جمعة كنجي إستيقظت سيدة المنزل من نومها على صوت ضجّة في قن الدجاج ، خرجت مسرعة لتتبين الأمر .على ضوء فانوس تحمله في يدها ، شاهدت ثعلبا ً في مكان غير بعيد من المنزل .صرخت سيدة المنزل ، فولّى الثعلبُ هاربا ً . وعندما بحثت عن الكلب لم تعثر عليه . غضبت سيدة المنزل . ظنت بأن الكلب قد أهمل واجبه وذهب يلهو مع أصدقائه . لذلك قررت أن تعاقبه عقابا ً شديدا ً . في صباح اليوم التالي ، عندما شرعت سيدة المنزل تطعم حيواناتها ، إقترب الكلب مطالبا ً بحصته من الطعام ، لكن سيدة المنزل صرخت في وجهه غاضبة : - أنت تُهمل واجبك ، لذلك لن أطعمك .. أين كنت تلعب طوال الليل ؟ .قال الكلب وهو يتوسل إلى سيدته :- يا سيدتي ! ثعالب كثيرة هاجمت البيت ، فخرجت ُ أطاردها حتى إختفت في الغابة . لم تصدق سيدة المنزل كلام الكلب ، فضربته وطردته من المنزل . ذهب الكلب إلى الغابة فحفر وجرا ً تحت صخرة ،وعاش هناك وحيدا ً .بعد أيام قليلة هاجمت الثعالب المنزل مرة أخرى . إستيقظت سيدة المنزل ، وطلبت من القط أن يطارد الثعالب ، لكن القط إنكمش على نفسه ، وهو يرتجف من شدة الخوف . غضبت سيدة المنزل ،وبخت القط ، وإتهمته بالجبن ، وفي الصباح لم تقدم له إستحقاقه من الطعام ، اقترب القط منها وقال متوسلا ً :- سيدتي ! مطاردة الثعالب هي من واجبات الكلب ، وواجبي هو مطاردة الفئران .ركلت سيدةُ المنزل ِ القطَّ بقدمها ، وطلبت منه أن يغادر المنزل فورا ً . ذهب القط و إختفى في الغابة أيضا ً . وسرعان ما إغتنمت الفئران فرصة غياب القط ، فغادرت جحورها و إنتشرت في أنحاء المنزل . وأخذت الفئران تعبث في كل ما يصادفها :قضمت الأغطية والملابس ،أكلت الدهن والسكر ، حفرت الثقوب في الجدران ، تسللت إلى قن الدجاج ، والتهمت كل ما فيه من حبوب . بل أن فأرا ً وقحا ً إندس في الليل تحت ثياب سيدة المنزل ، فأستيقضت مذعورة وهي تصرخ .. في الصباح حرمت ِ الديك من الطعام ، قالت له ساخطة :- يا لك من ديك جبان !! الفئران تلتهم طعام الدجاج ، وأنتَ لا تعرف كيف تطاردها ؟! أجاب الديك قائلا ً :- مطاردة الفئران هي من واجب القط يا سيدتي ! غضبت سيدة المنزل ، فطردت الديك أيضا ً ، ذهب وأقام هو الآخر في الغابة .لم يمضي وقت طويل حتى شاهد ثعلب عجوز الكلب مختفيا ً في وجره ، عاد وأخبر أصحابه بما رأى . كان القط يختبيء ُ بين الأغصان ، جاءت الثعالب إجتمعت في مكان قريب منه . حضر الأجتماع ملك الثعالب بنفسه . جلس مزهوا ً في صدر المجلس . تداولت الثعالب في الأمر : لابدّ وأن سيدة المنزل قد طردت الكلب ، فجاء يعيش في الغابة . لِم َ لا يستغلون هذه الفرصة ويهاجمون المنزل ؟؟ في مقدورهم أن يخنقوا سيدة المنزل ، وينهبوا كل ما في البيت من دجاجات ..! هكذا قررت الثعالب أن يبدأ الهجوم في المساء ، اتفقوا جميعا ً على أن الحظ سيحالفهم في هذه المرة ..! حين تفرقت الثعالب . قفز القط راكضا ً نحو المنزل ، أخبر سيدته بما سمع ورأى .لكن سيدة المنزل لم تصدقه ، قالت وهي تدير وجهها عنه : " إغرب عن وجهي ! أنا لا أصدقك . أنت تفتعل الأعذار لكي ترجع إلى المنزل " . هكذا عاد القط خائبا ًإلى الغابة في أشد حالات الحزن والقلق . ظلّ المسكين يتجول في أنحاء الغابة ، يردد بصوت حزين : ميو ! ميو ! " في طرف الغابة ، حينما أراد القط أن يعبر جدول ماء ، سمع صوتا ً يناديه :- يا صديقي القط .. يا صديقي القط ..نظر القط إلى الأعلى ، رأى الديك واقفا ً فوق شجرة .. صاح القط بفرح : - أهلا ً بك يا صديقي الديك .. متى جئت إلى الغابة ؟ ألا تخاف من العقاب ؟؟ .قال الديك بصوت حزين :- سيدة المنزل طردتني مثلما طردتك ، لأني لا اعرف كيف أطارد الفئران . قفز القط إلى أعلى الشجرة ، جلس بجانب الديك ، وقص َّ عليه كل ما حدث . أرخى الديك جناحيه ، وأطرق يفكر بحزن : " ماذا يستطيع أن يفعل ديك صغير مثله إزاء عدد كبير من الثعالب ؟ !. فجأة ً طفرت إلى ذهن الديك فكرة ً غريبة ، قال للقط : " سأقوم أنا بمشاغلة الثعالب ، أما أنت فاذهب وابحث عن صديقنا الكلب ، فهو يستطيع أن يساعدنا " . صفق الديك بجناحيه ، وقف بأعلى الشجرة ثم صاح بصوت عال ٍ : " كيكي !! .. كيكي !! " . أجفل القط ، وهمس خائفا ً : " صه ! أمجنون أنت ؟ ستأتي الثعالب فتفترسنا ! " .. ظلَّ الديك يصيح ويصيح بلا إنقطاع ..وانطلق القط مسرعا ً ، يقفز من شجرة إلى أخرى ، لا بدّ أن يعثر على الكلب . سمع أحد الثعالب صياح الديك ، هرول نحو الشجرة مكشرا ً عن أنياب حادة ، قال له الديك بهدوء :- أيها الثعلب .. أين الملك ؟ لقد جئت إلى الغابة لكي أحدثه في أمر مهم جدا ً .فرح الثعلب ، انطلق يستدعي الملك ،عندما حضر الملك مع أفراد حاشيته ، خاطبه الديك :- يا صاحب الجلالة. أنظر . أنا ديك جميل ، ولحمي يليق بملك عظيم مثلك !رفع الملك رأسه ، نظر إلى الديك بفرح، ثم قال بلهفة :حسنا ً .. أيها الديك ، انزل إلينا إذن . فأجاب الديك :- لا يا صاحب الجلالة .. ينبغي أن أذهب إلى النهر فأستحم كي تأكل لحمي وهو نظيف .التفت الملك نحو حاشيته يقول : - يا له من ديك عاقل !! عندما بدأ الديك يطير من شجرة إلى أخرى ، أخذت الثعالب تلاحقه .إجتمعت الثعالب على شاطيء النهر ، قفز الديك وحط َّ فوق صخرة بين المياه . همس الملك : " دعوه .. إذا حاول الهرب سيغرق حتما ً " . طار الديك ضاربا ً صفحة المياه بجناحيه ، أثار حول نفسه عاصة من الرذاذ ، بسرعة فائقة طار عاليا ً ، إستقر فوق غصن الشجرة .بعدما تلاشت موجات المياه ، إنعكست صورة الديك واضحة فوق سطح النهر .هنا صاح الديك يقول بسخرية : " يا صاحب الجلالة .. لقد سبحتُ وتستطيع الآن أن تأكلني !" .إلتفت الملك نحو أصحابه وقال لهم بزهو : " من منكم يأتيني بهذا الديك الجميل ؟" .إندفع ثعلب مغرور قائلا ً : " أنا" . وسرعان ما قفز إلى النهر .أضطربت صفحة المياه ، و إختفت صورة الديك ، وفي أقل من غمضة عين غاص الثعلب نحو الأعماق .تعجبت الثعالب مما حدث ، قال احدهم بأستغراب : " أين الديك ؟ بل أين الثعلب ؟ !" .همس ثعلب آخر في أذن الملك بتملق : " يا صاحب الجلالة .. ذلك الملعون هرب بالديك لنفسه ! " .غضب الملك ، هزّ ذيله ساخطا ً ، وقال بأستياء : " يا له من ثعلب جاحد! " .عندما تلاشت الموجات ، وظهرت صورة الديك فوق رقعة المياه ، هتفت الثعالب بفرح : " عاد الديك يا صاحب الجلالة .. لعله هرب من ذلك الثعلب الملعون " . عقب الملك يقول لهم باطمئنان : . ألم أقل لكم بأنه ديك عاقل ؟ ! " . ووقف الملك بين أصحابه بكبرياء وهو يمني نفسه بوجبة غذاء لذيذة . نظر إلى الديك الجميل باعجاب ، مكشرا ً عن أنيابه الحادة ، ثم قال لجماعته بصوت آمر : - أريد أن تأتوني بالديك .. إقفزوا جميعكم .. حالا ً .. جميعكم وبدون تأخير ! قفزت الثعالب إلى النهر . إضطربت المياه ، وتطاير الرذاذ في كل إتجاه. إختفت صورة الديك . فطن الملك بأن ثعلبا ً ربما إختطفه لنفسه. في لحظات إبتلعت المياه جميع الثعالب ، هوت نحو قاع النهر غارقة . وعندئذ نظر الملك حواليه وهو يتمتم : " أين الديك ؟ أين الثعالب ؟؟ " . طار الديك . حط فوق صخرة بين المياه ، وخاطب الملك بسخرية : - يا صاحب الجلالة ! رأيت ، وأنا فوق الشجرة ، الكلب والقط قادمين أراد ملك الثعالب أن يهرب ، لكن الكلب صرخ من ورائه بصوت مخيف : " عاو ! عو ! ". قفز الملك إلى النهر وغرق . في صباح اليوم التالي ، عندما خرجت سيدة المنزل لتجلب الماء من النهر ، رأت جثث الثعالب تطفوا على سطح الماء ، إستغربت من ذلك . وتساءلت مع نفسها : " كيف غرقت الثعالب ؟ ! " . وتمنت سيدة المنزل أن تعرف الحقيقة ، لكن .. كيف ؟ لا أحد يعرف إلا من يعيش في الغابة . الكلب والقط والديك هم الآن هناك . لعلهم يعرفون كيف غرقت الثعالب . .. ونظرت سيدة المنزل بعيدا ً، ثم إنطلقت تهرول نحو الغابة باحثة ً عن أصدقائها .الموصل14/3/1986