ِاِلجو قائظ ...ازدادت حرارته أثناء مرور الظهيرة العصيبة ،...مارة يتداولون الحياة ببطء مضن ...شيخ يحمل علي كتفه كيسا لايكاد يرفع طوله، يجرجر أرجله في حركة دولابية ...،ولكنه مستمر في الحمل ، وجهه المتعب شديد الإرهاق ترسم فيه تعاريج عدة تتحدث عن عمر انقضى في البحث عن لقمة العيش. مارة لايكاد يفرغ الشارع منهم ،جلست أبحث عن بعض الراحة بعد مشوار مضني ألوذ من الإجهاد والحر اتفرس في وجوه المارة ... البعض يسير بسرعة،ويتحدث إلي نفسه بصوت عال ،وكأنه يحادث الغيب و الآخر يحادث سماعة المحمول ليعلن عن عن مشاكل حياته أمام الملأ معتفدا أنهم ربما سيزيحون عنه بعض أعبائه ...طال الانتظار فالاستراحة يبدو أنها ستطول لأنني إلى الآن لم أستطع أن أتحصل علي ر كوبة لتعود بي إلى البيت.... استغراقي في التأمل لم يشعرني بوجودها بجانبي أيقظتني قائلة سامحينى يا ابنتي أنا تعبانة ، ولكننى خرجت لأقضى بعض متطلبات البيت ...الحقيقة أننى لم أجد مبررا لاستئذانها فالمكان عام ،ويجلس عليه الجميع ، لكنني في قرارة نفسى شعرت بأنها تريد أن تفرغ بعضا ما في جوفها ،وكذلك لتمضي .الوقت سريعا الذي خصصته لهذه الاستراحة
أخذت نفسا عميقا ثم قالت موجهة الحديث إلي :لو يعلم أولادي بأنني خرجت لما سامحوني...فرددت عليها مجاملة عندهم الحق فالجو قاتل والزحمة لاتكاد تنتهي .فقالت و كأنني فتحت بابا لها على مصراعيه:معهم الحق و لكن ماذا أفعل و أنا أعيش و حيدة في بيتي،يا ابنتي الله لا يوريك شر الوحدة.
أرسلت نظرة غريبة إلى السوق ، نظرة هي مزيج من الحزن و الألم والحسرة و الحب،وكأنها تطالع صفحات مكتوبة بخط لا يكاد يبين.تنهدت عميقا و قالت: أغلى شيء في حياة الإنسان هي الصحة.أدعو الله أن يديم عليك صحتك. . وقعت علي كلماتها و قعا غريبا ،تخللتني و هزتني و جعلتني أنسل عنها لأتراجع إلى ذاتي ، لتهجرني ملامحي و تسكنني ملامحها، لتغادرني عافيتي،و يستقر في ألمها، طفقت أتحسس قدمي الموجعتين، بينما تتخلل أصابعي الملف الصحي الذي يلخص سيرة الوجع. . .لم تتوقف السيدة عن سرد شكواها بينما يتقاطر من جبهتها العرق المعجون بالألم. لحظات غريبة تماهى فيها ألمي مع ألمها واختلط وجعي مع وجعها،و تتداخل أنيني مع أنينها.: يا بنتي أنا كنت أجوب هذا السوق أكثر من مرة في اليوم. لدي ثلاثة أبناء ولد وبنتين توفي زوجي بعد أن كبروا تزوجوا وأخذتهم الحياة فكما تعرفين الحياة لدينا صعبة وخصوصا أن لديهم أبناء نكست رأسها ثم قالت الله يعينهم علي حالهم ..أصبت بمرض القلب وحاول أبنائي قدر المستطاع أن يوفروا لي ماأريد ، ولكن لابد أن أقضي بعض الأشياء فلا ألومهم علي حياتهم خرجت في إحدى الأيام فإذا بسائق يدهسني ويدفعني وسط شريط الترام ، أستجدي من ينقذني أرجلي تتخبط , ولا أحد يتقدم لانتشالي...صرخت بأعلي ما املك سمعتني نسوة مارات فحمللني إلى سيارة أجرة وغادرن.
أوصلني سائق السيارة وهو خائف من اتهامه بأنه السبب في دهسي. فقلت له و أنا أغالب وجعي لاتخف ،ولكن أوصلني الي اقرب مستشفي ....أجرجر ألامي ولكن وحيدة فلا احد معي أبنائي في عملهم وأرقام هواتفهم نسيتها في البيت ،وتطلب حالتي إجراء عملية جراحية بدأت أصارع المرض في أصعب مراحلها خمس ساعات مرت وأنا أتجرع الألم و الانتظار ،و أخيرا بدأت أتلمس من ذاكرتي رقم إحدى بناتي اتصلوا بها فتركت عملها وجاءتني تركض لقد شعرت بأمان الدنيا وهي تحتضنني وتبكي .
يا أبنتي مرارة العمر قاسية قسوة الزمن المر الوحدة شيء مقيت ...بغاتتني دموعي ، وأنا انظر إلى تلك السيدة المسنة وهي تسرد معاشها وحيدة .
صمتت قليلا ثم قالت وها أنا الحاجة تجعلني اخرج من جديد ، رغم تحذيرات أبنائي من الخروج بعد أن عانيت من آثار ذلك الحادث طوال العام .
وقفت مستأذنة لتغادر وكأنها ألقت ببعض من حملها باغتني زوجي وابني بعد ان وصلا فارتميت في أحضانهما وأنا اشعر بأمان لا مثيل له وظلت صورة تلك السيدة تزاحمني حياتي.