المدونات في :

أرسل الإدراج التالي


اســمك مطلوب
بريدك الإلكتروني مطلوب
بريد صديقك الإلكتروني مطلوب
الرسالة 300 حرف كحد أعلى

محتويات الإدراج الذي تريد إرساله:
الطرق إلى الله بعدد أنفاس الخلائق

أن النظر في الكون من الذرة إلى المجرة كلها تقود الإنسان إلى الله تعالى, فإذا نظرنا إلى الكون بنظرة واسعة و أخذنا مع تلك المعرفة معرفة أخرى لوصلنا في ظل ذلك، إلى عالم أفسح ملي بالقدرة و العلم و الكمال و الجمال. و على ذلك فكل المظاهر الطبيعية مع ما فيها من الجمال و الروعة و مع ما فيها من النُظم و السُنن آيات وجود بارئها و مكونها و منشئها، و عند ذلك يتجلى معنى هذا القول من أنَّ الطرق إلى معرفة الله بعدد الظواهر الطبيعية بدءاً بالذرة و انتهاء إلى المجرة. و لأجل ذلك نرى أنَّ رجال الوحي و دعاة التوحيد يركّزون في معرفته سبحانه على الدعوة إلى النظر في جمال الطبيعة و روعتها فإِنها أَصدق شاهد على أَنَّ لها صانعاً و مبدعاً، و هذا مشهود لمن طالع القرآن و تدبّر في آياته. ).

وأقصر هذه الطرق طريقان هما:

الطريق الأول: النظر في الآثار قال الإمام علي عليه السلام حين سئل عن إثبات الصانع فقال : ( البعرة تدل على البعير والروثة تدل على الحمير ، وآثار القدم تدل على المسير ، فهيكل علوي بهذه اللطافة ، ومركز سفلي بهذه الكثافة ، كيف لا يدلان على اللطيف الخبير ؟ ! )[1]. وفي دعاء عرفة للإمام الحسين (ع): (الهي أمرت بالرجوع إلى الآثار فارجعني إليك منها كما دخل إليك منها..).

 وعلى‌ العموم‌، فهذا النوع‌ من‌ معرفة‌ الله‌، الذي‌ هو عبارة‌ عن‌ اقتفاء الأثر للوصول‌ إلی‌ المؤثّر، وبحث‌ سرّ الخلق‌ للوصول‌ إلی‌ الخالق‌ هي‌ معرفة‌ إجمالية‌ وليست‌ مفصّلة‌. معرفة‌ عن‌ بعد ومن‌ وراء حجاب‌، وليست‌ عن‌ قرب‌ وبدون‌ حجاب‌، وهي‌ معرفة‌ الضعفاء والعاجزين‌ لا معرفة‌ الرجال‌ قويّي‌ الإرادة‌ وعالي الهمة‌.

 هذه‌ المعرفة‌، معرفة‌ البعرة‌ التي‌ تدلّ علی‌ البعير، والروثة‌ تدلّ علی‌ الحمير. أين‌ هذا من‌ المعرفة‌ بعد مجاهدة‌ طويلة‌ وعذاب‌ مرير طوال‌ عمر مديد؟

 وكذلك‌ روي‌ عن‌ (جامع‌ الاخبار):  (سُئِلَ أَمِيرُ المُوْمِنِينَ صَلَوَاتُ اللَهِ عَلَيْهِ: مَا الدَّلِيلُ علی‌ إثْبَاتِ الصَّانِعِ؟!  قَالَ: ثَلاَثَةُ أَشْيَاءَ: تَحْوِيلُ الحَالِ، وَضَعْفُ الاَرْكَانِ، وَنَقْضُ الهِمَّةِ).

 وفي‌ (التوحيد) للصدوق‌ ...عن‌ هشام‌ بن‌ سالم‌ قال‌: (سُئِلَ أَبُو عَبْدِ اللَهِ عَلَيْهِ السَّلاَمُ فَقِيلَ لَهُ: بِمَ عَرَفْتَ رَبَّكَ؟!  قَالَ: بِفَسْخِ العَزْمِ وَنَقْضِ الهَمِّ؛ عَزَمْتُ فَفَسَخَ عَزْمِي‌ وَهَمَمْتُ فَنَقَضَ هَمِّي). ‌ 

 ومثل‌ هذه‌ المعرفة‌، وهي‌ التي‌ يطلق‌ عليها في‌ المنطق‌ البرهان‌ (الإنّي‌ّ)؛ معرفة‌ من‌ المعلول‌ إلی‌ العلّة‌، من‌ المخلوق‌ إلی‌ الخالق‌، ومن‌ المصنوع‌ إلی‌ الصانع‌.

 سُئِلَتْ عجوز: كيف‌ عرفتِ الله‌؟ أجابت‌: من‌ آلة‌ النسيج‌ هذه‌، فعندما أمسك‌ مقبضها وأدوّره‌ بهذا الدوران‌ ينسج‌ الحبل‌، وحيث‌ أرفعُ يدي‌ وأتوقف‌ عن‌ التدوير تتوقّف‌ ويبقي‌ الصوف‌ والقطن‌ علی‌ حاله‌، عندها لا نسيج‌ ينسج‌، ولا ليف‌ يبرم‌.

 من‌ هنا أيقنت‌ أنّ للأفلاك والنجوم‌ والكواكب‌ السيّارة‌ والشمس‌ والقمر والأرض ونظام‌ الخلق‌ بأجمعه‌ خالقاً مقتدراً، متي‌ شاء عطّل‌ الوجود ورماه‌ في‌ هوّة‌ العدم‌. وإن‌ شاء أمدّه‌ بأسباب‌ الحياة‌ وأدار عجلة‌ استمراره‌.

 ولهذا قيل‌: (وَعَلَيْكُمْ بِدِينِ العَجِائِزِ)  ولكن‌ مهما يكن‌ من‌ أمر، عليك‌ أن‌ لا تنسي‌ بأنّك‌ تملك‌ إرادة‌، فإذا اقتصرت‌ علی‌ دين‌ العجائز كان‌ مصيرك‌ الحزن‌ والندامة‌ في‌ الحياة‌ الدنيا، والحسرة‌ والخذلان‌ في‌ الآخرة‌.

الطريق الثاني: معرفة النفس, قال رسول الله (ص) : (من عرف نفسه فقد عرف ربه) وقال الإمام علي  (ع): (أعرفكم بربه أعرفكم بنفسه), وهذا الطريق هو طريق أهل البيت عليهم السلام, وهو أقصر الطرق وأتمها .

وبدون هذين الطريقين لا تكون هناك معرفة ولا عرفان, ولا يمكن تحصل الكمال بغيرهما, ولا يمكن الاقتصار على واحد منهما. والأول هو ما يسمى بـ(العرفان العلمي أو النظري) والثاني هو (العرفان العملي أو السلوك).

وذلك لأن الإنسان –كما ذكرنا- كائن عجيب مكون من ظاهر وباطن وحقيقة ، وبهذا الاعتبار له ثلاث نشئات وثلاث عوالم: نشأة ظاهرية ملكية ناسوتية دنيوية هي بدنه، ونشأة باطنية غيبية ملكوتية تكون من عالم آخر،ونشأة واقعية ملكية ملكوتية وهي قيوميته بمقام الواحدية المثلية (عبدي أطعني تكن مثلي...) .

عندما يلجأ إلى الفكر والبرهان في طلب الحق سبحانه وسيره إلى الله, يكون سيره عقلياً وعلمياً, ولا يكون من نوع سير أهل السلوك وأرباب العرفان, لأنه قد سقط في الحجاب الأكبر والأعظم, من دون فرق بين أن ينظر إلى الأشياء من ماهياتها, والتي تعتبر الحجب الظلمانية, ويبحث عن الحق المتعالي من خلالها أو ينظر إلى الأشياء من خلال وجوداتها التي تكون حجباً نورانية .

إن الشرط الأول في السير إلى الله, هو الخروج من البيت المظلم للنفس والذات والأنانية. فكما أن الإنسان في السفر الخارجي العيني المحسوس, لا يكون مسافراً ما دام هو في مكانه وبيته رغم تخيّله السفر وتحدثه عن كونه مسافراً, بل لا بد من ترك المكان ومغادرة البيت حتى يقال أنه مسافر, وكما أن السفر الشرعي لا يتحقق إلا بعد مغادرة البلد واختفاء آثاره, فكذلك لا يتحقق هذا السفر العرفاني إلى الله, والهجرة الشهودية إلا بعد التخلي عن البيت المظلم للنفس واختفاء آثارها ومعالمها, لأنه ما دامت آثار التعينات مشهودة وأصوات الكثرات مسموعة, لا يكون الإنسان مسافراً, بل انه تخيل السفر وادّعى السير والسلوك قال الله تعالى: {ومن يخرج من بيته مهاجراً إلى الله ورسوله ثم يدركه الموت فقد وقع أجره على الله} سورة النساء /100.

فبعد أن يغادر السالك إلى الله بخطوات ترويض النفس والتقوى الكاملة, بيت النفس, ولم يصطحب معه في هذا الخروج العلقة الدنيوية والتعيّنات, ويتحقق له السفر إلى الله سبحانه, يتجلى له الحق المتعالي قبل كل شيء على قلبه المقدس بالألوهية ومقام ظهور الأسماء والصفات, ويكون هذا التجلي أيضاً مرتباً ومنظماً, حيث ينطلق من الأسماء المحاطة مروراً بالأسماء المحيطة حسب شدّة السير وضعفه وحسب قوة قلب السالك وضعفه على التفصيل الذي لا يستوعبه هذا الكتاب, حتى ينتهي إلى رفض كل تعينات عالم الوجود سواء كانت تعينات تعود إلى نفسه أو تعينات راجعة إلى غيره والتي تعتبر ـ أي هذه التعينات الغيرية ـ في المنازل والمراحل التالية من التعينات العائدة إلى نفسه أيضاً وبعد الفرض المطلق يتم التجلي بالألوهية, ومقام الله الذي هو مقام أحدية جمع ظهور الأسماء, وتظهر " اعرفوا الله بالله" في مرتبتها الأولية النازلة.

ولدى وصول العارف إلى هذا المقام والمنزلة, يفنى في هذا التجلي, فإذا وسعته العناية الأزلية, لحصل للعارف الفاني في هذا التجلّي, إستيناساً, ولزالت عنه وحشة الطريق ونَصَب السفر, واستفاق, فلم يقتنع بهذا المقام, ويستمر بخطوات ملؤها الشوق والعشق, ويكون الحق المتعالي في سفر العشق هذا مبدأ السفر والباعث على السفر ونهاية السفر, وتتمّ خطواته في أنوار التجلّي, فيسمع هاتفاً يقول له " تقدّم" ويستمر في التقدم إلى أن تتجلّى في قلبه بصورة مرتبة ومنظمة, الأسماء والصفات في مقام الواحديّة, حتى يبلغ مقام الأحدية. ومقام الأحدية الاسم الأعظم الذي هو اسم الله, فيتحقق في هذا المقام " إعرفوا الله بالله" في مرتبة عالية, ويوجد أيضاً بعد هذا المقام, مقام آخر لا مجال لذكره فعلاً.

و اعلم أن العارف السالك إذا وصل إلى هذه المقامات و صفى نفسه عن رذائل الصفات و حليها بفضائل الأخلاق و استغرق وقته بذكر الله تعالى حصل له مرتبة العروج إلى الأفلاك و الارتباط مع روحانيات الملأ الأعلى و ملائكة الملكوت و سكان عالم القدس و يشرق قلبه بالأنوار الإلهية و الابتهاجات العقلانية و يشاهد ذاته و صفاته و أفعاله فانية في تجليات أنوار اللاهوت و يبقى بعد الضياء في الله باقيا بالبقاء بالله و يرى بعين العيان و نور البصيرة وجه الحق بالحق.

و بالجملة: يحصل له بسبب ارتباطه بذلك العالم و توجهه إلى مبدأ الحق و بسبب تصفية مرآة قلبه الذي هو مرآة حقائق الأشياء و مجلاة لصورها مناسبة للعالم المعنوي بحيث ‏يتمثل في سره صور جميع الأشياء من الماديات و المجردات و إن لم  يكن لتلك المجردات بحيث ذواتها وجود حسي و لا صورة حسية لكنها يظهر و ينكشف بروحها متشكلة بأشكال المحسوسات متمثلا بمثل الماديات و يصير متجلية عليه بالصور المناسبة لمقام ذلك العارف و حاله.

فمن لم يدرك أمثال ذلك و لم يصل إلى حقيقته, فلا يبادرن إلى إنكاره, فانه واقع في حيز الإمكان (كل ما قرع سمعك فذره في ساحة الإمكان حتى يذودك عنه ساطع البرهان) 1 كما ورد في الأخبار المعتبرة أن جبرائيل (ع) ظهر بصورة دحية الكلبي و ساير الصور الحسية على خير البشر (ص), و ورد في الأخبار المتفرقة أن بعض الملائكة ظهر بصورة شخص على بعض الكمل من الأولياء، بل على بعض الزهاد و العباد. و إذا وصل العارف إلى هذا المقام تتجلى عليه من مبدئه و موجده تجليات ذاتية و صفاتية و أفعالية و آثارية مناسبة لحاله و مقامه, و الغالب أن يكون التجلي الآثاري أثرا متلبسا بملابس الأكوان و عالم الشهادة, فيتمثل بمثل عالم الحس من الصور الحسية و الجسمانية، و أكثره أن يكون بصورة إنسان كامل. و يسمى هذا التجلي باصطلاح القوم بالتجلي الصوري, وأكثر التجليات الصفاتية تكون بالتجلي بالصفات الكمالية، مثل العلم و القدرة و الارادة وأمثالها, و أما في التجلي الذاتي فيتجلي من حضرة القدس ذات من الذوات النورية او آية من الآيات البهية مصورة بالصور الحسية و لا سيما الصور المالوفة; فيصير العارف فيه فانيا مطلقا بحيث لايبقى له علم و شعور بذاته و لا بصفاته و لا بشي‏ء آخر اصلا، كما قال سبحانه «لن تراني و لكن انظر إلى الجبل فان استقر مكانه فسوف تراني‏» (83) .

و هذه التجليات تختلف بحسب قوتها و ضعفها و صفاتها و كدورتها و زيادتها و نقصانها و أوقاتها و حالاتها المختلفة بأحوال السالكين, فهذه التجليات للأنبياء و أوصيائهم عليهم السلام تكون  أعلى و أتم و أقوى و أكمل منها بالنسبة إلى غيرهم و تختلف أيضا بحسب مراتبهم العالية ولكنهم عليهم السلام قد يحتاجون في التجليات الغير الذاتية إلى توسط تلك و إن كان ذواتهم الشريفة و أرواحهم النورية أشرف من ذلك الملك.

و لهذا المقام تفصيل محرر في موضعه, و بيانه على الإجمال: أن الأنبياء عليهم السلام لما وصلوا إلى مقام جمع الجمع و شاهدوا الكثرة في عين الوحدة و بالعكس و حصلت لهم ملكة العروج و النزول و الصعود و الهبوط على أكمل وجه بحسب مراتبهم العلية و درجاتهم السنية صاروا مستعدين لمنصب النبوة و الولاية و إرشاد الخلائق و هدايتهم.

ثم لما كان لهم كمال الارتباط و الاتصال بالعالم الإلهي العلوي فهم متنزهون عن الارتباط بالعالم السفلي و الاتصال بكثرات العالم الدنيوي, إذ قوة تجردهم بلغت‏ حدا رفع المناسبة بينهم و بين موجودات العالم الجسماني, فلا مناسبة بوجه بينهما كما لا مناسبة أصلا بين هذه الكثرات و بين موجدها الحق, فلم‏ يمكن الإفاضة و الاستفاضة و الإرشاد و الاسترشاد لاشتراط المناسبة في الجملة بين المفيض و المستفيض, فلا جرم اقتضت العناية الإلهية و الرافة الربانية أن ينزلهم من مراتبهم العلية و مدارجهم السنية إلى العالم السفلي لإرشاد عباده و تنوير بلاده. فان إيجاد الكائنات إنما هو بمحض الفيض و الجود, فلا يليق بالفياض الجواد أن يبخل عباده الضالين في بيداء الجهالة و الهلاكة و كان من المحال ان تحصل المناسبة بين الواجب سبحانه و هذه الكثرات و ان يحصل لكل عبد بالنسبة الى خالقه الحقيقي قرب يوجب المناسبة بينهما بحيث ‏يصير هذا العبد مستعدا لاستفاضة من الله تعالى بلا واسطة، بل الممكن حصول هذا  القرب و هذه المناسبة بينه تعالى و بين بعض الكمل من عباده (عبدي أطعني تكن مثلي...).

و بيان ذلك: ان قربه سبحانه بالنسبة الى جميع عباده، بل كل مخلوقاته و ان كان على السواء, لان قربه تعالى بالنسبة اليهم انما هو من حيث العلية و الاحاطة و الوجود و الشهود الا ان قربهم اليه ليس على السواء; اذ قربهم اليه من حيث المعلولية و المخلوقية و الارتباط و الاستعداد و السلوك و حصول التجرد و التصفية و الكل و ان كانوا في القرب المترتب على المعلولية و المخلوقية و الارتباط على السواء الا انهم مختلفون في القرب بحسب السلوك العرفاني.

فظهر ان قرب الحق الى عباده مغائر لقربهم اليه و بينهما بون بعيد; كيف و هو اقرب اليهم من حبل الوريد  و هم من حيث ذواتهم و انفسهم في غاية البعد من حضرته؟ ! كيف و القرب الذي من طرق الحق سبحانه اليهم على وتيرة واحدة ازلا و ابدا لايزيد و لاينقص و لايتغير، بل هو ثابت واقع من الازل الى الابد و ليس مختصا بزمان و لا مكان و الكل فيه على السواء و ليس لاحد فيه مزية على الآخر؟ !

و اما القرب الذي من طرق العباد فلايحصل الا بعد استعدادهم و سلوكهم و مجاهدتهم و سعيهم في تحصيل العلم و العمل، و تصقيل نفسهم عن الكدورات و الرذائل بمصاقيل الشريعة، و تطهيرها عن اقذار عالم الطبيعة و تصفيتها عن الهواجس النفسانية بالمجاهدات الشرعية، و تجريدها عن العلائق البشرية الحسية، و تخليصها عن العوائق البدنية الجسمية، و اتصافهم بصفات الحق و التخلق باخلاقه، و توجههم بشراشرهم الى قدس الجبروت، و انقطاعهم بالكلية الى صقع الملكوت، و الاعراض عن اللذات الجسمانية و المشتهيات النفسانية، و التعود بصدق الاقوال و حسن الافعال، و تزكية النفس عن رذائل الاخلاق و نقائص الاعمال، و التجلي بشرائف الصفات و فضائل الملكات، و الاجتناب عن الافراط و التفريط في القول و العمل، و التزين بزينة الكرام الكمل، و الاشتغال بالطاعات الشرعية و الوظائف الدينية، و المواظبة على العبادات، و الاجتهاد في تحصيل السعادات، و المداومة على الصمت و قلة الكلام، و تقليل الاكل و الشرب و المنام، و صرف الاوقات في الذكر و الفكر و الانس بالله تعالى الى غير ذلك من اسباب لاتحصى; فان من وفقه الله لتحصيل هذه الشرائط يحصل من طرفه القرب الى ربه تعالى و تحصل له المناسبة بينه و بين الحق, و اذا قطع مثله جميع المقامات و المراتب و حصل له الاتصال التام بالعالم العلوي و ان ارتفع المناسبة بينه و بين الكثرات الا انه تمكن حصولها بعد انزاله عن مرتبة العلية بخلاف حصولها بين الله تعالى و بين الكثرات, فانه غير ممكن.

فالانبياء عليهم السلام بعد طيهم جميع المقامات و ارتباطهم بعالم القدس و اتصالهم بالعلويات و الملكوت الاعلى انزلهم الله سبحانه تفضلا منه على عباده من معارج القدس الى مهابط الاكوان, فصاروا متوسطين بين اوج الوجوب و حضيض الامكان حتى يتمكنوا من الاخذ من العالم العلوي و الايصال الى سكان العالم السفلي باصعادهم من حضيض عالم الناسوت الى اوج قدس صقع الجبروت و ردعهم عن مشاركة سكان عالم الزور و ايصالهم الى مرافقة قطان دار السرور بحسب استعداد كل شخص و قابلية كل عبد لزمرة الرسل كلتا الملكتين و الجنبتين - اعني ملكتي الصعود و الهبوط و جنبتى العروج و النزول - لكنهم لما صاروا بامر {اهبطوا} 1  و بحكم الحق - جل شانه - مشتغلين بمصالح العباد و متوغلين في اصلاح البلاد و مرتبطين بالعالم السفلى; فاذا حصل لهم التوجه الى العالم العلوي مع ذلك التقيد و الارتباط و التوغل و الايصال احتاجوا في التجليات غير الذاتية الى توسط ملك ليس له كلتا الجبنتين و الملكتين، بل له ملكة الصعود و العروج فقط و لذلك يكون النبي محتاجا في صعوده و عروجه الى ذلك الملك مع كونه افضل و اشرف منه بمراتب شتى و كذا اذا حصل لهم التوجه التام الى العالم العلوي يحتاجون في هبوطهم و نزولهم الى جذب جاذب من السفليات و قول النبى صلى الله عليه و آله وسلم لبعض ازواجه: «كلميني‏» او «اشغلني‏» كان لهذا.

و بالجملة: لما كان للانبياء عليهم السلام ملكة الاتصال بكل من العالمين, فاذا حصل لهم اتصال باحدهما لايمكنهم الصعود و الهبوط منه الا باعانة واحد من اهل العالم الآخر من ملك روحاني يذكر رؤيته العالم العلوي و يشوقه اليه و يزيل ميله الى العالم الدنيا الحسي او شخص جسماني يوجب تكلمه او رؤيته السقوط عن الروحانيات و الركون الى الجسمانيات.

تنبيه:

اعلم أيدك الله بنوره أن قول الإمام علي (ع): ( تحسب نفسك جرم صغير وفيك انطوى العالم الأكبر وأنت أنت الكتاب المبين بأحرفه يظهر المضمر) يشير إلى الإنسان الكامل الذي هو محتوى جميع العوالم العلوية والسفلية ومن فيهن, وما أشرنا إليه من التجليات الملائكية والصورية وغيرها ما هي إلاّ ملكات ذلك الإنسان منه صدورها وإليه وردوها وبه وجودها..فانظر تعرف!!.

إن الأفعال مع كونها بأسرها مستهلكة في جنب فعله تعالى صادرة عن محالها, فالفعل ثابت للعبد لمباشرته إياه و صدوره منه و قيامه به, فلا جبر. و مسلوب عنه من حيث هو هو و من حيث وجوده في نفسه, اذ لو قطع النظر عن ارتباطه بوجود الحق لكان معدوما و كذا فعله, إذ كل فعل متقوم بوجود فاعله, و على هذا فلا تفويض أيضا. و إلى هذا يشير قوله سبحانه: {و ما رميت اذ رميت ولكن الله رمى} 1 حيث اسند الفعل إلى العبد و مع ذلك نفاه عنه و اسنده الى الله, فان هذا إنما يصح إذا كان الفعل بالاعتبار الظاهري و في بادئ النظر صادرا عن العبد و بالاعتبار الواقعي و في دقيق النظر صادرا عنه سبحانه {وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ} 2 .

 



[1] البحار ج 3 ص 55 رواية 27 .

1  كتاب (الشفاء) ..لابن سينا.

1  البقرة: 36 و 38...الأعراف: 24.

1  الأنفال: 17.

2   الصافات: 96.




"لا يتحمّل مكتوب أيّة مسؤوليّة عن المواد الّتي يتم عرضها و/أو نشرها في مدوّنات مكتوب. ويتحمل المستخدمون بالتالي كامل
المسؤولية عن كتاباتهم وإدرجاتهم التي تخالف القوانين أو تنتهك حقوق الملكيّة أو حقوق الآخرين أو أي طرف آخر."