلس إلى شارع روبير بوراسا و هو بالمناسبة رجل سياسة كيبيكي تقلد منصب رئيس الوزراء عن حزب الليبيرال عدة مرات بين السبعينات و التسعينات. و قد أراد مجلس المدينة تحويله إلى رمز تاريخي ضمن سيرورة صناعة التاريخ المنتعشة بشمال أمريكا إلا ان رواد شارع بارك لم يستحسنوا الأمر لسوء حظه ربما، فلم يحظ بفرصة دخول تاريخ كيبيك و منتريال من باب أحد شوارعها.
لقائي مع منسق إحدى المنظمات الدولية بكندا الذي استقبلي ببيته لم يخرج عن هذا الإطار... حدثني عن زياراته المتعددة للمغرب و عن إعجابه بتاريخه و حضارته العريقة...أحيانا أحس بالحرج و انا أجد أن عدد المدن المغربية التي زارها الأجانب تفوق ما زرته أنا الذي قضيت بالمغرب ما يقارب الثلاثة عقود... و لمدينة فاس و أحيائها القديمة على وجه الخصوص مكانة مميزة في ذاكرة محدثي و ذاكرة كل من زار المغرب و فاس، إنه سفر في التاريخ أن تقضي بضع ساعات بهذه المدينة، ماذا لو قضى المرء كل حياته بها؟ تساءل محدثي.
و لأني قضيت كل حياتي بمدينة فاس التي سحرت مخاطبي فقد أخذت كلامه على محمل الجد متساءلا عما إذا كنا فعلا في المغرب و في فاس في سفر دائم في التاريخ مما يجعلنا خارج تصنيف الحاضر و المستقبل... للأمر مفارقاته الكبيرة، محدثي رأى مدينتي بأعين السائح فتمنى العيش بها في رحاب الماضي لأنه حسم أمره مع الحاضر و المستقبل، أما أنا فقد رحلت عنها باحثا عن حاضر و مستقبل بمدينته. ترى ماذا سيكون رده لو خير بمبادلة حاضره و مستقبله بالماضي الذي سحره بأزقة المدينة القديمة بفاس؟
في نهاية لقائنا أخبرني محدثي أن منظمته بصدد الإعداد للاحتفال بالذكرى الأربعمئة لتأسيس كيبيك... و لست أدري إن كان وجهي قد عكس ما يجول بداخل رأسي، فقد استطرد محدثي قائلا: أعرف أن أربعمئة سنة ليست بالشيء الكثير لمن عاش في مدينة كفاس، لكنها كل تاريخنا هنا...أحسست ببعض الحرج و رددت عليه مؤمنا على قوله: طبعا سيدي، إن الزمن نسبي للغاية، لقد حسم أينشتاين المسألة منذ زمن بعيد... و مع ذلك فقد حققتم في أربعمئة سنة ما عجزنا عن تحقيقه في بضع آلاف من السنين... أضفت دون أن يسمعني محدثي...
|