|
تمر الأيام والسنون، تبهت ألوان الحياة الزاهية وتذوب المشاعر ولا تتسارع نبضات القلوب معلنة حالة الفتور والبرود ولا تهتم العقول إلا بالتفكير في تأدية المسئولية والالتزام، ما يثمر حالة من الضياع وافتقاد للهدف والدافع الذي اجتمعت عليه المشاعر بين الزوجين وأبت إلا تحقيقه والتنعم بزاده.
فالحياة العامة تضج لأي إنسان طالباً كان أم عاملاً زوجاً وأباً مسئولاً عن أسرة أم أعزب غير مسئول بالروتين، روتين في العمل والمنزل حتى في طبيعة الأفكار والنقاش بين الأصدقاء ويتسلل إلى العلاقة بين الأزواج فتجدهم تلقائياً منغمسين في الروتين.. والأسباب بديهية العمل والأولاد وكثير من مشكلات الحياة الأخرى، بعضهم يحاول التغلب عليها وكسر وتحريك سكونها وبعضهم الآخر يسلم لها معلناً حالة من الملل والضجر.
ويعد تنظيم الوقت والتحلي بروح المفاجأة والمرح خاصة في العلاقة بين الزوجين أحد وسائل التخلص من الروتين القاسي الذي يغلف الحياة الزوجية وينتحي بها إلى واحة الملل خاصة بعد مرور فترة طويلة على الارتباط حيث يعيش الزوجان وكأنهما يؤديان عملهما الوظيفي مجردين من مشاعر الحب مفتقدين الدافع أو الهدف لعيشهما معاً..
نحاول في التقرير التالي أن نعرض نماذج واقعية تعاني وتضيق قلوبها بفعل الروتين القاتل في العلاقات الزوجية كما نتطرق إلى شرح أسبابه الاجتماعية ونكشف مدى تأثيره على جوانب الحياة عبر لقاؤنا بمتخصصين، تابعوا معنا..
ملل قاتل
تقر "سميرة حسين" في نهاية العشرينيات من ربيع عمرها إن حالة من الملل والرتابة باتت تشوب ملامح حياتها الزوجية منذ العام الثالث من زواجها، والأسباب متعددة تسردها بشيء من التفصيل بدايتها كانت مع افتقادي لنور قلبي الغالي والدي حيث توفي بعيداً عني أثناء إقامته في إحدى الدول العربية ولم أتمكن من رؤية محياه، ما زاد من ألمي وحزني أنه كان مصراً على أن يؤذن لبكري في أذنيه عند الولادة لكنه ما فعل رحمه الله، تغيب في لحظات صمت باكية على الفقيد الغالي ومن ثّم تعود إلى سرد أسباب الملل الذي تسلل إلى حياتها الزوجية قائلة: "بعد ذلك كانت آلام الحمل والولادة ومشكلات الحياة القاسية التي داهمتنا بعد استغناء صاحب العمل عن زوجي حيث ظل عاطلاً عن العمل قرابة العام، فضاعت تفاصيل الحياة في البحث عن وظيفة تؤمن الأساسيات لطفلي وتاهت المشاعر في دوامة الحياة ولم يبق منها إلا التزاماً وواجباً نقوم به كقيامنا بأعمالنا "، وتضيف: "ما زاد من حالة الملل التي أعانيها أن زوجي تقليدي بطبعه لا يحب التغيير مزاجي أيضاً إذا ما تعكر صفوه انعكس ذلك سلباً على من حوله دون أن يكون لهم أدنى ذنب في ذلك، لكنه جيد حنون ذو قلب كبير لفترة استطاع أن يحتويني بعد وفاة أبي لكن تداعيات الحياة أرهقته ومسئوليات الأطفال أثقلت كاهله.. حاولت مراراً أن أعود بزوجي إلى أيام زواجنا الأولى حيث السعادة الغامرة للقلوب والهناءة المرسومة على الثغور والأمل المختزل بالعيون والمستقبل المشرق لكن ظروفنا المادية المتعثرة بين حراك وسكون قتلت معالم الأمل وأذهبت ببريق المشاعر وغيرت حلاوة الأيام إلى علقم وصبار، بت أعاني من الملل بسبب المسئوليات والإحباطات المتوالية، أخشى أن تؤدي بي هذه الحالة إلا فراق وافتراق أبدي.
ملل طبيعي
العلاقات الاجتماعية حالها كأي شيء في المجتمع تتأثر به وتمتص انعكاساته ومنها العلاقات بين الزوجين، فعلى الرغم من كوننا في مجتمعات شرقية تمتاز فيه العلاقات الاجتماعية على اختلافها وخاصة بين الأزواج بدفء العواطف وحميمية المشاعر إلا أنها باتت مغموسة بحالة من الفتور اللغة السائدة فيها هي الصمت باردة يكسوها الجليد من كل جانب ولا تذيبه أشعة شمس صيفية، أفرزتها التحولات التي اجتاحت العالم في كافة مجالات الحياة..
نور الدين في الثلاثينيات من عمره متزوج وأب لطفلين برأيه أن شعور الملل طبيعي جداً ويخالج صدور وقلوب جميع الناس سواء كان متزوجا أم لا، ويستطيع الإنسان أن يتغلب عليه بالتغيير في بعض الأمور حتى لو كانت بسيطة، ويضيف: "طبيعياً أن يزورني الملل من روتين الحياة اليومية بين الحين والآخر، أخطره روتين الحياة الزوجية لأنها علاقة أبدية بين الزوج ومن اختارها لتكمل معه مشوار الحياة القادمة، ويلفت: "أحاول كسره وتغييره بالخروج في نزهة مع الأسرة أو شراء هدية لزوجتي فتتجدد المشاعر وتبادلني الاهتمام، وأحياناً أخرى أتعاون معها بتوظيب أركان المنزل بشكل مختلف خاصة غرفة المعيشة خاصتنا لإدخال نوع من التغيير وكسر الرتابة والروتين"..
الملل مسئولية مشتركة
"أمل محمود" ترى أن العلاقة الزوجية شراكة بين طرفين إن اختلت أو اعوجت فإننا لا يمكن أن نلقي باللوم على إحداهما دون الآخر، في إشارة منها إلى أن مشاعر الملل والروتين الزوجي إذ ما دقت أبواب العلاقة الزوجية فإن السبب يعود لكلا الزوجين معاً، وتسرد بعضاً من ملامح حياتها مع زوجها تقول: "ارتباطي بالزواج كان قائماً على تجربة عاطفية سابقة لقرار الزواج رويتها بدفء مشاعري واهتمامي بمن اخترته شريكاً للحياة وكانت النهاية السعيدة بالزواج لذلك أعمد دوماً للمحافظة على جو الدفء والمشاعر الجميلة بيننا دون أن أدع فرصة للملل أن يتسلل إلى قلوبنا رغم أننا كثيراً ما نمر بأوضاع حزينة وأخرى روتينية بفعل العمل ومشاغل الحياة ومشكلات الأولاد في تأمين احتياجاتهم من شأنها أن تقضي على الملامح الجميلة في حياة أي زوجين إن لم يجتمعا على ائتلاف ووفاق"، وتستمر في حديثها: "الأزواج دائماً يحبون التغيير ولا يطيقون النكد الذي تمارسه بعض الزوجات ما إن لمحت طيفه من طرف باب منزلها بمطالبته بمصاريف مدرسة الأولاد مثلاً، واحتياجات السوق وغيرها من المتطلبات التي يضيق بها صدر الزوج إذا ما طلبت منه فوراً وعلى الدوام قبل أن ينال قسطاً من الراحة بعد يوم عمل طويل ويضيق بها أكثر إن لم يملك نقوداً بفعل أزمة مالية تعرض لها كانقطاع راتب أو خسارة في تجارة"، وعلقت "أعيش حياتي بسعادة مع زوجي أحياناً يداهمنا الملل لكننا نتغلب عليه سريعاً ولا نجعله يفسد تفاصيل حياتنا".
تقهقر العلاقات الاجتماعية
من ناحيته يشير د. "فضل أبو هين" أستاذ علم الاجتماع، أن روتين الحياة اليومية والسير فيها على وتيرة واحدة ونمط واحد يصيب الإنسان بالرتابة والملل، مؤكداً أن ذلك ينطبق على العلاقة بين الأزواج فعدم تجديدها وتغيير بعض ملامحها منذ اليوم الأول للزواج يجعل حالة الملل والرتابة تتسلل إليها، مشدداً على ضرورة إدخال شيء من التنوع على العلاقة بين الزوجين ومحاولة إعادتها إلى صورتها الأولى ولحظاتها الجميلة التي جمعتهما في بداية الحياة.
ويضيف أبو هين في حديث خاص بـ"آسية" من أساليب التنوع في الحياة أن تقوم الزوجة مثلاً بإعادة ترتيب المنزل بشكل مختلف مغاير لكسر الروتين كأن تقوم بتغيير أماكن الأشياء وتنقل الأدوات ما يخلق تجديداً في الأفكار والانفعالات والعواطف ولاسيما العلاقات وينأى بها عن حالة الرتابة والملل اليومي، بالإضافة إلى تغيير الأدوار والأنشطة أحياناً كأن يقوم الزوج بإعداد وجبة الإفطار مثلا ويدعو زوجته لتناولها معه مع الأبناء فهذا يكسر الجمود والروتين ويسعد الأبناء كثيراً فيشعرون باهتمام أبيهم ورعايته لهم وحرصه على إتمام تفاصيل حياتهم بكثير من السعادة والأمان الاجتماعي والأسري، وتابع: "الطرق كثيرة لكسر جمود الروتين في الحياة اليومية ليس للزوجين فقط وإنما للأسرة بأكملها كأن يقوم الأب بتنظيم جلسة أسبوعية مع أبنائه وزوجته يتحاورن يناقشون أمورهم ويخططون لمستقبلهم على بصيرة ووعي".
ويلفت أستاذ علم الاجتماع إلى أهمية إشراك الأبناء في بعض الأمور فذلك يغرس فيهم الإبداع والتعبير عن ذاتهم يخلصهم من حالة الملل التي قد تدق أبواب أسرتهم، وعلى صعيد الجيران والعلاقات الأسرية الممتدة مع أهل الزوجة وأقاربها بإمكانها أيضاً نتخلص من الروتين الذي يعتريها بتوسيع الأنشطة وتنويعها بين الترفيه وتدعيم أواصر العلاقات الاجتماعية القائمة على التراحم والتواد مع الأقارب والأرحام.
من ناحية أخرى لفت د. أبو هين إلى أن ضريبة الروتين والملل في الحياة خاصة الزوجية قاسية جداً لا تنعكس فقط على الزوجين وحالتهم النفسية والاجتماعية وإنما على الأسرة والمجتمع ككل حيث تسود العلاقات الشخصية وتتقهقر العلاقات الاجتماعية إلى زوال بافتقار الأنشطة الاجتماعية على كافة المستويات ويعلق هنا د. أبو هين أن خصوصية المجتمع الفلسطيني تكمن في عدم توفر الأنشطة نظراً للأوضاع السياسية والاقتصادية المأساوية التي يعاني منها الفلسطينيون على الدوام، قائلاً في البلدان العربية يوجد المنتزهات والمنافذ الأخرى التي تساعد على كسر الروتين أما الفلسطينيون فلا منتزهات ولا متنفس إلا زرقة السماء وانعكاسها على مياه البحر فتجد الآلاف المؤلفة تتجه إليه باعتباره المنفذ الوحيد لمليون ونصف شخص ما يجعل أحياناً حالة الملل تتفاقم ولا تغادر محيا الوجوه.. بينما الدول العربية تجد المسارح والنوادي والمنتزهات والملاعب والحدائق العامة.. الأماكن هناك متوفرة للكبار والصغار أما في وطننا فتكاد تكون معدومة للجهتين وعلى الرغم من ذلك إلا أن د. أبو هين يشدد على ضرورة أن تخرج الأسرة مرة في الأسبوع للترفيه عن نفسها وذلك لكسر الروتين ما يؤدي إلى خلق نمط من التجديد، مشيراً أن الحياة بطبيعتها متغيرة تؤثر على انفعالاتنا وعواطفنا.
|