محتويات الإدراج الذي تريد إرساله:
محنة الديمقراطية في مواجهة الأحذية العربية
محنة الديمقراطية في مواجهة الأحذية العربية
وأخيرا تمت مواجهة الديمقراطية بالحذاء زيادة في تمتين معنى الديمقراطية، أنه مسموح بكل شيء، حتى لو تجاوز حدود الأدب واللياقة، بدون خوف صاحبها من وضعه على الخازوق المملوكي.. فكان درسا جديدا في الانتصار الأمريكي..
إنه من الصعب على شعب ثرثار أن يتنبه لوقع أقدام الوقت الهارب.
ومن الصعب على شعب ثرثار فهم دلالات اللغة السيميائية ؟؟
لأن اللغة السيميائية تعبير بدون كلمات، بل دلالات الحركات، وهي أول اللغات التي يتعلمها الطفل قبل المنطوقة والمكتوبة..
ولذا جاء التعبير بالحذاء سيميائيا رائعا في مواجهة ثقافتين ..
وقد تشفي حادثة العراق صدور قدوم مؤمنين؟
ولكن هل فعلا ما حدث ترياق شاف لقوم فعلا مؤمنين؟ أم سم زعاف لقوم يجهلون فوق جهل الجاهلين؟؟
ورفع القلم عن خمس: عن الصبي حتى يحلم، والمجنون حتى يفيق، والسكران حتى يصحو، والنائم حتى يستيقظ، والغائب حتى يحضر؟!
والشعب العربي في صبيانية بدون رشد، ونوم بشخير مزعج، وجنون بدون إفاقة، وغائبا في إجازة مفتوحة للعقل، وسكرانا يترنح…
وما هم بسكارى ولكن عذاب الله شديد.
وباعتبار أن قسما لا يستهان به من الشعب العربي ثرثار يعيش على اللغو والثرثرة والكذب والتأثيم والتجسس وكتابة التقارير السرية، فقد جاءته قصة يلغط بها ويتسلى في انتصارات وهمية لشعب مسحوق حتى الأعماق في ظلمات من الإحباط..
لذا وجب تفهم آلية التنفيس في سيكولوجية إنسان مقهور، ولا يستبعد أن تكون أحد احتمالات الحدث أنه ترتيب مسبق كما في قصة الأمير وأواني النحاس، فقد أورد ابن مسكوية أن الأمير عقد حفلة سمر ليلية لأعيان القوم فلما طاب الجلوس وهدأت النفوس سقط من ظهر القصر إلى الصالة أواني نحاسية مجلجلة الصوت فجأة فتدافع القوم ودعسوا بعضهم بالأقدام؟!!
كل القوم هاجوا وماجوا إلا اثنان الأمير والعالم لأنهما عملا ذلك بترتيب مسبق..
وهكذا فإن العلم يورث الطمأنينة ..
وهدوء بوش وهو يستقبل الحذاء المقذوف عليه قد يكون بترتيب ووحي بدون أن يشعر نفس من فعل الفعل
وهو احتمال ..
لذا وجب النظر لآخر قصة من إنتاج السندباد البحري في بغداد من منظور علم النفس
فقد ودع العراقيون بوش بفردة حذاء؟ ولكن ليس كل العراقيين..
وتطوع 200 من محامي العرب للدفاع عن حذاء..
وبدأ المزاد العلني عند العرب لشراء الحذاء الشريف؛ فهناك من رصد مبلغ 100 مائة ألف دولار ثمنا له، وآخر دفع الرقم ليصل إلى عشرة ملايين دولار، قدمه ثري خليجي لم يتعب في ماله كثيرا ويدين بكل ما يملك لصدفة جيولوجية أكثر من عرق الجبين..
وهو يذكر بقصة مروة التركية بفارق الجنس والموضع..
بين الرأس والقدم ….
وهي عند العرب لا تختلف كثيرا، فمن يمشي على رأسه يخسر رأسه ورجليه معا..
كما ذكر يوما مالك بن نبي عن رجل لبس البدلة الأوربية واعتمر بالطربوش التركي أن الحضارة دخلت من رجليه ولم تصل رأسه بعد؟
وبدأت حفلات تبادل كؤوس النخب بين العرب في توزيع بطاقات تهنئة برأس بشري مدموغ بكعب حذاء من قياس 44 زيادة في التشفي، بل تم إدراج مجموعة من الأسماء التي تطلق بشكل عام علىالحذاء، فزادت مرادفات اللغة العربية ولكن من أسفل؟؟ :
نعل – جزمة – كوندرة – بوت – بوصطار – شاحوط – اشلاكة – صَرمة – صورمايةـ قوبقاب – مشّاية – حفاية – كاوتشي – فورزا – شبشب – صندل – بابوج – شوز؟!!
وهو تفريج كرب من لا يفرج كربه…
وتمنينا تصديقه..
بل ونشرت جريدة الاقتصادية السعودية في صفحتها الأخيرة أن قاذف الحذاء يحلم بأن يصبح رئيس لوزراء العراق. وهي تمنيات قابلة للتحقيق في بلاد علاء الدين والمصباح السحري، فيفرك القنديل فيقفز الجني ويعين الزيدي حاكما للعراق بدون انقلاب عسكري..
ولكن هل يمكن لعربي أن يفعل هذا بقائد ثوري، تهتف له جماهير حمقاء مقادة مغفلة في كل زاوية، مع زرع صورة ملونة مضيئة معطرة لشعب مسحوق فقرا وغما، تزعق في كل نادي: بالدم بالروح نفديك يا أبو الجماجم؟
وفي يوم تبرعت مظاهرة من المحامين العرب للدفاع عن شقي العوجة..
وهو يذكر بقصة المحامي فيرج (Jacques Verges) الذي أبدى استعداده للدفاع عن هتلر، وجميع أوغاد الأرض وطبق هذا في دفاعه عن النازي باربي والحرامي الإرهابي الكبير كارلوس ذراع وديع حداد، أستاذه في القتل والمقتلة، ولولا جشع الأول للمال لمات عشرات من وزراء البترول يوم الاختطاف الأعظم، ومنهم زكي اليماني الرأس الأول المطلوب؛ فهو حي يرزق بمحض الصدفة، وتنازع أهواء وديع وكارلوس بين الدم والمال.
وحين تجرأ الصحفي العراقي أن يرشق بوش بسفل حذائه فهو مؤشر خير وليس كما هلل العرب الأشاوس..
وذاكرة الشعوب قصيرة، ونفوسهم بئيسة، والحقد له مرتع، ولكن ثقافة بوش تسمح بحدث مثل هذا، وكانت نظرة من صدام لأحد الرفاق كافية أن تصيبه بداء الرجفة بقية حياته، أو تذهب بصاحبها إلى قصر النهاية أو الرحاب، وما أدراك ما هي؟
ولذا وجب تأمل قصة الحذاء المرشوق من زاوية مختلفة هي التعبير وعدم الخوف حتى بالصورة القميئة.
إننا نضل حين نظن أننا نلنا من بوش بهذه الطريقة، بل هي شهادة له أنه لن يسحل في شوارع الكوفة والبصرة، ذلك الذي تجرأ فسمح لعقله بالتفكير ويده بالضرب..
وهذه هي جدلية التعبير أن تعرف كيف تعبر وتغضب حسب المنطق الأرسطي في المكان المناسب من الشخص المناسب للسبب المناسب..
إننا نفرح بتصرفات الحذاء وننسى أنه نقلة للعراق إلى عصر التعبير ولو برشق الأحذية ولكن أكثر الناس لا يعلمون..
إن ضخامة الأشخاص عندنا وتورمهم إلى حد التأله، وضغطهم إلى حجم حذاء في الثقافة الغربية مأساة للعقل العربي والثقافة العربية، وجائزة للثقافة الغربية التي لا تسمح للتأله.. وليس من مجال
وهذا إعلان رائع للتوحيد السياسي نسيناه من أيام المتوكل..
إنني أذكر قصة شاعر أحضروه إلى الخليفة متهما بكلمة، فلما أصبح رأسه بين السيف والنطع والجلاد ألقى أبيات من الشعر حاصلها أنه لا يأسف على نفسه أن يطير رأسه مثل ديك رومي، ولكن الصبية الصغار الذين سوف يصرخون ألما حين ينعى إليهم الأب، الذي سمح لعقله بالحركة، ولسانه المعقول بكلمة..
وعندما سمع الخليفة أبيات الشعر رق قلبه واعتدل مزاجه فعفا عنه وأجزل له العطاء وحمله بالهدايا على ظهر بغل محترم؟
إنها مفاخر ثقافية نرويها لأولادنا ونكتبها في الروزنامة اليومية وهي مقاتل ومخازي..
نعم إنها ثقافة العقل المعتقل.
فهل يمكن أن نسجل لأمريكا نصرا جديدا أن أعظم شخصية تعرضت لإهانة ـ من وجهة نظرنا ـ فلم يسحل صاحبها على الطريقة العراقية، ولم يشنق فيطير رأسه بمعاليقه كما فعل أخوة برزان التكريتي ببرزان..
العراق يستحم في الدم منذ أيام الحجاج وقبل الحجاج، ولعل إهراق الدم في ذكرى الحسين تصب في نفس الاتجاه الدموي.
والآن بعد أن طار صدام ودخل جنود أمريكا إلى العراق، بدئوا في التعبير والاجتماع وتشكيل الصحافة والتمتع بالانترنت والجرأة على الاعتراض وإنشاء مجالس الصحوة والخروج في مظاهرات ومسيرات، والصراخ والزعيق ولو ذما وشتما وقدحا وبغضا ورميا للأحذية في وجوه الرؤساء، وكانت في أيام الراحل المصدوم جرائم يحاكم عليها صاحبها ويوضع على الخازوق..
هل يمكن أن نفهم من حادثة حذاء بوش أننا في مكان الحذاء ننتج الأحذية، وأن بوش في مكان تحمل الأذى يرده بيده بدون جاندرما ومخابرات وتعذيب واستخراج للحقائق كما يريد عسس المخابرات؛ على أي شكل ونحو ومظهر.
فإن أرادوا خرج متآمرا للصلب، وإن أحبوا بدا حيوانا وديعا يدب على أربع، أو زاحفا صحراويا على بطنه يزحف، أو مشوها يجرجر قدميه بلحية منتوفة محروقة، أو عميلا لأي جهة عالمية..
إن ما حدث في زيارة بوش الأخيرة أفضل شهادة يمكن أن يخرج بها للتاريخ، أنه تلقى الحذاء فلم يرد عليه بالمثل، بل كان أفضل منه، في حوار بين الحذاء والكلمة، فهذا هو الفرق بين الثقافتين..
ولكن بيننا وبين هذا الفهم مسافة ثلاث سنوات ضوئية بالضبط؟
|