محتويات الإدراج الذي تريد إرساله:
الرسالة 12: حكايا جواز السفر
لا أمل أبدا من مشاهدة شريط الحدود، الذي أبدعه الفنان الكبير دريد لحام مخرجا و ممثلا في بداية الثمانينات، و هو شريط ينتمي إلى صنف الفكاهة السوداء التي تضع هموم و محن الحياة الإنسانية في مختلف تفاصيلها الصغيرة و الكبيرة ضمن إطار ساخر يحولها إلى مادة للفرجة و الضحك قريبا جدا من مدلول المثل المغربي الشعبي الذي يرى أن قلة الهموم تبكي و كثرتها تضحك.
في شريطه هذا يتناول دريد لحام سوداوية الواقع العربي بحرفية كبيرة من خلال الاشتغال على تيمة الحدود التي تمزق أوصال الوطن الواحد في صورة بالغة السخرية تنتزع الضحك من المشاهد ضدا على قسوتها و عبثيتها. و رغم أن دريد لحام استأثر بدور البطولة المطلقة من خلال تجسيده لدور عبد الودود فإن البطل الحقيقي للشريط و محرك أحداثه ليس عبد الودود فحسب و إنما جواز سفره، فقصة الشريط تدور حول عبد الودود المواطن العربي المقهور و المسكون في نفس الآن بقضايا الوطن حيث يقرر القيام بجولة تشمل ربوعه المقسمة التي يرمز لها بتسميات افتراضية كشرقستان و غربستان و شمالستان و جنوبستان... غير أن الأمور تتعقد حين يفقد جواز سفره بين غربستان و شرقستان فلا يستطيع إكمال رحلته بدون جواز السفر الذي يضمن عبوره الحدود الأخرى كما لا يستطيع الرجوع من حيث أتى لأن الحدود تنتظره على الجهة الأخرى أيضا لينتهي به الأمر لاجئا داخل وطنه لأنه لا يملك جواز سفر. إقامة عبد الودود على الحدود تجاوزت ككل القضايا العربية العالقة طابع المؤقت لتكتسب طابع الاستقرار بعد أن تزوج من مهربة سلع عبر الحدود و أقام مشروعا تجاريا يساوي كما يعبر عن ذلك عبد الودود لزبائنه جواز سفر. و حين تصل حكاية عبد الودود إلى الصحافة تقوم الدنيا و لا تقعد و ترفع الشعارات في كل مكان، ثم تحضر الوفود إلى الحدود حيث عبد الودود يقيم في سياق مهرجان حافل يعد بالوحدة و التحرير و كل الأحلام المنكسة، و في نهاية المهرجان ينسحب كل إلى بيته من خلال الحدود، و حين يصل دور عبد الودود يطالبه الموظف من جديد بجواز السفر....
قبل دريد لحام أبدع محمود درويش قصيدته الشهيرة جواز السفر التي حولتها موسيقى مرسيل خليفة إلى أنشودة ترددت على لسان الآلاف من الطلبة و المثقفين من شرقستان العالم العربي حتى غربستانه و من الظلال التي لم يعرفوه بها حتى مطالبته بإسقاط جواز سفره لأن كل قلوب الناس جنسيته...
و قبلهم جميعا سلم مهاجر مغربي في فرنسا الستينيات ينحدر من شرق المغرب و يدعى محمد بنهاري ، قصيدته الباسبور لخضر ، لشيوخ العلاوي بشرق المغرب، و حين غناها كبارهم من قبيل الشيخ احمد لييو و الشيخ محمد يونسي تحولت إلى ما يشبه شعار عالم المهاجرين المغاربيين بفرنسا، و إن كان الاطار الضيق لهذه الورقة لا يسمح بالإحاطة بالقصيدة المذكورة التي صورت بشكل مذهل للغاية كل ما يعيشه المهاجر بديار الغربة منذ خروجه الاول حتى عودته و ما بين الموعدين من مفارقات فإن بطلها مرة أخرى كان جواز السفر الذي اختاره بنهاري عنوانا لقصيدته تلك...
و الواقع أن فكرة جواز السفر تبقى مستفزة بالنسبة لشعب يمجد ثقافة الترحال الدائم بتعدد أسبابه و يسحب طابع الرجولة ممن لم يجل في بلاد الله الواسعة، فهو رديف الحدود التي تحد من اتساع أفق الجغرافيا الممتدة نحو قلوب الآخرين و عقولهم، و حين يضيق الوطن بأهله أو تضيق أحلام أهله به يتحول جواز السفر من مشكلة إلى حل، لكنه قد يكون صعب المنال مع ذلك و لا عجب أن محمد بنهاري يمني محبوبته بالمستقبل المشرق الذي يحمله زمن ما بعد جواز السفر حين يخاطبها متحسرا:
لو كان عندي الباسبور لخضر نمشي لفرنسا و نولي لباس
ومنين الباسبور والو ما عندي ما ندير يا بنت الناس
و من عاش في زمن بنهاري يوم كان العالم بشرقه و غربه مفتوحا في وجه الجميع بالرغم من الحدود يعرف أن جواز السفر لم يكن أبدا في المتناول فقد كان الطريق إليه طويلا يتطلب المرور بكل سلالم الداخلية من المقدم و الشيخ حتى القائد و العامل، كما كان الحاصل عليه مطالبا بإعداد الولائم للأهل و الأصدقاء احتفالا بالخلاص من قطران الوطن و الالتحاق بعسل الغربة...و حين مرت السنين و أضحت حدود بلدان الآخرين أكثر تحصينا بظهور التأشيرة، أصبح لكل مواطن جواز سفر لا يساوي أكثر من ثمن الطابع الذي يلصق عليه فلم يعد لا مشكلة و لا حل....
في كندا، أخيرا اكتشف الجميع بأن أزيد من نصف السكان لايملكون جواز سفر، حين تدفق هؤلاء دفعة واحدة على المصالح المختصة من أجل الحصول عليه بعد أن أصبح مطلوبا منهم الإدلاء به حين دخولهم و خروجهم من الولايات المتحدة الأمريكية طبقا للإجراءات الأمنية المشددة في عالم ما بعد 11 شتنبر. و هو ما يعني أن قصة جواز السفر بشمال أمريكا ليست مشوقة كما هو الحال عندنا، فالكنديون لا يسافرون كثيرا خارج وطنهم، و الواقع أن لا سبب لهم لديهم للقيام بذلك, فبلدهم بحجم قارة و السفر من منتريال إلى فانكوفر يتطلب نفس مدة السفر من الدار البيضاء إلى منتريال. و على الحدود الجنوبية لهذه الأخيرة توجد حدود ولاية بوسطن الأمريكية التي كان ممكنا حتى وقت قريب دخولها دون جواز سفر. و أكثر من هذا فكرامة الكنديين ليست مهانة بوطنهم لذلك لم يكونوا أبدا بحاجة لجواز سفر من اجل البحث عنها في أوطان الآخرين.
|