محتويات الإدراج الذي تريد إرساله:
الإيزدية في قفص الإتهام
داود ناسو
تُليت في العاشر من شهر آب الحالي في محكمة استئناف مقاطعة نيدرساكسن الألمانية ومقرها مدينة لونبورغ , لائحة الأتهام من قبل المدعي العام ضد شاب يُدَّعى أنه من " إيزيدي سورية " . يًتهم هذا الشاب بقتل شقيقته قبل حوالي الخمس سنوات . وفي معرض لائحة الإتهام تُلي أن الفتى البالغ من العمر الرابعة والعشرين , قد أقدم في الثالث من تشرين الثاني من العام ألفين على طعن شقيقته البالغة من العمر أنذاك الحادية والعشرين بست طعنات في أنحاء متفرقة من جسدها نُقلت على إثرها إلى المشفى , وما لبثت أن فارقت الحياة متأثرة بجراحها . كانت المجني عليها قد غادرت منزل ذويها هاربة على خلفية شجار عائلي , فتبعها شقيقها وطعنها على مرآى المارة في الشارع العام بمدينة "تسله" الألمانية . بعد ذلك تمكن القاتل من الفرار إلى سورية , إلى أن تمكنت أجهزة الأمن في سورية من إلقاء القبض عليه في آذار الماضي , وتسليمه لاحقاً إلى السلطات الألمانية , بموجب إتفاقية تسليم المجرميين المبرمة بين البلدين.
قد تبدو الحادثة للوهلة الأولى روتينية و "بايتة" كما يقال في العامية , على إعتبار أنها جريمة عادية , تتعلق بشخصين إثنين هما الجاني والمجني عليها . إلا أن المهم والخطير في الأمر من منظورنا الشخصي , يكمن في تناول وسائل الإعلام الألمانية لهذه الحادثة , وتبيانها للدوافع التي حذت بالقاتل إلى إرتكاب فعلته الشنعاء هاتيك . لقد أوضحت وسائل الإعلام هذه أن الدافع وراء الجريمة , كان رغبة المغدورة بالزواج من شابٍ ألماني , وهو ما يتعارض مع القواعد والتعاليم الدينية الإيزيدية والكلام دائماً لإذاعة نيدرساكسن , التي أوردت الخبر في كل نشراتها الإخبارية . وأمام إصرار الفتاة على المضي في الطريق الذي إختارته بملء حريتها وإرادتها , لم يجد الجاني بُداً من ملاحقتها إلى الشارع العام وطعنها ست طعنات جاءتها في مقتل .
قد ينظر البعض السُّذج منا , نحن الإيزيديين, إلى الأمر من زاوية ضيقة , ويذهبون إلى القول , أن الدافع وراء جريمة القتل هذه موضوع البحث , كان شريفاً وهو الغيرة والشهامة والكرامة على القيم والأخلاق الإيزداتية المترسخة في عقلية هذا الفتى الطري العود ؛ الذي لم يأبى إلا وأن تُضرج يداه بدماء تلك " المرتدة".وهو أمر – للأسف الشديد- مطلوب ومشجع عليه من وجهة نظر البعض , ايماناً منهم أن في القتل أُسوة حسنة ووسيلة ناجعة لردع كل من تسول له نفسه , الخروج عن قيم وأخلاقيات وفلسفات الدين الإيزيدي , متناسين عن جهالة وقلة تبصر , أن في تشجيع مثل هذه الأعمال فيه من الضرر أكثر من النفع أو الفائدة.
لن أدخل في تفاصيل الضرر والنفع في هذه الحالة , لأن ذلك يتطلب دراسة متعمقة ورصينة , تخرج عن نطاق المقالة وأسلوبها. بيد أن الأمر في واقع الحال من الخطورة والأهمية بمكان , مما يتطلب عدم تجاهله , أو المرور عليه مرور الكرام .فبمجرد تناهي الخبر إلى مسمعي , حتى قمت بالإستفسار عنه , فأتصلت بأناس من أهالي مدينة " تسله " فيما إذا كان في حوزتهم معلومات بهذا الخصوص , أي فيما إذا كانت قد أُرتكبت جريمة قتل حقاً وبدوافع " إيزداتية " إن صح التعبير , رغبة مني في الوقوف على حثيات ما جرى , فلم القَّ جواباً شافياً . فما كان مني إلا الإتصال بمركز الإيزيدية في الودنبورغ , فأخبرني أحد العاملين فيه , أن الفاعل ليس بإيزيدي ولكن " يبدو " أنه وعند تقديم العائلة التي ينتمي إليها كل من الجاني والمجني عليها , لطلب اللجوء أدعت – أي هذه العائلة- أنها أيزدية من سورية , ليسهُل عليها الحصول على حق اللجوء في الفترة التي كانت تعتبر فيها الإيزدية أقلية دينية مهددة , وغير متمتعة بحماية الدولة و أجهزتها في سورية 1997 حتى 1999.
بغض النظر عن كون الفاعل في هذه الحالة إيزيدياً أم لا , فان ذلك لن يغير في الأمر شيئاً , ما دام القتل قد وقع باسم الإيزدياتية . ومازالت وسائل الإعلام تعتبر الفاعل إيزيدياً , على الرغم من التوضيحات التي قدمها مركز الإيزيدية في الولدنبورغ -حسبما روى لي العامل في المركز المذكور- من أنَّ بياناتٍ قد أُصدرت في حينها , تعلن أن الإيزدياتية من هذه العائلة براء . إن العودة مجدداً الى المحاكمة سيفتح المجال مرة أخرى , في تحديد الهوية الدينية للجاني , وهو ما عقد العزم عليه كاتب هذه السطور , في محاولة لحضور جلسات هذه المحكمة او بعضها على الأقل , وتقديم صورة واضحة وصادقة عن مجرياتها , حسبما تسمح به هيئة المحكمة , ووضع الإيزديين عموماً والقائمين على الشأن الإيزدي خصوصاً في صورة كل ما يجري او سيجري , وذلك لتقديم التوضيحات اللازمة سواء لوسائل الإعلام , او لهيئة المحكمة . لنتمكن من إقناع الرأي العام الألماني , بأن الإيزيدية براء من هكذا أفعال , أو على أقل تقدير , أن الإيزيديين ليسوا في وارد مخالفة الأنظمة والقوانين المرعية في البلدان التي تستقبلهم وترعاهم .
مهما يكن من أمر فإن القتل تحرمه كل الشرائع , عدا تلك التي ما فتأت ترفع السيوف في الوجوه وتجز الأعناق , كما وتحرمه القوانين الوضعية المتحضرة . حتى ولو أجازته بعضها , فإن ذلك لن يتم إلا بعد محاكمة عادلة وإستنفاذ كل سبل المراجعة , وبأقل الوسائل ألماً . ولكن أن يتصدى شاب في مقتبل العمر , وينصب نفسه حامي حمى " الحد والسد" وتعاليم الإيزيدية , التي تخلو خلوا باتاً من أي نصوص تتعلق بالجرائم والعقوبات , أو أن تحوي نصاً يجيز هدر دم " المرتد" . فان هذا ولعمري مصيبة عظيمة . لاسيما إذا ما علمنا , أن حوداث كهذه قد جرت في مناطق سكنى الإيزديين الأصلية . وهي حالة غير مستبعدة في كل زمان ومكان , فكان التنبيه إلى مخاطرها ونتائجها ضرورة ملحة .
أن القيم الدينية ما كانت إلا لخير بني الإنسان , الذي هو غاية بذاته . فالإنسان هو دائماً وأبداً محل الحدث الديني , فبه ترتقي الإنسانية , وله تسخر الأشياء. وبالتالي فإن إستباحة دماء الأخريين لا يمكن إعتباره إلا إرهاباً وزرعاً للخوف والذعر . فما أقدم عليه العام الماضي الشاب المغربي الذي اعتدى وبشكل فاجر على المخرج الهولندي فان كوخ ومثلَّ بجثته , إثر إنتاج الأخير لفلم تناول فيه الإسلام , لا يمكن إلا وأن يصب في هذه الخانة النتنة , فمصادرة الأفكار والحرية الشخصية في التفكير والإختيار, هي من الجرائم المرتبطة بالإرهاب, سواء أكان مرتكبوها دولاً ام جماعات ام افرادا, فالعبرة هنا في النتيجة , وهي المصادرة. وبالتالي فإن إرتباط اسم الإيزدية بالجريمة المذكورة أعلاه , تضعنا كإيزدييين " مثقفين او دعاة ثقافة "أمام مسؤولياتنا الأخلاقية أمام ابناء جلدتنا خاصة والبشرية عامة , لإظهار الإيزدية بمظهرها الحقيقي , النابذ للعنف والمصادرة , وتبيان رسالتها الفلسفية , الداعية إلى الأخوة والمحبة والتسامح بين جميع بني البشر دونما إعتبار لأي تمايز من حيث اللون او الجنس أو العنصر أو اللغة أو الدين أو المعتقد . إضافة إلى العمل على التحقيق في كيفية تمكن هذه العائلة , من الإدعاء بأنها إيزيدية , و فيما إذا كانت قد حصلت على مساعدة ما من أحد الإيزيدية سواء أكانوا أفراداً أو مؤسسات .
أن ما يزيد الأمر ماسأة أن الجاني والضحية هما من ذوي الأرحام في هكذا حوادث , وبالتالي فإن مصيبة الأسرة مضاعفة ومزدوجة , وهي لن تخلد إلى الراحة والهدوء مهما طال الزمان , إذ ستبقى صور الجريمة وآثارها بادية للعيان , وسيجري تحسسها بشكل يومي من قبل جميع أفراد الاسرة , الأمر الذي سيؤدي إلى بروز إنعكاسات نفسية في شخصية جميع الأفراد , ستؤثر على مجمل عملية النمو الجسدي والفكري والعقلي . فهل يستحق الأمر كل هذه التضحية ؟
على الرغم من معايشتنا الشخصية للعديد من هذه الحوادث في الوطن , فأنه لم تصدر أية إدانة من أية جهة إيزيدية سواء في الوطن أم في المهجر , وكأن هذا الأمر لا يعني القائمين على الشأن الإيزيدي في شيء لا من بعيد ولا من قريب , كما ويعتبر هذا السكوت إعترافاً ضمنياً بمشروعية مثل هذه الأفعال . حتى ولو سُئل هذا الشاب في المحكمة – على فرض أنه ايزيدي حقاً- فيما إذا قد أستند على أي نص ديني ليبرر فعلته , لوقف كالأصم الأبكم , لأنه سيجهل كل تعاليم دينه أبلغ جهالة . ثم ماذا يمكن أن يحدث لو طُلِب من إحدى هذه المراكز الإيزيدية أو الجمعيات المنتشرة في ألمانيا , أو حتى المؤسسة الروحية , فيما إذا كان ثمة نصوص تحرم الردة عن الإيزيدية وحكم ذلك إن حدث . أن هذا يبرهن لنا أن الإيزيديين والإيزيدية عموماً في حالة يرثى لها . فالى جانب انعدام الدستور أو القانون الدنيوي و الدليل العملي , أضحت العديد من الأعراف بمثابة القاعدة الإلهية او الدينية المقدسة. وهذا ما نبه اليه كاتب هذه السطور في اكثر من مناسبة , بضرورة وضع منهاج او دستور عمل ينظم المفاهيم الإيزيدية ويرسم حدودها , لما فيها من عوامل إستقرار وثبات ويضع الأمور في نصابها القانوني والشرعي . إن هذه المسألة , والتي اعتبرها جوهرية وضرورة حيوية , لا يجب تجاهلها , لما فيها من فائدة و أداة ووسيلة لتقريب الدين الإيزيدي الى أذهان أتباعه أولاً , وليستند عليه هؤلاء في المحاججة , حيثما لزُّم ذلك ثانياً. ثم انه وبوجود مثل هذا الدستور او النظام الجامع "هنا التسمية غير مهمة" , يمكننا ان نبين للأخرين ماهية هذا الدين وفلسفته في الحياة والتكوين . فالحديث على عواهنه في كل مناسبة , إنما هو مدعاة للاسف والخجل , وهذا ما تلمسناه مؤخراً على أرض الواقع , من خلال عملية الخلط والالتباس وعدم التوافق التي وقع فيها المسؤوليّن عن الإيزيدية في الجهاز السياسي العراقي , وأقصد هنا بالذات الأستاذ حيدر ششو عضو الجمعية الوطنية والدكتور ميرزا دنايي مستشار رئيس الجمهورية للشؤون الايزيدية , حيث كان من المفترض التباحث في كل قضية او مسألة تتعلق بالشأن الإيزيدي , قبل إبداء أي توضيح او رأي . فقد كان من الممكن تجاوز ذلك لو كان هذا النص الجامع موجوداً, ولكانا قد وفرَّا علينا , الشعور" بالجهل والغباء" , والترهات التي باتت على كل لسان فأصبحنا في وضع لا نحسد عليه.وأصبح الكل يُنظِّر على هواه , وما يراه هو الأصح , الأمر الذي زاد في حالة التخبط .
أن الكثير من حالات القتل هذه إنما أرتكبت باسم الدين , بيد ان واقع الحال يقول بعكس ذلك , فالدافع الرئيس الذي يحرض القاتل في هذه الحالات إنما هي البيئة المحيطة المتمثلة بباعة صكوك الغفران الإيزديين , الذين يوزعون الإيزيدية والإيمان يمينا ويسارا, وكأني بهم خلفاء الله على الأرض . فحالة الخزي والعار الذي يشعر بها ذو الشاب او الشابة المرتد او المرتدة , مردها نظرات وهمسات الأهل والجيران والعشيرة و حتى الأسرة الأيزيدية الكبيرة وليس ايُّ نص ديني . حتى ولو افترضنا جدلا أن نصاً ديناً يجيز قتل المرتد او المرتدة , أفليس في هذا مصادرة للحقوق الشخصية في الإخيتار والتفكير . هذه الحرية التي ما فتئنا وننادي بها هذه الايام والتي اضحت من ثوابتنا او " خطوطنا الحمراء" التي لا يجب عن يغفل عنها الدستور العراقي القادم .أفليس قتل المرتد او المرتدة فيه من العنصرية والشعور بالتمييز عن سائر بني البشر الأخريين .وإعتبار المرتد إليه من جنس آخر ولا يرقى ان يكون متميزا . وضرب بالحائط لكل الأعراف والقيم الانسانية المنادية بوحدة الجنس البشري , وحفظ حياته وحريته. فالقول بصفاء الدم فيه من العنصرية ما يندى له الجبين خجلاً .
انني على يقين تام ان هيئة الدفاع ستركز في معرض دفاعها على ان الشاب – أعود وأكرر فيما لو كان أيزيدياً - قد ارتكب فعلته تحت تأثير فكرة دينية , مفادها تحريم زواج الإيزيدي من غير الإيزيدية , واحساس القاتل بان كرامته وحياءه سيخدشان نتيجة فعلة شقيقته المغدورة . بالتالي لن يكون هنالك مجال للبحث في الأعذار المحلة . وهو هنا القتل بدافع الشرف , فهو غير معتدٍ به في التشريع الجزائي الألماني , الذي يولي الإنسان وكرامته وسلامته الجسدية والنفسية اهتماماً بالغاً , يكفي أن نذكر أن المادة الأولى من الدستور الالماني تنص على أن كرامة الإنسان مصانة ومقدسة , فما بالك بسلامته الجسدية.
أمام هذا الوضع المزري اتسأل مع جميع الخييرين الواقعيين من أبناء الإيزيدية , إذا كان ثمة مخرج من هذا المأزق . كما ذكرنا سابقا , فان الدين كواحد من أقدم اشكال الوعي البشري , إنما جاء لخير البشرية وسعادتها . وبالتالي الحديث هنا عن قواعد أساسية غير قابلة للتغير أاو التعديل , إنما هو خروج عن الهدف الديني , فتجديد الدين هو أمر مطلوب في كل زمان ومكان حتى يحافظ الدين على حيوته وإشراقه كينوبع صافٍ للفكر الخيّر. فالتشدق بان التعاليم الدينية إلهية وقد نزل بها الوحي , يقطع الطريق امام كل محاولات الاصلاح , ويكرس لحالة التقهقر عن ركب المتطلبات الحضارية , التي تلزم كل فرد في هذه القرية الكونية ان يكون فاعلاً ومؤثرًا في نطاق ومجال عمله.هنا فان اية عملية اصلاح , إنما هي ضرورة تاريخية , تحتمها المرحلة الحرجة . فكفانا رقصاً ودبكاً على احباطاتنا وانكساراتنا , ولنعترف أن الامر بحاجة الى وقفة شجاعة وجريئة .
قد يذهب البعض من قصيرِ النظر , وينعتوني بصفات , أقلها بأنني داعية الى تخريب الإيزيدية من خلال دعوتي الى إصلاح النظام الإجتماعي والعقائدي الإيزيدي ونبذ الشوائب التي تضر الإيزيدية أكثر مما تنفعها . فموضوع كموضوع الحد والسد ذو إشكالية كبيرة , والحجج المساقة لتبريره إنما هي واقع الأمر غير مقبولة ومرفضة . في هذا السياق لن أقدم الادلة او البراهين التي تثبت إيزديتي من عدمها .لانني ولسبب بسيط , لا أقبل لاحد ان يحدد درجة إيزيدتي , ايماناً مني بان الدين انما هي علاقة روحية تجمع العابد بمعبوده, ولكن وحينما يتدخل الدين في صميم الحياة اليومية , هنا تصبح عملية الإصلاح والمواكبة ضرورية وملحة , لا بل وعاجلة . فهنا أجد أنه من المهم والمهم جداً عقد مؤتمر إيزدي " حقيقي " , يحضره كل القائمين على الشأن الإيزيدي لمناقشة أمر واحد فقط , هو وضع مشروع القانون الأساس والجامع للإيزيديين , لما في هذا من خير وإستقرار.
داود ناسو- المانيا 22/8/2005
|