محتويات الإدراج الذي تريد إرساله:
حقيقة الجهاد (الفهم العرفاني)
الجهاد المعنوي
س 1: كل فرد يفهم عن (الجهاد) فما هي الفكرة الواقعية منه؟
ج : تحتوي فكرة الجهاد على (محاولة دفع الصعوبة بصعوبة ضدها).
س2 : إذا كانت فكرة معينة ذات طرفين أحداهما لا صعوبة فيها, فهل تكون مطابقة لفكرة الجهاد؟
ج : إذا لفم تكن صعوبة في أحد طرفين أو كلاهما لم يكن جهاداً, كما لو كان دفع الشر سهلاً أو كان الشر المدفوع بسيطاً؟
س3 : ما المقياس في كون أحد الطرفين صعباً أو بسيطاً؟
ج : المفروض أن يكون الشر المدفوع أو الذي يراد دفعه أو أسلوب الدفع أن يراه الفرد شراً أو أن يراه صعباً, سواء كان مصيباً في وجهة نظره أم مخطئاً. فإذا لم يكن شراً لم يكن عمله ضده جهاداً. كما لو لم يكن يراه صعباً. كما لو كان صابراً عليه أو متماهلاً في دفعه, لم يكن جهاداً.
س4 : إذن ما النظرة الحقة في كونه جهاداً حقاً؟
ج: إعلم, أن المهم هو محاولة دفع الصعوبة بصعوبة, مع حسبان الصعوبة المقابلة شراً, وإن كان الفرد مخطئاً في نظره.
س5 : أورد ما يؤيد هذا؟
ج :من ضمن ما ورد {اللهم إلعن العصابة التي جاهدت الحسين وشايعت وبايعت على قتله} لأن وجود الحسين ع كان صعباً على أعدائه, وربما حسبوه شراً عليهم, لأنه يحاول فضحهم وإزالة ملكهم.
س6 : على هذا نفهم أن أية فكرة يحسبها الفرد شراً ويحتاج دفعها إلى صعوبة فهو جهاد بغض النظر عن كونها حقاً أو باطلاً؟
ج : ليس الأمر كذلك بل أن المهم في الجهاد هو أن يكون الطرف الآخر شراً وباطلاً حقيقةً (أي من وجهة نظر الدينية والإلهية) ومن هنا يمكن تعريفه بإنه (محاولة دفع الشر الصعب بصعوبة).
س7 : هل يعتبر النجاح في محاولة الدفع حتى يصح أن يكون جهاداً؟
ج : لم يؤخذ في هذه المحاولة أن تنجح وإن كان هو الغالب, بل يعتبر الفرد مجاهداً وأن فشل, كما لم يؤخذ في الشر المدفوع أو المكروه نوع يصف من الشر. ومن هنا أمكن تقسيمه إلى أقسام عديدة, يعتبر السعي لدفعها بأي أنواعها جهاداً مطلوباً في الشريعة والعرف, وهذه الأقسام هي:
أولاً: الكفار, لأجل إدخالهم في الإسلام أو تحت سيطرة الإسلام.
ثانياً: الكفار, لأجل دفع شرهم عند الهجوم على المجتمع المسلم, والخوف على بيضة الإسلام وكما يُعبرون.
ثالثاً: المسلمون المحاربون للحق, وهم البغاة المذكورون في قوله تعالى:{فقاتلوا التي تبغي حتى تفيء إلى أمر الله}.
رابعاً: الفقر, ودفعه لأجل التوسعة على العيال جهاد.
خامساً: الشيطان, فإن محاولة دفع كيده ووسوسته جهاد.
سادساً: النفس الأمارة بالسوء, فإن محاولة كبحها وقمعها وكبت سيطرتها جهاد, بل هو أعظم الجهاد. وفي الرواية أنه{الجهاد الأكبر} وإن الشجاع من قدر على كبح نفسه.
سابعاً: حاجة المحتاجين في المجتمع, فإن السعي لقضائها وإنجابها جهاد, على أن لا يختص بواحد بل يكون الفرد متصدياً للمجتمع ككل فيكون مجاهداً.
ثامناً: الجهاد لدفع مظالم المظلومين أينما كانوا ومهما كانت ظلامتهم, وبأي أسلوب مشروع تحت محاولة دفعة.
تاسعاً: الجهاد للدفاع النظري عن الدين وصد شبهات الكفار والملحدين وتنوير من كان متصفاً منهم وهدايتهم إلى الصراط المستقيم.
عاشراً:الجهاد في تحمل المصاعب بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكرفي داخل المجتمع المسلم وتركيز طاعة الله سبحانه وتقليل العصيان فيه.
وقد نستطيع أن نجد موارد أخرى للجهاد, لا حاجة الآن إلى إستقصائها.
س8 : هل ورد في القرآن الكريم معنى الجهاد وفق المعاني المارة الذكر؟
ج : نعم, فالجهاد ضد الحق مشارٌ إليه في قوله تعالى:{وإن جاهداك على أن تشرك بي ماليس لك به علم فلا تطعهما}.
وجهاد النفس الأمارة بالسوء مشارٌ إليه في عدد من الآيات كقوله تعالى :{والذين جاهدوا فينا لنهدينهم سُبلنا}وقوله:{ومن ةجاهد فإنما يُجاهد لنفسه إن الله لغني عن العالمين}. وجهاد الكفار لأجل إضالهم في سيطرة الإسلام في قوله تعالى:{يا أيها النبي جاهد الكفار والمنافقين وأغلض عليهم}.
وجهادهم النظري لأجل دفع مكرهم وشباهاتهم في قوله تعالى:{فلا تطع الكافرين وجاهدهم به جهاداً كبيراً}. والضمير في (به) يعود إلى القرآن الكريم. وفيه من العلوم الكافية لغنى البشرية ودفع كل شُبهة.
وجهاد الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ونحوه مُشارٌ إليه في قوله تعالى:{يا أيها الذين آمنوا من يرتد منكم عن دينه فسوف يأتي الله بقوم يحبهم ويحبونه أذلة على المؤمنين أعزة على الكافرين يجاهدون في سبيل الله ولا يخافون لومة لائم وذلك فضل الله يؤتيه من يشاء والله واسع عليم}. وقد ذكرنا في كتاب (الزكاة المعنوية: أن سبيل الله هو سبيل الخير).
فاما جهادالبغاة فقد أشرنا إلى ذكره في القرآن الكريم. وجهاد الشيطان ومُدافعته وضرورة عصيانه مذكورٌ في كثير من آيات القرآن الكريم, منها قوله تعالى:{ياأبتِ لا تعبد الشيطان إن الشيطان كان للرحمن عصياً, ياأبتِ إني أخافُ أن يمسك عذابٌ من الرحمن فتكون للشيطان ولياً}. وقوله تعالى:{يا أيها الذين آمنوا لا تتبعوا خطوات الشيطان, ومن يتبع خطوات الشيطان فإنه يأمر بالفحشاء والمنكر. ولولا فضل الله عليكم ورحمته مازكى منكم من أحد أبداً}.
وقوله تعالى:{إستحوذ عليهم الشيطان فانساهم ذكر الله أولائك حزب الشيطان ألا أن حزب الشيطان هم الخاسرون. إن الذين يحادون الله ورسوله أولائك في الأذلين كتب الله لإغلبن أن ورسلي أن الله قوي عزيز}.
وأما الجهاد له حاجة المحتاجين, سواء في عائلة الفرد أو المجتمع. فيشمله قوله تعالى:{لا يستوي القاعدون من المؤمنين غير أولي الضرر والمجاهدون في سبيل الله بأموالهم وأنفسهم فضل الله المجاهين بأموالهم وأنفسهم على القاعدين درجة. وكلاً وعد الله الحسنى وفضل المجاهدين على القاعدين أجراً عظيماً}.
بعد الإلتفات إلى أن الجهاد بالأموال قد يكون متضمناً إلى الجهاد بالنفوس وقد يكون منعزلاً عنه. كما أن فكرة الجهاد بالأموال تشمل الجهاد في بذله. والجهاد في تحصيله لدى الضرورة إليه.وأما الجهاد في سبيل الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر, فموجود في كثير من آي القرآن الكريم منها قوله تعالى:{ولتكن منكم أمة يدعون إلى الخير ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر أولائك هم المفلحون}. وقوله تعالى:{ ليسوا سواء من أهل الكتاب أمة قائمة يتلون آيات الله أناء الليل وهم يسجدون. يؤمنون بالله واليوم الآخر ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر ويسارعون في الخيرات أولائك من الصالحين}.
وقوله تعالى:{ كنتم خير أمة أُخرجت للناس تأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر وتأمنون بالله. ولو آمن أهل الكتاب لكان خيراً لهم منهم المؤمنون وأكثرهم الفاسقون. لن يضروكمن إلا أذاً وأن يقاتلوكم بولوكم الأدبار ثم لا ينصرون}.
الأمر الذي يكشف أن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر قد يصل إلى درجة القتال الفعلي والجهاد المقدس. واما الجهاد النظري للدفاع عن الدين وصد شبهات الكفار والملحدين, فهذا هو من الأمر بالمعروف وتشمله نفس الآيات السابقة. مضافاً إلى قوله تعالى:{ فلولا كل نفر من كل فرقة منهم طائفة ليتفقهوا في الدين ولينذروا قومهم وإذا رجعوا إليهم لعلهم يحذرون}.
س9 : ما يهمنا حقيقة من موارد الجهاد والذي نحسبه الأهم بالنسبة لباقي الموارد التي تكون كلها معتمدة عليه ومتأصلة منه هو جهاد النفس. فهل لنا أن نعرف شيئاً منه؟
ج : روي بمضمون أنه: حين رجع أصحاب الرسول صلى الله عليه وآله وسلم من إحدى غزواته المهمة كبدر أو أحد قال لهم (ص): رجعتم من الجهاد الأصغر وبقي عليكم الجهاد الأكبر, قيل:وما الجهاد الأكبر يارسول الله؟ قال: (جهاد النفس).
ومن هنا أصطلح المتشرعة على جهاد الأعداء بـ(الجهاد الأصغر) وعلى جها النفس بـ(الجهاد الأكبر). ولا شك أن هولاء الأصحاب قد أندهشوا من كلام النبي(ص) بعد مجاهدتم الأعداء وتحملهم ألآم الرماح والسيوف وإنتصارهم على المئات والألوف,ومع ذلك فإنه (ص) يسمي ذلك الجهاد بالجهاد الأصغر. ويكون شيء آخر أكبر منه وأهم هو الجهاد الأكبر. فماذا هو الأهم من الحرب الطاحنة واللآلآم المدمرة؟ ومن هنا قالوا له بدهشة وذهول (وماهو الجهاد الأكبر يارسول الله).
س10 : مالذي يجعل جهاد النفس أهم من الحرب أو الجهاد الأصغر؟
ج : ذلك من حيث أن جهاد النفس يختلف عن جهاد الغير بعدة نقاط منها:
1- إن العدو قد يموت بضربة أو ضربتين,فحين أن النفس لا تموت بعشرات الضربات.
2- إن العدو يمكن أن تفارقه, فلا تراه ولا يراك. في حين لا تستطيع أن تفارق نفسك طرفة عين.
3- إن العدو قد تكون ضربته عليك خفيفة أو يمكن تجنبها والإبتعاد عنها. وهذا غير ممكن بالنسبة إلى النفس.
4- إن العدو ذو وجهة نظر معينة ورأي واحد أو عدو محدود من الأراء أو الإقتراحات, في حين أن النفس تتدخل في كل شيء وتعطي رأيها في القليل والكثير.
5- إن العدو قليل المعرفة بقدرتك أو لا يدرك مخططاتك. في حين أن النفس تدرك كل ذلك بل يمكن أن تكون هي من وضعت بعض ذلك.
6- إنك تحس إن العدو هو غيرك وإنه منافسك أو يريد بك الضرر. في حين لا تحس نفس الشيء لنفسك. بل هي أنت, فأآراء نفسك هي آرائك. ولا يمكن أن تكون مضرة لأن الفرد لا يريد الضرر لنفسه.
7- إن العدو قد أتخذ رأيه بروية وتفكير وتعقل, في حين إن النفس تصر على بعض الأمور لمجرد الهوى والشهوة. ومن هنا قيل:(إن الشهوات لا عقل لها) بل تريد إشباع نفسها بكل صورة ومن هنا تصدق الحكمة القائلة:( عدو عاقل خير من صديق جاهل).
8- إن العدو يمكن أحياناً أو في كثير من الأحيان المكر به والخديعة له. في حين لا يمكن ذلك للنفس, لأن الإنسان لا يمكر لنفسه وإذا حصل منه ذلك فإن نفسه تفهمها, لإنها حاضرة لديه.
9- إنك تشعر أنك تشمئز من عدوك ولا تحبه. في حين تحب نفسك وتشفق عليها وندأب في توفير متطلباتها.
10- إن الفرد يمكنه التقصي عن آراء الآخرين والخلاص منها بعصيانها أو الإبتعاد عنها أو الهرب منها. في حين لا يتوفر ذلك بالنسبة إلى النفس.
11- إنك ترى إن آراء عدوك أياً كانت فهي باطلة ومزعجة. ولا أقل إنك ترى آراء الآخرين قابلة للنقد والمناقشة. في حين لا ترى في آراء نفسك أية مناقشة أو إزعاج. لإنها أرائك أو أنت مقتنع بها وواثق بصحتها وراكن إليها.
س11 : ما الأدراك المتحصل من هذه المزايا؟
ج : هذه الأحد عشر مزية من مزايا النفس عن الآخرين من أعداء وأصدقاء ندرك أنه لم يكن جهاد النفس مقنعاً للكثيرين ولا يؤمنون به إلا القلة القليلة من البشر.
ومن هنا أيضا ندرك إنه لم يكن جهاد النفس ناجحاً ومنتجاً, أو قل سريع النجاح والإنتاج بل غالباً ما يفشل تماماً أو غالباً. وندرك أيضا كون جهاد النفس صعباً وفضيعاً يكفي أن النبي (ص) في الرواية: أعتبره الأكبر. في حين أعتبر المقارعة بالسيوف هو الأصغر والأهون والأخف.
س12 : إذن يمكن أن يمثل جهاد النفس لمواجهة التنين الخرافي ذو الرؤؤس السبعة المذكور في بعض الكتب؟
ج : لا يبعد ذلك, إذ كلما قطعت منه رأساً تنبت فوراً له في محله سبعة رؤؤس.
ولن يموت ما لم تعرف مقتله, يعني محل ضربته القاتلة التي لا قيام له بعدها. هذا إذا لم تفر منه وتكف عن قتاله أو تضعف عن مبارزته أو تسلم إليه أو يعضك عضة يدعك بها ثقيل الظهر قليل العرض. ولهذا صح القول المسموع (أنجح الناس من جاهد نفسه ) والقول (أعدى اعدائك نفسك التي بين جنبيك).
س13 : كيف أمكن أن يكون عدو الفرد نفسه؟
ج : عداوتها ليست قليلة ولا هينة, لأنها لو أعطى الفرد لها الفرصة وأرضى لها الرسن فإنها توقعه في أضرار الدنيا والآخرة. وأكيداً إن ما من شأنه أن يضرك فهو عدوك. ومن هنا كانت عداوة النفس.
ويكفي في ذلك ما عرضناه من أن الشهوات لا عقل لها. إذن فالنفس لاعقل لها. والنفس غير العقل في باطن الإنسان. إذن فهي تريد متطلباتها مهما ترتب على ذلك من أضرار في الدنيا أو في الآخرة ومن هنا ورد في الدعاء في وصفه أثر النفس لها{تسلك بي سبيل الهالك وتجعلني عندك أهون هالك}.
س14 : إذن ما المفروض على الفرد تجاه تلك الأمور؟
ج : المفروض في الفرد إذ كان فاهماً لخير دنياه وآخرته أن يحكم عقله في نفسه, لا أن يُحكم نفسه في عقله, يعني أن لا يجعل النفس هي السيد والعقل هو العبد, بل العقل هو السيد على النفس.
فبالرغم من أنه من السهل في نظر الفرد أن يكون عقله عبداً لنفسه ومنقذاً لأغراضها ولذاتها ألا أن المفروض في ذلك هو العكس, وهو أن يُحكم عقله في نفسه ويكبح به شهواتها ولذاتها, ويأخذ منها سيادتها على العقل وإن أبت ذلك وتمردت عليه.
وبالأحرى فإن المفروض بالفرد أن يُحكم المصلحة الواقعية لذاته وينجزها, فإن وجد ذلك في إحكام عقله أخذ بها, وإن وجدها في احكام مجتمعة وتصرف طبقاً لها. وإن وجدها في أحكام دينه سار عليها. ومهما يكن من حال فليس لنفسه فيها نصيب.
س15 : ماهو الحد أو الفاصل الذي يميز حكم العقل عن حكم النفس. إن في بعض الأحيان إن لم يكن كلها. لا يستطيع الفرد أن يميز بإن هذا الحكم هو عقلي أو ان هذا الحكم هو حكم نفسي؟
ج : هذا أمر مهم لا يجب أو يجب أن لايهمله الفرد, وهو ظاهرة موجودة في كل الأفراد إلا من عصمه الله. وهو: ان النفس يمكنها أن توهم الفرد أن حكمها هو حكم العقل فيجب الأخذ به: أو أن تأخذ بحكم العقل فعلاً. ولكنه قد يكون حكماً خاطئاً, أو أن تستخدم العقل لأجل تذليل مصاعب شهواتها واهدافها الدينية, كمكن يفكر ويخطط بعقله لأجل أن يسرق أو أن يزني أو أن يشرب الخمر(وهذا من أهم وأخطر المزايا التي تجعل النفس أشدا خطراً من العدو) وفي كل ذلك سيلبس الحكم ثوب كونه عقلياً, ويتخذ بنظر صاحبه قدسية وأهمية, فيتحمس من أجله, في حين أنه قد يكون هاجس نفسه أو شيطانه.
وهذا غير مسألة إلتفات الفرد إلى أن الحكم يجب أن يعطى أو يكذب, إذا لم يثبت أنه من العقل, أو إذا ثبت كونه من النفس. فإن أغلب الأفراد لا يؤمنون بذلك ولا يلتفتون إليه, بل يجدون أغلب طموحاتهم ورغباتهم مشروعة وواجبة, التنفيذ. ويعتبرونها حاجة ضرورية لا بد من السعي لإنجازها.
س16 : كيف يمكن للفرد أن يفصل بين الحكمين؟
ج : إن الفرق بين حكم العقل وحكم النفس لاينبغي أن يخفى. فإن النفس ليس لها أحكام نظرية, وإنما هي الرغبة والشهوة والطمع. وأوضح أمثلته الجوع والعطش والغضب. فكما قد يستهدف الفرد شرب كأس من ماء قد يستهدف الشهرة أو السرقة أو الأستماع إلى أُغنية.
س17 : التخطيط لاإنجاز تلك الأهداف هل هو من أحكلم النفس؟
ج : القول: بأن التخطيط لإنجاز ذلك هو من أحكام النفس غير صحيح. لأنه إنما من أحكام العقل. وهو حكم بذلك بصفته عبداً للنفس ومنفذاً لأغراضها, ولكن نسبته إلى النفس مجازي. لأن لها نحو من التسبيب لها.
س18 : إذن هل ما يقال عادة من أن الحيوان لا عقل له إطلاقاً؟
ج : وهذا غير صحيح أيظاً إطلاقاً, بل له مقدار من العقل مايزجي به حوائج نفسه ويحفظ به حياته. ولو لم يكن له عقل إطلاقاً, لما فهم كيفيته تلافي جوعه وعطشه وشهوته الجنسية. ولما أدرك طعامه وشرابه ومنامه. في حين أننا نرى الحيوانات تتصرف في مثل ذلك بشكل جيد نسبياً, وهذا علامة وجود العقل عندها لامحالة. وإن لم يكن بطبيعة الحال كالعقل البشري من حيث التعقل والتدبر للإمور بالدقة, ولو كانت الشهوة فيه وحدها لقتلته.
س19 : أنواع الجهاد التي عرفناها هل هي كلها مرضية الله تعالى؟
ج : إعلم, إن كل أنواع الجهاد الحق إنما تكون حقاً ومرضية لله سبحانه فيما إذ كانت مصداقاً وتطبيقياً لجهاد النفس, فإن جهادها يورث القناعة بالواقع الشخصي والرضا بالقدر والقضاء.
فإذا حصل ذلك كان الفرد مقتنع بحاله الصعبة التي هو فيها والتي دخلها مرغماً أو محرجاً, كالفقر أو الحرب أو المرض أو اية مصاعب أو بلاياً في الدنيا. فيستطيع أن يقدم قناعته بصحة ذلك أمام الله سبحانه. فيكون على حق من زاوية توافق رضاه مع رضى الله سبحانه حيث إختيار له هذا النوع من البلاء. لا أنه يسخط ويتمرد على شيء يرضاه سبحانه في خلقه. فإذا لم يحصل الرضا والتسليم, كان الفرد في الباطل ولم ينفعه الجهاد والبلاء الذي هو فيه. بل زاده شراً في الدنيا والآخرة. وإن كان (الجهاد في نفسه حقاً).
س20 : هل معنى ذلك أن الجهاد الأصغر إنما يصلح ويرتكز على الجهاد الأكبر؟
ج : هو كذلك, فإن الجهاد الأصغر يعود في معناه إلى الجهاد الأكبر, أو هو جزء منه, ولو لم يكن جزءاً منه لم يغد العبد تواباً إطلاقاً. ومن هنا ورد:{لا فتنة أعلى من السيف}لأن مؤداه التضحية بالنفس كاملة لله سبحانه وتعالى.
ومن المعلوم أن الرضا بذلك والتسليم له من أفضل العبادات, بل هو أفضلها على الإطلاق, سواء حصل فعلاً أم لا. ومن هنا قيل:{الجود بالنفس أقصى غاية الجود}.
س21 : كيف أمكننا القول بأفضلية جهاد النفس على باقي موارد الجهاد؟
ج : لإنه كما يمكن أن يهب الفرد نفسه كاملة لله عز وجل, يمكن أن يهب بعض صفاته أيضاً, كالصحة يتحمل المرض, والغنى بتحمل الفقر, والزواج بتحمل العزوبية, وغير ذلك كثير, كل حسب حاله. على معنى الرضا والتسليم بتلك الحال التي أختارها الله تعالى له.
س22 : ما البلاء الأصعب الذي يمكن أن يتحمله في الدنيا؟
ج : ما يمكن أن يتحمله الفرد من البلاء الصعب في الدنيا, إما أن يكون إضطراري وإما أختياري. وكلاهما ينقسم إلى قسمين, فالأضطراري ينقسم إلى:
أولاً: ما يتسبب من المؤثرات الخارجية القهرية, كالمرض أو الجرح أو الرض نتيجة السقوط مثلاً.
ثانياً: مايتسبب من فعل الآخرين, وهو في الغالب البلاء الأصعب والأهم. فإن (البشر يؤذي بعضهم بعض لا محالة) ما دامت أنفسهم أمارة بالسوء فعلاً. ومن هنا نسمع بعضنا يدعو لبعض (كفاك الله شر بني آدم), فلو أستجاب الله هذا الدعاء زال حوالي تسعين بالمئة من مصاعب الدنيا.
وعلى أي حال, فكلا النوعين من البلاء يجب امام الله أن يواجهه لضروب الرضا والتسليم.
أما الإختياري فينقسم إلى:
أولاً: ما يفيد الآخرين.
ثانياً: مالا يفيد إلا نفس الفرد.
فإفادة الآخرين بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر, وبالحرب والجهاد عند حصول مشروعيتها, وبذل المال في سبيل المصالح الخاصة للآخرين, كالتزويج, أو المصالح العامة لهم, كبناء مستشفى أو مسجد فإذا أدى الفرد مثل هذه التضحيات راضياًُ لله عز وجل كان سعيداً وشهيداً في الدنيا والآخرة.
وإفادة النفس تكون بما يسمى بالرياضات الروحية التي يتكفلها الفرد لنفسه, كالجوع والعطش والسهر, والناس في ذلك مختلفون, فمنهم من يتحمل الرياضات الشديدة, ومنهم من يعجز عن الضعيفة. وكلها تنتج التكامل الروحي والسمو في عالم المعنى. وأحياناً تنتج آثاراً وضعية غريبة وصفات لصاحبها غير معهودة, وكل ذلك يكون بقهر النفس وإرغامها بالمصاعب.
س23 : وكيف يجتمع قهر النفس وإفادة النفس؟
ج : إعلم, بإن النفس تستفيد من خيرها كما قيل:
إقتلوني يا ثقاتي إن في قتلي حياتي
فإن ما يقهر ويكتب إنما هو الدرجات المدنية من النفس, لكي تحصل الفوائد الجمة في درجة عالية منها.
س24 : نحن نعلم بإن الله سبحانه إنما يريد الخير لعبده فهل إذا لم يختر الفرد البلاء أنزله الله عليه إضطراراً ليفيده؟
ج : هذه إلتفاته جيدة وهي صحيحة حتماً,أو بعبارة أخرى يمكن أن نفقول: أن الدنيا دار بلاء ولا يستفيد الفرد في الآخرة إلا من مزيد البلاء في الدنيا ولهذا جعلها الله عز وجل, فإن لم يكن الفرد مدركاً لأهمية البلاء الإختياري ولزومه له, بل كان ساحراً في دنياه لاهياً عن أخراه, أتاه البلاء الإضطراري قهراً عليه.
من أجل أن يعي واقعه وأن يلتفت إلى خالقه, وهو هذا هو النوع الأغلب من البلاء, بإعتبار أن أكثر البشر من هذا النوع. الذي يكون مستحقاً له.
س25 : وإذا أختار الفرد لنفسه البلاء الإختياري فهل يكون محلاً لنزول البلاء القهري أو الإضطراري؟
ج : إذا كان الفرد مختاراً لنفسه البلاء الإختياري, بأي واحد من قسميه او بكلا قسميه المذكورة سابقاً. فقد حصل سبب الثواب والتكامل, فلا تبقى هناك حاجة لنزول أو حصول البلاء الإضطراري , فيدفعه الله عنه.
ومن هنا ورد مضموناً: {من أعرض عن الدنيا أتته الدنيا وهي راغمة} ولا يجمع الله سبحانه على الفرد البلائين,(الإضطراري والإختياري) إلا نادراً, حين يراه متحملاً صابراً من ناحية, ومستحقاً لمزيد الثواب من ناحية ثانية.
س26 : إذا أجتمع البلائين على الفرد فماالذي يمكن أن يعمله؟
ج : إذا حصلت درجة من الضيق من البلاء الإضطراري, مع إمكان الخيار للبلاء الإختياري أمكن التخفيف من الثاني, كي لا تجزع النفس فيرتفع الرضا والتسليم ويسقط الثواب.
ومن هنا ورد من بعض الائمة عليهم السلام {إنه كان إذا إشتد به الحال قلل من النوافل}.
س27 : تعرفنا على قسمي البلاء الإختياري (الأجتماعي والفردي) فهل من تمايز بينهما من جهة إستفادى الفرد؟
ج : إعلم, أن الفرد يستطيع أن ينال من كلا القسمين ليتكامل بكلا السببين غير أن هنا إشكال على الجهاد الإختياري والأجتماعي, من حيث أن الجهاد الفردي خيرٌ منه, لإنه يتضمن العزلة والإبتعاد عن الناس (قليلاً أو كثيراً) ومن ثم يستطيع الفرد بذلك أن يكفي كثير من المصاعب الدنيوية والمعنوية الناتجة عن الإختلاط بالمجتمع.
على حين لا تكون إفادة الآخرين إلا بالأتصال بهم, وإن لزم من ذلك بعض المضاعات.
س28 : أي من هذين النوعين يجب أن يتخذه الفرد ليكون مرضياً لله عز وجل؟
ج : لذلك عدة أجوبة نذكر منها:
الأول: أن يختار الجهاد الإجتماعي, لإنه يتضمن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وإقامة الشعائر الدينية, ونحو ذلك مما هو المطلوب وجوباً أو إستحباباً في الشريعة, في حين أن الجهاد الفردي بالجوع والعطش مما لم يثبت فيه ذلك.
إلا أن هذا الوجه غير تام لإكثر من جواب واحد:
أولاً: إن الفرد لايمكنه أن ينفع المجتمع نفعاً صحيحاً ما لم يكن هو متكاملاً, فإن الفائدة التي يؤديها الناقص ناقصة لا محالة, خلاف الفائدة التي يؤديها الكامل.
كما قال الشاعر:
يا أيها الرجل المعلم غيره هلا لنفسك كان ذا التعليم
تصف الدواء لذي السقام وذي الضنى كيما يصح به وأنت شقيم
إبدأ بنفسك فأنهها عن غيها فإذا أنتهت عنه فأنت حكيم
فإذا لم يتكامل بالجهاد الفردي لم يكن الجهاد الإجتماعي منه متكاملا ومقبولا.
ثانياً: إن مازعم من عدم ثبوت الدليل على رجحان الجهاد الفردي, قصورٌ في القول. لوضوح إن الزهد مطلوب في الشريعة أكيداً, والتكامل الروحي والعقلي مطلوب أيضاً. فكلما كان سبباً لذلك كان مطلوباً أيضاً. والجهاد الفردي مع الإخلاص في النية سبب لذلك بلا شك.
الثاني: أن يختار الجهاد الفردي ويدع الجهاد الإجتماعي تماماً. وهذا ما عليه حال العباد والزهاد والصوفية بمختلف مذاهبهم وعقائدهم. بعنوان ما أشرنا إليه من أن تقويم النفس خير من تقويم الغير, وإن تحصيل التكامل المعنوي أولا من تحصيل التكامل الإجتماعي. وإن العمل الإجتماعي فيه مظنة الرياء وحب الدنيا ونحو ذلك. في حين لا يكون ذلك في الإعتزال موجوداً. وهذا ليس صحيحاً على إطلاقه, بل قد يكون (في الغالب) ناتجاً عن قلة الشعور بالمسؤولية الدينية بوجوب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وقضاء حاجة المحتاجين, التي كثيراً ماتكونه واجباً شرعاً. فهل يترك الواجب الشرعي في سبيل إنجاز شيءٌ مستحب؟
الثالث: أن يختار الفرد العمل بكلا النوعين, حسب مايشعر وجداناً في كونه أرضى لله عز وجل, وهذا أمر يختلف بين الأفراد جداً, وليس له ضابط معين سوى الشعور بكونه أرضى لله عز وجل. وما يقال عادة من أن : الجهاد الإجتماعي يستلزم الإختلاط بالأفراد, وهذا الإختلاط يورث يشوش النفس ومن ثم وقوف التكامل ونحو ذلك, من التسويلات. وهذا يمكن الجواب عليه لإكثر من وجه واحد:
أولاً: إن كلاً منهما عبادة مطلوبة لله عز وجل إجمالاً, وأي منهما جاء به الفرد مع إخلاص النية كان مقبولاً وسببا للتكاملً.
س29 : ما معنى إخلاص النية في الجهاد الإجتماعي؟
ج : المعنى المراد منها: أن الفرد يستغني في عمله ذاك عن نوايا الرياء والعجب وحب الدنيا ونحو ذلك.
ثانياً: إن كلا النحوين من الجهاد (الفرد والإجتماعي) له درجة من الصعوبة. وكلما كان الجهاد أصعب كان أرضى لله عز وجل. كما قيل:(أفضل الأعمال أحرجها ). والمعلوم في الأعم الأغلب أن الجهاد الإجتماعي أصعب من الجهاد الفردي, في الحاضر والمستقبل.
أما في الحاضر, ففيما قد يراه الفرد من الآخرين من ردود فعل سيئة تجاهه (قلت أو كثرت). أما في المستقبل فللمخاوف مما قد يحصل من مصاعفات سيئة دنيوياً وبلاء ضده. فإذا وضع في فكره تحمل ذلك, كان مجاهداً بالجهاد بين معاً (الأصغر والأكبر) ومستفيداً للمقامات المعنوية لا محالة.
س30 : الجهاد الفردي أو السلوك المعنوي الروحي, مما يلتزم به عدد من الناس من مختلف الأديان والمذاهب, ترى أنه ناجح ومنتج للجميع, ولا يخص ديناً دون دين ولا مذهباً دون مذهب. في حين أن المفروض إختصاصه بالعقيدة الحقة, فكيف حصل ذلك؟
ج : جواب ذلك من عدة وجوه نذكرمنها:
الوجه الأول: إن ما قيل في السؤال صحيحاً أكيداً. إلا أن الدرجة المعنوية أو الروحية التي يصل إليها الفرد تختلف لأسباب عديدة, منها ماهو داخل تحت سيطرة الفرد وقدرته كإدراكاته وطلبه, ومنها ماعهو خارج منها كتأثير الآخرين ضده يعلمون وبما لا يعلمون, كتأثير الحكمة المطلقة في حرمانه من بعض النتائج.فإذا أقتضت كل تلك الأسباب وصوله إلى درجة معنوية, وصل إليها. وإن لم يقتضِ ذلك حرم منها. ومن المعلوم أن إختلاف الإدراك والأديان يقتضي إختلاف الأهداف المطلوبة للفرد في جهاده الفردي. فإذا أوصله جهاده إلى أية مرتبة, فقد أصبح محروماً من المرتبة التي فوقها, لأنه لم يلتفت إليها ولم يطلب الوصول إليها, لأن مستوى إدراكه هو ذلك.
الوجه الثاني: إننا نعلم أن الأهداف العليا المعنوية الحقانية لا تنال إلا بالولاية الحقانية, وأما بدونها فلا, بل يبقى الفرد متردداً في المقامات الأدنى منها, مهما تخيل نفسه مرتفعاً وواصلاً. فهو توهم وخاطىء لا محالة.
الوجه الثالث: إن هناك ما يسمى بـ(العوالم الوسطى) أو البرزخية, وتسمى قوانينها بـ(القوانين الوسطى). ومن أوضح أمثلتها المعروفة السحر بإنواعه (الكيمياء, والسيمياء, الليمياء,الريمياء, والهيمياء) والباراسايكولوجي بإنواعه المعروفة فإنها كلها تنتج نتائج غريبة وغير متوقعه وخارقه للنواميس الطبيعية الكونية, ولكنها مع ذلك متدنية من الأهداف الروحية الحقانية.
س31 : ما صفة هذه العوالم (العوالم الوسطى)؟
ج : تتصف هذه العوالم بعدة صفات هي:
أولاً: إنها لا تعتبر وصولاً إلى أي هدف حق.
ثانياً: إن طلبها لا يختلف عن طلب الدنيا كثيراً, بل هو إنشغال بالمخلوق دون الخالق.
ثالثاً: إنها تحصل لأي دين ولأي مذهب. مع العلم أن الدين الحق واحد لايتعدد. فكيف تحصل لدى من يكون باطلاً في دينه, إلا بإعتبار كونها متدنية. وأما الهدف الأعلى فلا يحصل إلا بالحق.
رابعاً: إن هذا السير الفكري ينتج, أن للكون أو الوجود بالمعنى العام ثلاثة مستويات من القوانين.
خامساً: إن نتائج القوانين الوسطى لا تكون دليلاً على أحقيته المذهب أو الدين للفرد الذي يعلمها ويعاملها. لإنها نتاج من مختلف المذاهب والأديان, مع أن الحق واحد عقلاً ةإجتماعاً.
بخلاف نتائج القوانين العليا, فإنها تدل على صحة معتقدات أصحابها ومدعياتهم. ومن هنا كانت المعجزات دليلاً على صدق النبوة, لأن الأنبياء يكونون على هذا المستوى العالي لا محالة. ولا يمكن أن تصدر عنهم ولا عن أي فرد إذا كان كاذباً أو سقيماً في سلوكه أو عقيدته.
س32 : هل نفهم من ذلك بأن الأتيان بالأمر الخارق لقوانين الطبيعة إذا كان قد حصل في دين أو مذهب آخر أو قل: إذا أشتهر صدوره من قبل جماعات مختلفة بالدين والعقيدة فهو إنما صادر من العوالم الوسطى لا العوالم العليا؟
ج: هو كذلك, (تنقيح).
س33 : أورد شيء يثبت أهمية الجهاد الفردي وما يتحصل عنه من نتائج؟(إعادة صياغة السؤال وفق مضمون الجواب)
ج : ورد الكثير وإليك بعض ماورد:
من قول سيد الخلفاء وأمير المؤمنين عليه السلام في الزهد بالدنيا وما فيها:
{إنظروا إلى الدنيا منظر الزاهدين فيها الصارقين عنها فإنها والله عما قليل تزيل الثاوي الساكن وتفجع المترف الآمن. لا يرجع ما تولى منها فأبر, ولا يدري ما يدري ماهو آت فينتظر. سرورها مشوب بالحزن ,وجلد الرجال فيها إلى الضعف والوهن. فلا يغرنكم كثرة ما يعجبكم فيها لقلة ما يصحبكم منها.
رحم الله إمرأً تفكر فأعتبر, وأعتبر فأبصر. فكأن ماهو كائن من الدنيا عما قليل لم يكن. وكأن ماهو كائن من الآخرة عما قليل لم يزل. وكل معدود منقوص. وكل متوقع آت, وكل آت قريب دان}.
ومن خطبة له عليه السلام في ذلك أيضاً:
{أما بعد, فإني أحذركم الدنيا, فإنها حلوة خضرة, حُفت بالمكاره وتحببت بالعاجلة وراقت بالقليل, وتحلت بالآمال وتزينت بالغرور. لا تدوم حيرتها ولا تؤَّمن فجعتها. غرارة ضرارة, حائلة زائلة, نافذة بائدة, أكّالة غالة.
لا تعدوا (إذا تناهت إلى أمنية أهل الرغبة فيها والرضاء بها) أن تكون كما قال الله تعالى سبحانه:{كماء أنزلناه من السماء فأختلط به نبات الأرض فأصبح هشيماً تذروه الرياح. وكان الله على كل شيء مقتدراً} لم يكن أمرؤ منها في حيرة إلا أعقبته بعدها عبرة. ولم يلق في سرائها بطناً إلا منحته من ضرائها ظهراً. ولم تطله فيها ديم رخاء إلا هتنت عليه مُزنة بلاء وحيرة, إذا أصبحت له منتصرة أن تمسي له متنكرة. وإن جانبَ منها إعذوذب وإحلولى أمر منها جانب فأوبى.
لا ينال إمرؤ من غضارتها رغباً إلا أرهقته من نوائبها تعباً. ولا يمسي منها في جناح آمن إلا أصبح في قوادف خوف.
غرارة, غرور مافيها. فانية فان ما عليها. لا خير في شيء من أزوادها إلا التقوى. من أقل منها إستكثر فيما يؤمنه, ومن إستكثر منها مما يوبقه وزال عما قليل عنه. كم واثق بها فجعته, وذي طمأنينة إليها صرعته. وذي أبهة قد جعلته حقيراً. وذي نخوة قد ردته ذليلاًَ.
سلطانها دول, وعيشها رنق, وعذبها أجاج, وحلوها صبر, وغذائها سمام, وأسبابها رمام. حيها بعرض موت, وصحيحها بعرض سقم. ملكها مسلوب وعزيزها مغلوب, وموقورها منكوب,وجارها محروب.
ألستم في مساكن من كان قبلكم أطول أعماراً وأبقى آثاراً وأبعد آمالاً وأعد عديداًوأكثف جنوداً. تَعبدوا للدنيا أيُ تعبد, وآثروها أيُ إيثار, ثم ضعنوا عنها بغير زاد مبلغ ولا ظهر قاطع. فهل بلغكم أن الدنيا سخت لهم نفساً بفدية أو أعانتهم بمعونة أو أحسنت لهم صحبة؟
بل أرهقتهم بالقوادح, وأوهنتم بالتوارع, وضعضتهم بالنوائب, وعفرتهم للمناخر, ووطأتهم بالمناسم, وأعانت عليهم ريب المنون. فقد رأيتم تنكرها لمن دان لها, وآثرها وأخلد لها حتى ضعفوا عنها لفراق الأبد. وهل زودتهم إلا السغب أو أحلتهم إلا الضنك أو نورت لهم إلا الظلمة أو أعقبتهم إلا الندامة. أفهذه تؤثؤرن أم إليها تطمئنون أم عليها تحرصون.
فبئست الدرا لمن لم يتهمها ولم يكن فيها على وجل منها.فأعلموا, وأنتم تعلمون, بأنكم تاركوها وظاعنون عنها. واتعظوا فيها باالذين قالوا:{من أشد منا قوة} حُملوا إلى قبورهم فلا يُدْعَون رُكباناً وأنزلوا الأجداث فلا يدعون ـــــــــــــــــــ.
وجعل لهم من الصفيح أجنان ومن التراب أكفان ومن الرفات جيران.....الخ}
ومن خطبة أخرى له عليه السلام في ذلك:
{يدعي يزعمه أن يرجوا الله. كذب والعظيم. ما باله لا يتبين رجاؤه في عمله, فكل من رجا عرف رجاؤه في عمله, وكل رجاء إلا رجاء الله, فإنه مدخول. وكل خوف محقق إلا خوف الله فإن معلول يرجوا الله في الكبير, ويرجوا العباد في الصغير. فيعطي العبد مالا يعطي الرب.
فما بال الله جل ثناؤه يقصر به عما يصنع لعباده. أتخاف أن تكون في رجائك له كاذباً أو تكون لا تراه للرجاء موضعاً.
وكذك إن هو خاف عبداً من عبيده, أعطائه من خوفه مالا يعطي ربه فجعل خوفه من العباد نقداً, وخوفه من خالقهم ضماراً وفقداً.
وكذلك من عظمت الدنيا في عينه, وكبر وقعها في قلبه, أثرها على الله تعالى, فأنقطع إليها وصار عبدأً لها.
ولقد كان في رسول الله (ص) كاف لك في الأسوة والدليل لك على ذم الدنيا وعيبها وكثرة مخازيها ومساوئها, إذ قبضت عنه أطراقها ووطئت لغيره أكنافها, وفطم من رضاعها و زوي عن زخارفها...إلى أن قال عليه السلام:
فلينظر ناظر بعقله أكرم الله محمداً بذلك أم أهانه, فإن قال: أهانه. فقد كذب والعظيم. وإن قال: أكرمه. فليعلم أن الله قد أهان غيره حيث بسط الدنيا له وزواها عن أقرب التاس منه.
فتأسى ستأسٍ نبيه, وأقتضى أثره وولج مولجه. وإلا فلا يأمن الهلكة. فإن الله جعل محمداً (ص) علماً للساعة ومبشراً بالجنة ومنذراً بالعقوبة. خرج من الدنيا خميصاً, وورد إلى الآخرة سليماً. لم يضع حجراً على حجر حتى مضى لسبيله وأجاب داعي ربه.
فما أعظم منة الله عندنا حين أنعم علينا به سلفاً نتبعه وقائداً نطأ عقبه. ولقد رقعت مدرعتي حتى أستحييت من راقعها. وقد قال لي قائل: ألا تنبذها! فقلت: اُعزب عني فعند الصبح يحمد القوم السرى}.ومن خطبة له عليه السلام في وصف المؤمنين:
روي أن صاحباً لأمير المؤمنين عليه السلام....[نهج البلاغة(همام)].
س34 : إن أمير المؤمنين عليه السلام, منع عنا الثقل بمثل قوله:{ألا وإنكم لا تقدرون على ذلك ولكن أعينوني بورعٍ وإجتهادٍ وعفةٍ وسداد}. فإذا كنا لا نقدر على ذلك فكيف يكون المطلوب من مالا نقدر عليه؟ وهل هذا إلا من طلب المحال؟
ج : جواب ذلك من عدة وجوه:
أولاً: إنه ثبت بالتأكيد أن زهد أمير المؤمنين عليه السلام وعبادته مما لا يطيقها أحد حتى أبناؤه المعصومين عليهم السلامفضلاً عن غيرهم. ولذا ورد عن الإمام زين العابدين عليه السلام وهو أشهر الزاهدين العابدين قوله:
{ومن الذي يقدر على عبادة علي بن أبي طالب؟!}
إلا أن هذا لا ينافي صحة السير في هذا الطريق ومطلوبيته ورجحانه من كل فرد بمقدار ما أمكنه وتيسر له. ولو بالتدريج البطيء والتمرين المستمر.
ثانياً:إن كل ماقيل في إشكال السائل عن حال أمير المؤمنين عليه السلام يقال عن حال رسول الله (ص) فإن عبادته وزهده مما لا يطيقها أحد. فإنها لا تقصر عن عبادة أمير المؤمنين عليه السلام وزهده. ولكن مع ذلك يوجد نص قرآني بوجوب الأسوة الحسنة برسول الله (ص). فإذا تم الأشكال, كان هذا الأمر القرآني خاطئاً وحاشاه, لأنه من الأمر المستحيل.
ثالثاً: إن هؤلاء المعصومين عليهم السلام تزهدوا, وهم في غنى عن الزهد يطلب من أجل تطهر النفس والتكامل بها في الدرجات العلا. وهم عليهم السلام متصفون بذلك, فلا حاجة لهم إلى مقدماته, وهو الزهد.
في حين أن الآخرين جميعاً في حاجة إلى التكامل لإنهم ناقصون ومتدنو الدرجات والكمالات فهم في حاجة إلى مقدماته, وهو الزهد. فإذا كان من الراجح إتخاذ مسلك الزهد لمن يحتاجه أدباً أمام الله سبحانه وتعالى, فكيف الحال بمن يحتاجه وليس له باب للتكامل إلا به.
رابعاً: إنه سلام الله عليه حين قال:{ألا أنكم لا تقدرون على ذلك} وقال أيضاً:{ولكن أعينوني بورعٍ وإجتهادٍ وعفةٍ وسدادٍ} فهل إننا حين أيسنا من زهده وتركنا الزهد أعنّاه على أنفسنا بهذه الأمور؟ وهل عرفنا معنى هذه الأمور ومرمى كلامه عليه السلام وطبقناه على أنفسنا؟ أأأأاأأأسفاً للإشكالات الواهية والنفوس الخاوية!
س35 : ألم يكن أمير المؤمنين عليه السلام كان يتخذ ملك الزهد بصفته أميراً المؤمنين أو رئيساً للدولة أو متصرفاً في المجتمع, وليس بصفته مسلماً إعتيادياً, ليكون من الراجح إتخاذ نفس المسلك لسائر المسلمين والشاهد على ذلك أنه يقول,فيما يقول:{فكيف أرضى أن يقال:أمير المؤمنين ولا أشاركهم مكاره الدهر وخشونة العيش}؟!
ج : جواب هذا الإشكال من وجوه:
الوجه الأول: لا شك أن منصبه للإمارة وللرئاسة على المجتمع أولى بكثير من الأفراد الإعتيادين. وهذه الدرجة من الأولوية الأخلاقية كان يشعر بها عليه السلام. ومن هنا عبر عنها في هذه الفقرة من كلامه. وهو لا ينافي وجود الرجحان الكامل بالنسبة لغيره أيضاً. كل ما في الأمر أنه, رجحان أقل من تلك المرتبةالعظيمة.
الوجه الثاني: إننا يمكن أن نتحدى أي أحد في أن يورد لنا أي دليل على أن الزهد ساقط تماماًعن غير منصب الرئاسة والأمارة. وهذه العبارة التي سمعناها عنه عليه السلام لا يدل على نفيه عن غيره, وإن دلت على أهميتها بالنسبة إليه.
الوجه الثالث: إن الدليل موجود على لزوم المواساة أخلاقيا بين كل الناس. ولا يختص بمنصب معين. وذلك كقوله في بعض الأدعيه:{اللهم إرزقني مواساة منْ قترت عليه من رزقك بما وسعت علي من فضلك وأحييني تحت ظلك} ومن الواضح أن مواساة الفقير تكون بعدم الزيادة على مستوى حياته من المأكل والملبس والمسكن, وإن كان الفرد متمكناً منها.
الوجه الرابع: إنه لو تم قول المستشكل للزم الفتوى فقهياً بوجوب الزهد على من يتولى رئاسة المجتمع. كالملك أو رئيس القبيلة أو المرجع الديني أو رئيس الجمهورية وأضرابهم. في حين لا يغني أحد بذلك إجماعاً. ونماذج المتدنين الذين أصبحوا في مثل هذه المناصب موجودة (ولو قليلاً) على مدى التأريخ, ولم ينقل منهم أنهم التزموا بالزهد الواجب. وهذا معناه أن الفقهاء فهموا فعلاً من الشريعة عدم وجوب الزهد على مثل هذه المناصب.
إذن فالأمر يكون شاملاً حتى الأمير المؤمنين عليه السلام, يعني ان الزهد لم يكن واجباً عليه بهذه الصفة, كما زعم المستشكل.
س36 : هنالك إشكالات بهذا الشأن نوردها معاً:
أولاً: إن الموارد في الجزيرة العربية في صدر الإسلام كانت ضعيفة, والزراعة والصناعة والتجارة قليلة ومتدنية. ومن هنا كان الناس يكتفون بالقليل من المأكل والملبس والمسكن, لأنهم لم يكونوا يستطيعون أكثر من ذلك. وكان مسلك الزهد مبنياً على ذلك, يعني كونه تجاوباً مع الظروف المعيشية. وإلا لو كان الأمر مختلفاً لما كان زهد الزاهدين موجوداً. ويدل على ذلك ما ورد عن عائشة زوج النبي (ص):{إننا ما شبعنا من التمر حتى فتح الله خيبر}.
ثانياً: في الرواية عن بعض الأئمة المتأخرين عن تلك الحقبة حين يُسأل عن لباسه مع تقشف أمير المؤمنين عليه السلام يجيب بأن الظروف الإقتصادية في عهد (أمير المؤمنين) عليه السلام صعبة. وأما اليوم فقد أرسلت السماء عن إليها. يعني أمطرت وأنتجت زراعة كافية. إذن فلا حاجة إلى الزهد على هذا الفهم!!
ج : أقول: ما أشير إليه من ترك الزهد في العصر المتأخر عن صدر الإسلام. فهذا ما نجيب عليه لاحقاً. ولكن نجيب الآن عن الإشكال الحالي, من كون الزهد في صدر الإسلام ناشئاً عن الظروف الصعبة إقتصادياً, ليس إلا.
وجوابه من وجوه:
أولاً: إن الظروف لم تكن صعبة إلى هذه الدرجة, وكانت التجارة السنوية بين مكة والشام واليمن ناجحة وراجحة [رحلة الشتاء والصيف] وكان هناك عدداً من التمولين الأثرياء في عصر الجاهلية وصدر الإسلام.
ثانياً: إن المعصومين عليه السلام كانوا يستطيعون أن يكونوا من المتمولين دنيوياً (لو أرادوا ذلك) ولكنهم رفضوه عن قناعة وعمد. وقد سمع الجميع ما في الرواية من أن قريش قد عرضت على النبي (ص) أن تجعله ملكاً على المنطقة, وأن تمكنه من الأموال والنفوس, بشرط أن يتنازل عن دعوته فأبى قائلاً: {والله لو وضعت الشمس في يميني والقمر في شمالي على أن أترك هذا الأمر ما تركته حتى يُظهره الله أو أموت دونه} وكان بإستطاعته القبول منهم على أي حال. وأما أمير المؤمنين عليه السلام فيقول في بعض خُطبِه:{لو شئتُ لأهتديت إلى نتائج هذا القز ومصفى هذا العسل} وهذا كافٍِ في العبرة لنا جميعاً.
ثالثاً: إن زهدهم عليه السلام كان أكثر من ظروفهم, مهما كانت صعبة. ولو كانوا تبعأً للظروف لما فعلوا ذلك بكل تأكيد.
فمن ذلك ماسمعناه عن رسول الله (ص) أنه كان يأمر زوجته بإحاطة القماش الذي عليه التصاوير, لأنه يذكره بالدنيا. وما سمعناه عن أمير المؤمنين عليه السلام من أنه أمر أبنته بحمل أحد الآدمين الموجودين مع قرص الشعير. وما سمعناه عنه عليه السلام:{ولقد رقعت مدرعتي حتى أستحييت من راقعها} وقد كان في مستطاعه أن يجددها, ولذا يقول بعد ذلك:{ولقد قيل لي هلا نبذتها)!!
فقلت أعزب عني فعند الصباح يحمد القوم السرى} يعني عند رؤية الثواب والمنازل العالية في الآخرة.
رابعاً: إنه يصادف خلال الأجيال أن تمر بعض المجتمعات المسلمة في أزمات إقتصادية وفقد ومصاعب, فهل سوف يقنع الناس بالقليل ويتخذون مسلك الزهد عن قناعة وفهم؟ بل لن نسمع منهم إلا الإستغاثة والأعتراض على القضاء والقدر ولعن الظروف القاسية, ولن نرى منهم إلا الإشمئزاز وقلة الصبر على البلاء.
س37 : فإن الناس في الجزيرة العربية في صدر الإسلام كانوا معتادين على التقشف, ولم يكن يخطر في بالهم غير ذلك لكي نسمع منهمالإعتراض والتمرد كما سمعناه من غيرهم؟!
ج : كلا, فإن صورة الترف والثروة كانت معروفة لهم جميعاً, وكان في مجتمعهم من هو ثري يعيش بالبذخ والإسراف, فضلاً من الأخبار التي تردهم عن دول الأكاسرة والقياصرة وما فيها من رفاه وحضارة.
إذن هنالك مجال واسع للإعتراض وقلة الصبر في ذلك المجتمع, مع أنهم لم ينقل عنهم شيء من ذلك, ولو بخبرٍ ضعيف.
س38 : ما أشرتم إليه من أن الزهد إن كان خاصاً ببعض المعصومين عليهم السلام ولم يكن عاماً للجميع, أيدل عليه دليل ما؟
ج : إعلم, أنه كان عدد منهم عليهم السلام كالإمام الحسن المجتبى والباقر والصادق عليهم السلام يلبسون اللباس الفاخر ويأكلون الطعام الفاخر وينصحون الآخرين بذلك, فإذا كان لنا بالمعصومين عليهم السلام أسوة حسنة, فنحن نكون بالخيار بين الزهد وعدمه, لأن بعظهم كان هكذا, بل ينبغي لنا أن نتبع الجانب الأغلب. لأن أغلبهم لم يكونوا من الزاهدين المتقشفين.
س39 : جوابكم (وإن صح) فهو إشكال بذاته, فكيف ترون عليه؟
ج : كما يعلم الجميع أن الآراء مختلفة, وإن ما ورد من سيرة المعصومين لا يخلوا من إختلاف في النظر! ونحن وإن نقلناه فهذا لا يعني القول به القطع بصحته.فإذا تحقق ذلك, فنرد على هذا, الإشكال من وجوه:
أولاً: إنه لا دليل على كون طعامهم ولباسهم فاخراً (بالمعنى الدنيوي) وإن كان أفضل من بعض الجهات من صدر الإسلام.
ثانياً: إن المصلحة العامة الظاهرية كانت تقتضي ذلك.بإعتبار كون المجتمع في ذلك الحين كان قد إعتاد على أنواع اللباس والرياش, وخاصة للمشاهير والرؤساء. وكان يعد الشخص المخالف لمثل هذه الحال ذليلاً ومحتقراً (كما في زماننا الحاضر).
ولا شك أن الأئمة سلام الله عليهم كانوا مشاهير ورؤساء في المجتمع (وإن لم تكن لهم الرئاسة الفعلية) فكانت المصلحة العامة تقتضي تجاوبهم مع هذا المسلك, وعدم إعطاء الأعداء مفخراً ونقطة ضعف يدخل منها النقد والتجريح, (وهذا وجه محترم جداً).
ثالثاً: ما ورد من أن الإمام سلام الله عليه بينما كان يلبس اللباس الفخر ظاهراً كان يلبس تحته لباساً صوفياً (أعني من الصوف) مؤلماً جداً, بينما يفعل بعض المتزهدين بالعكس, فهو يلبس الصوف والمسوح ظاهراً وتحته قماشاً رقيقاً يقي جلده من الألم.
س40 : وما المراد أو الفهم الذي نستفيده من هذا؟
ج : الذي يتضح بجلاء وخاصة من خلال الجمع بين الوجهين يصبح ما ورد في الرواية مفهوماً تماماً حين يقول عليه السلام:{هذا لكم وهذا لنفسي}.
أقول: يعني هذا اللناس, وهو اللباس الفاخر. وهذا لله, وهو اللباس المؤلم الداخلي.
س41 : إذن ماذا ينتج عن كل ذلك؟
ج : هذا كله ينتج: أن كل المعصومين سلام الله عليه زهاد عباد. ولكن البعض منهم زهده ظاهر كمن كان منهم في صدر الإسلام, والبعض الآخر زهدهم خفي.
وبهذا ينقطع وينسد ما قلناه آنفاً في الإشكال من (إننا نتبع الأغلب ونترك الزهد). والناتج أن المتيقن هو طريق الزهد, لأن جميعهم متسالمون عليه بشكل وآخر.
س42 : أيكون هنالك فرق بين إظهار الزهد وإخفائه؟
ج : من الجيد والمهم الإلتفات إلى مثل هذا, الأمر, فأقول : إن الذي نفهمه من إظهار الزهد من قبلهم سلام الله عليهم إنما كان في بدء الشروع بيان وتوضيح العبادة الحقة لله سبحانه وتعالى وبيان تعاليم الإسلام, والتخلي من مغريات الدنيا وزخرفتها. ولا يكون ذلك إلا عن طريق وجود مثل وأسوة للآخرين لشحذ هممهم والعمل على تزكية أنفسهم, مع علمهم بأن ذلك المثل والأسوة إنما فعل ذلك بمحض إرادته وهو إنما يستطيع على أن ينال من الدنيا وشهواتها [لو شئت لأهتديت..(خطبة أمير المؤمنين عليه السلام)] في حين أن الائمة عليهم السلام المتأخرين عن النبي (ص) وأمير المؤمنين عليه السلام لا يحتاجون إلى إيجاد مثل ذلك الدافع. وذلك لترسخ التعاليم الإسلامية في المجتمع الإسلامي (ولو نسبياً) فكان زهدهم سلام الله عليهم بينهم ما بين ربهم, فلم تكن هناك حاجة لإظهاره.
وهذا مما لا شك فيه لمن تتبع خطى المعصومين عليهم السلام وعرف أدوارهم في أي زمان ومكان هم فيه. وهذا أمر واسع الأهمية والخطورة, بإعتبار كونهم عليهم السلام وفقوا بين علاقتهم بالله سبحانه وبالمجتمع في آن واحد, فتنبه وأيقض.
س43 : قد سمعنا بعض الروايات ما قد يستفاد منها النهي عن الزهد, فما قولكم في ذلك؟
ج : تقصدون ماورد من الروايات مامؤداه أنه: جيء إلى الإمام عليه السلام بشخص متزهد يأكل الجشب ويلبس الخشن, فزجره وعنفه وقال له:[إن الله تعالى غني عن زهدك وإن حالك إنما هو من الشيطان].
وما ورد بما مؤداه أن شخصاً يقول للإمام عليه السلام:إني أصبحت أفضل الفقر على الغنى والمرض على الصحة والموت على الحياة. فأجاب الإمام عليه السلام :{أما أنا فأفضل ما أختاره الله تعالى لي من هذه الأحوال}.
أقول: إن دلت مثل هذه الروايات على شيء فإنما تدل على نفي الزهد وإبعاد الناس عنه وعدم التفكير بنتائجه, كتفصيل الفقر على الغنى ونحو ذلك.
والجواب على ذلك من وجوه:
الوجه الأول: إن هناك أشخاصاً قد تتصاعد عندهم الرغبة في الزهد أكثر من تحملهم , وطاقتهم وجهدهم.
فيتخذون مسلكاً صعباً على أنفسهم ويحمولون أنفسهم ما لايطيقون. وهذا معنى خاطىء, لأن فيه مضاعفات محتملة, بل أكيدة. غير محمودة, بل لا بد أن يكون الزهدتدريجياً وتحت إشراف وبحذاقة وفهم, ولا يكون بتسيب ولا بتسامح. لكي نفهم نتائجه المفضلة.
وعندئذ أمكن أن نقول: إن مثل هذا الشخص الذي زجره الإمام عن الزهد لم يكن قادراً على تحمله, أو لم يكن مناسباً له, أو كان قد خطى فيه خطوات صعبة. فلم يكن الإمام عليه السلام إلا أن يزجره عن مسلكه مع عدم إمكان تفهيمه الفرق الذي أشرنا إليه. بإعتبار قانون [كلم الناس على قدر عقولهم] وإذا بقي على مسلكه فسوف يؤول إلى الفساد بدل أن يصير إلى الصلاح. فكان خبراً له تبديل حالة وتغيير مسلكه. ولا أقل من الإحتمال المبطل للإستدلال.
الوجه الثاني: إن الإمام عليه السلام, لو أقر هذا التزهد ومدحه لفتح باباً في الدين أراده الائمة مغلقاً. بمعنى إنه لو أقر على مسلكه لفتح للآخرين باب السير عليه والأتخاذ له, ولأصبح كثير من المجتمع من الزاهدين. وهذا ليس فيه مصلحة, كما عهدنا قبل قليل بأن الائمة أرادوا دائماً إغلاق بابه.
س44 : وما المصالح من إغلاق باب الزهد؟
ج : ذلك لعدة من مصالح, منها:
أولاً: إن الزهد ينتج نتائج جيدة في عالم التكامل العقلي والروحي. تلك النتائج التي ينبغي أن تختص بالأفراد المستحقين لها, ولا تتوزع بين الناس من الفسقة والمعزفين وغيرهم.
ثانياً: إن هذا الباب لو فتح للناس لأصبح المجتمع في تسيب من هذه الناحية, فقد يحملون على أنفسهم مالا يطيقون, فتحصل نتائج غير محمودة (كما عرفت).
ثالثاً: إنه مع زيادة الزهاد في المجتمع تنسد أبواب الحاجات الإجتماعية والفردية في المجتمع, بإعتبار قلة العاملين وقلة المنتجين. وهذا حال لا يريده الله سبحانه لعباده, بل يريد أن تكون عجلة المجتمع سائرة ودائرة بشكل طبيعي ومتصاعد نحو الرفاه ونحو الإفضل دائماً, بحسب ظاهر الحياة الدنيا.
الوجه الثالث: إن الإمام عليه السلام علِم أنه لو أجاز حال هذا الرجل ومدحه لحصل له العجب في نفسه. والعجب مضر جداً بالمستوى الروحي المطلوب للفرد. فزجره من أجل أن يذله في باطن نفسه, فيكون بذلك أقرب إلى الله تعالى.
الوجه الرابع: بالإمكان أن يقال أيضاً: إن هذا الرجل كان قد حصل له العجب بحاله فعلاً, فأرادالإمام عليه السلام أن يذله من أجل الفائدة التي عرفناها, ورفع تصور العجب من نفسه.
س45 : إذا ضممنا هذه الوجوه فماذا ستكون النتيجة؟
ج : إعلم, أنه لا ينبغي إهمال هذا الأمر, إذا أن ضم هذه الوجوه بعضها إلى بعض فستنتج نفس النتيجة. كما لا يخفى على القارىء اللبيب.
س46 : ذكرتم أن الفرد ينبغي أن يرضى بما يرضاه الله له من الحال, كالمرض والصحة والفقر والغنى. لا أنه يفضل الفقر على الغنى والمرض على الصحة, فما شرح ذلك؟
ج : هذا الإشكال يمكن شرحه من وجوه:
أولاً: إن الإمام عليه السلام لم ينهه عن إعتقاده, وإنما ذكر له الإعتقاد الأفضل, وهو لا يتضمن الزجر عن الإعتقاد الذي ذكره السائل.
ثانياً: ما قاله بعض أهل المعرفة من أن السائل ذكر له مقاماً معيناً, فذكر له الإمام مقاماً آخر. وكلاهما قد يكون مناسباً مع الحال الذي يمر به الفرد. فمقام السائل هو التفويض ومقام الإمام هو الرضا, أو مقام الإمام هو الرضا ومقام السائل هو التسليم ونحو ذلك.
س47 : ألم يكن الإمام عليه السلام قد أنهى كل المقامات الكمالية من حيث أنه عليه أرفع درجة من أي فرد زمانه المخصوص؟!
ج : نحن إن قلنا بأن مقام الإمام هو الرضا هو مقام التسليم لم نقصد بإنه المقام المتحقق به فعلاً وإنما كان المقصود (المقام الذي ذكره الإمام عليه السلام لا الذي هو فيه).
ثالثاً: إن الإمام وجد مصلحة في تغيير حال السائل وإظهار نهيه عنه, بعد التنزل عن الوجهين الأولين. لأنه كان غير مناسب مع مستواه النفسي والروحي, وإنما كان المناسب له هو ما ذكره الإمام عليه السلام.
س49 : المفهوم ما بين الناس أن أحسن موقف يمكن أن يتخذه الفرد مع إستعمال ذكائه ورشده وإعمال تفكيره وعقله تجاه مختلف الحوادث والمصاعب التي تمر بالفرد بإستمرار هو الإمتداد بالنفس وقوة الإرادة والبت بالأمور بحزم وقوة والإعتماد على النفس في القليل والكثير, فإن خير من الإعتماد على الغير (أياً كان) وبذل الحاجة أمامه والتذلل تجاهه, فما معنى صحة هذا الفهم؟
ج : أقول: إن هذا الموقف بالرغم من كونه مفروغاً من صحته إجتماعياً وعقلانياً وإقتصادياً وهو معنى لا يخلو من أهمية وإحترام. إلا أنه مع ذلك لا يخلو من مناقشة بحيث قد يبدو في النتيجة سقوطه من الإعتبار تماماً, كما سُيظر ذلك:
أولاً: إنه منافٍ لمعنى التوكل على الله سبحانه. فضلاً عن تهيمن التوكل به تعالى, لأن معناه أنه يتوكل على نفسه لا على ربه{ومن يتوكل على الله فهو حسبه}. وأما من أوكل الأمر إلى نفسه أوكله اللهُ إلى نفسه, فيفشل لا محالة, ولا أقل أنه يكون بين إحتمالي النجاح والفشل. بخلاف ما لو شعر بالتوكل الحقيقي وأستعان بالله سبحانه, فإن الله يغنيه لا محالة.
ثانياً: إن الإعتماد على النفس من الشرك الخفي. أن الفرد منهم يقول:[إنما أوتيته على علم عندي] يفتخر بذلك ويتمدح. وكل ذلك من الشرك الخفي المنهي عنه أخلاقياً ومتشرعياً. لأن النظر الحقيقي إنما هو إلى مسبب الأسباب لا إلى الأسباب نفسها.
ثالثاً: إننا يمكن أن نحسب نسبة النجاح في أعمال الفرد الذي يكون على هذا المستوى, فقد نجدها بسيطة يتخللها أشكال من الفشل والمصاعب ومعاكاسات الآخرين والأمراض وغيرها. إلى حد أننا لو نظرنا إلى مجموع المجتمع, لوجدناها تنقص عن الـ(خمسين بالمئة) بكثير, بل لعلها لاتزيد على نسبة (عشرة إلى خمسة عشر بالمئة) من مجموع الجهودلأفراد المجتمع.
ومعنى ذلك إن نسبة الفشل والخسران (خمسة وثمانين إلى تسعين بالمئة) وهي نسبة مؤسفة جداً.
فماذا أنتج الإعتماد على النفس وقوة الإرادة إلا الفشل؟!
س50 : أيعني ذلك إننا لوسرنا على هذا الخط أمكننا إعتبار هذه النسبة من الفشل موجبة للإطمئنان بحصوله؟
ج : هذا مؤكد, ولا أقل من الظن الراجح جداً به. وبمعنى آخر إن إعتماد الفرد على نفسه موجباً للإطمئنان بفشله سلفا, قبل الدخول في عمله. بغض انظر عن بعض القرائن التي قد تحصل أحياناً. فتوجب الوثوق بالنجاح. وهي غير حاصلة للكثير على أية حال.
س51 : وإذا لم يجد الفرد الإعتيادي بديلاً مفهوماً عن الإعتماد على نفسه وتحكيم إرادته؟!
ج : إذا كان ذلك فإنه حتماً سيركز هذا المفهوم الخاطىء بنفسه ويستعمله في حياته. غير ان الله سبحانه علمنا في كتابه الكريم وأعطانا البديل بكثير من آياته, كقوله تعالى:{ومن يتوكل على الله فهو حسبه إن الله بالغ أمره قد جعل لكل شيء قدرا} ومثل ذلك كثير لمن تتبع وتتدبر. وإذا كان الله سبحانه معيناً للفرد مسدداً له كان النجاح مضموناً, ما لم تقتضي الحكمة خلافه.
وقد يتوهم البعض ممن ظن أنه على علم بإساليب الله سبحانه وإنه قد وصل إلى درجة من التكامل بأنه يستطيع تدبير الأمور بالإعتماد على كماله العقلي والنفسي فيكون ممن وصفه الله سبحانه في كتابه الكريم:{وكالذي آتيناه من لدنا علماً فأخلد إلى الأرض}. فليصحوا من هذه الغفلة وليلتفت إلى قوله تعالى:{وإليه يرجع الأمر كله} مجرداً نفسه من تأويل الأحاديث ولينظر نظرة حق...
س52 : يرد هنا إشكال حاصله: إن الأسباب إذا سقطت سقط العمل, لأن العمل بالمفهوم المتشرعي هوسبب الثواب وسبب العقاب فإذا سقطت الأسباب لم يبق أي معنى للعمل ولا للثواب ولا للعقاب مع أن الشريعة قد نصت على ذلك بكل تاكيد, بل إنه من ضروريات الدين فإذا صحت الأسباب في العمل الديني صحت في غيرها من الأسباب. وبالتالي يصح الإعتماد على النفس!
ج : رد هذا الإشكال من وجوه:
الوجه الأول: إن ظاهر الشريعة على ذلك بالتأكيد. إلا انه في الحقيقة خطاب للأهل الظاهر, وهم هذه الطبقة من البشر التي تتمسك بالأسباب وتنظر إلى الأعمال, وذلك لتنظيم حاله وعدم إمكان إهماله.
الوجه الثاني: إن الأخلاقين قالوا: [إن الخطوة الأولى من العبد والباقي من الله سبحانه] وهذا صحيح. لأن العبد في خطوته الأولى لا زال أحد الأفراد الأعتيادين الذين ينظرون إلى إرادتهم وأعمالهم. بخلاف ما لو تطور في التكامل وأدرك حقيقة التوكل.
الوجه الثالث: ان ادراك حقيقة التوكل لا يعني بحال انغلاق العمل وسقوطه, فان هذا من تسويل الشيطان (واعني بالشيطان غير ما يتوهم البعض. فهو الند لله سبحانه وتعالى, الذي يجب عصيانة ومعاداته ومهما كان فهم الفرد له).
كل ما في الامر انه بدل ان ينسب الطاعة الى نفسه فانه ينسبها الى توفيق ربه وحسن عنايته بعبده. كما انه بدلا من ان ينسب عصيانه الى نفسه فانه ينسبه الى كون الله سبحانه قد اوكله الى نفسه. وعامله بعدله. فضعف عن تحمل البلاء, واختار لنفسه سوء التصرف.
وعلى اي حال, فمع الايكال الى النفس لاتصدر الطاعة, ومع حسن التسديد لا تصدر المعصية.
س53 : أليس هذا هو مصداق للجبر والتفويض؟
ج : لا ربط لهذا الامر بالقول بالجبر الذي نفاه الله سبحانه في كتابه الكريم بقوله:{لا اكراه في الدين} ودل الدليل العقلي على بطلانه.
الوجه الرابع: ان الجهة الساقطة في الاسباب الحقيقية هي تصور فاعليتها وتأثيرها الحتمي. بغض النظر عن ارادة الله والمشيئة, او مع اهمال هذه الجهة وتناسيها. واما لو لاحظ الفرد ارتباط الاسباب بالارادة بالارادة الالهية, فلا بأس. فإنه تعالى سبب الأسباب وفي الدعاء:{سقطت الأسباب إلا سببك} وفي القرآن الكريم ذكر كثيراً من الأسباب وأمضاها (أعني أقرّها). إلا أنه ربطها بقدرة الله سبحانه.
ومن هنا يكون السبب أمراً ظاهراً. والفاعل الحقيقي إنما و المسبب جل جلاله.
س54 : الفرد عادة لايمكنه أن يستهدف الهدف المجمل والغامض, وإنما يستهدف فقط الهدف الواضح. إذن فلماذا نقول بلزوم السير المعنوي مع إجمال وغموض هدفه؟
ج : هذا مما يخطر في البال اكيدا،وهي اجمال الهدف المعنوي الذي ينبغي ان يستهدفه الفرد في حياته بخلاف الاهداف الظاهريه الدنيويه فانها واضحه وممكنه ومفهومه من ناحية اسبابها ونتائجها وجوب ذلك من عدة وجوه .
الوجه الاول: ان هذا الهدف وان كان مجملا في بعض الاذهان ،الا ان القرآن الكريم قد بينه بوضوح ،وذلك في قوله تعالى:{ وما خلقت الجن ولانس الا ليعبدون} وقوله:{فطرة الله التي فطر الناس عليها لا تبديل لخلق الله ذلك الدين القيم}.
ففطرة الله المركوزة في النفس هي النور الحق والدين القيم. وهي الت يتكون سبباً مركوزاً في النفوس, وهو الفطرة.
الوجه الثاني: إنه لا بأس أن يكون الهدف مجملاً, ومع ذلك فإن الفرد يستهدفه مادام كونه حقاً وصحيحاً, وهو موجود في عالم الله سبحانه, وإن كان الفرد جاهلاً به. إذن, يمكنه أن يستهدف ذلك الهدف الذي يعلمه الله سبحانه. والذي ذخره لعباده الصالحين.
الوجه الثالث: إنه يمكن القول: إن الهدف غير موجود بتاتاً, لأن معناه التوقف عنده مهما كان بعيداً ومهماً. في حين أن الكمال لا متناهي الدرجات, وكلما وصل الفرد إلى أي مرتبة إستحق المرتبة التي بعدها, وهكذا إلى ما لا نهاية.
إذن, فعلى هذا يكون هو الإستمرار بالتكامل بعون الله سبحانه. وليس هناك نقطة تصل إليها ولا تتعداها لتصلح أن تكون هدفاً عرفياً واضحاً. ومن هنا جاء غموض الهدف المعنوي, لأنه غير موجود بالمرة.
س55 : فأين قوله تعالى:{ليعبدون}؟ وهل هو إلا تعبير عن هدف معين؟
ج : بهذا الشأن نقول:
أولاً: إن هذا لأجل خطاب المتدنين الذين لابد أن يشعروا بوجود الهدف. ولا يمكنهم أن يسيروا بدونه.
ثانياً: أن العبادة على مراتب لا متناهية, تسير مع الفرد في سيره التكاملي مهما تصاعد. فهي تعبر عن خط طويل وليس عن نقطة معينة, لتكون هي الهدف.
س56 : من الإشكالات المهمة بهذا الصدد هو: أن حب التكامل من الأنانية وحب الذات,فإذا كان الفرد لا ينبغي له ذلك,إذن فلا ينبغي له أن يتكامل. ولا فرق عملياً في الأنانية بين طلب المال وطلب العلم. أو قل: بين طلب الدنيا وطلب الآخرة. فإن كل ذلك من حب الذات.
وهذا معنى سمعته من بعض أعداء الله سبحانه كإشكال موجه إلى هذا الطريق. كما سمعت من بعض المؤيدين كإشكال يوجب الحيرة في أنه هل يقصد بسلوكه هذا رضا الله سبحانه أم رضا نفسه.
فيكون عمله شركاً بدل أن يكون حقاً!
ج : يكون الجواب على ذلك كما في الوجوه التالية:
الوجه الأول: ما ذكره أهل المعرفة من أن طريق التكامل الحق هو طريق كل الأنبياء والأولياء الصالحين, وهم لاشك على حق في ذلك, فإذا سلكه الفرد أسكنه الإطمئنان إليه, لأنه لا يمكن أن يكون كل هولاء العظماء على خطأ.
الوجه الثاني: إن حب التكامل أمر خلقي جُبل في ذات كل الخلق بما فيهم البشر, وليس خاصاً بواحد دون آخر.
ومن هنا كان السير عليه والتجاوب معه طبيعياً وصحيحاً, بل هو التجاوب مع الخلقة الكاملة والنور الإلهي المركز في باطن النفس ولا شك في صحته.
الوجه الثالث: إن الهدف لو كان محدوداً أو خاصاً لكن من حيث الذات والأنانية مهما كان مهماً وعظيما إلا أننا ذكرنا إن التكامل لا متناهي الدرجات وبذل النفس للتعب المتواصل اللامتناهي لا يمكن أن يكون من حب النفس. لأن النفس تحب الإستقرار والراحة وتكره التعب المستمر, ولو في سبيل الوصول إلى الأفضل.
الوجه الرابع: إن الهدف لوكان محدوداً أو خاصاً(كما قلنا) لكان إستهدافه من الأنانية, إلا أنه غير محدود بمعنى أن مقصود الفرد هو الوصول إلى الحق المطلق والنور الإلهي الشامل واللامتناهي لا يريد بذلك جزاءاً ولا شكوراً. ومن هنا ورد في الحكمة:[إن الآخرة حرام على أهل الدنيا والدنيا حرام على أهل الآخرة والدنيا والآخرة حرام على أهل الله].
وإذا شعر الفرد بحرمة الدنيا والآخرة عليه, إذن فهو لا يحتمل أنه أطاعة نفسه أو أنه تجنب رضا ربه.
الوجه الخامس: أن الفرد لوكان سالكاً مسلك التكامل لأجل أنانيته وحب ذاته لكان ملعوناً مغبوناً. وكذلك لو سلكه لأجل الشهرة به أو لأجل الحصول على بعض المغانم.
وإنما أريد التكامل لنفسي لأن الله سبحانه يريده لي. كما قال سبحانه:{تريدون عرض الدنيا والله يريد الآخرة} وقوله:{والله يدعوا إلى دار السلام}. وإذا سرت في الطريق الذي يرده الله لي فلا يحتمل أن أكون قد إتبعت أنانيتي ورغباتي.
فحسبي أن أقول لربي:(إني قد جئتك لأنك تريدني لا لأني أريد) فأن كان لإرادتي له (مهما كانت حقاً) نوعاً من الأنانية فليس من إرادته لي وطاعتي له من هذه الناحية أية شائبة.
س57 : نحن نعلم أن الله سبحانه يريد لنا كل خير, فماهو بيان ذلك في القرآن الكريم؟
ج : مما يدل على إرادة الخير لنا من الله سبحانه قوله في القرآن الكريم:{يريد ليبين لكم ويهديكم سنن الذين من قبلكم}وقوله:{والله يريد أن يتوب عليكم} ووله تعالى:{يريد الله أن يُخفف عنكم} وقوله:{ما يريد الله ليجعل عليكم من حرج ولكن ليريد ليطهركم وليتم نعمته عليكم} وقوله عز من قال:{يريد الله أن يحق الحق بكلماته ويقطع دابر الكافرين}إلى آخر ما قال.
س58 : إن هناك إهمالاً وإجمالاً بل تهافتاً وتناقضاً بين إتجاهين للتكامل, لا نعلم أياً منهما هو الصحيح. وذلك:أن هنا نحوين من أساليب التكامل, يبدومن كلمات أهل المعرفة إنهما صحيحان.
النحو الأول: التكامل الخلقي أو التكويني الذي فطرت عليه الخلائق. فكلها جملة وتفصيلاً متجه نحوالكمال, وهذا معنى لايحتاج الى تربية وتوجيه كما هو معلوم. بل هو موجه بعناية من قبل الله سبحانه فقط
النحو الثاني: التكامل التربوي المتعمد والمكرس بإرادة وهمّة. وهنا قالوا بالحاجة إلى وجود المربي أو الموجه وهو الشيخ أو الأستاذ. وقالوا: بأن من لا شيخ له فشيخه الشيطان.
وهنا يرد إشكال محصله: إننا يمكن أن نتخذ أحد موقفين كلاهما ليس في مصلحة هذا الكلام من قبل أهل المعرفة:
الموقف الأول: أن نترك التربية المتعمدة تسير على وتيرة التكامل التكويني. لأن الفرد تكويناً هو متجه نحو الكمال لا محالة, فأي حاجة له إلى تربية خاصة؟!
الموقف الثاني: إننا بعد أن عرفنا أن التربية التكوينية تقع تحت الإشراف المباشر لله سبحانه وتعالى. فشيخها وأستاذها هو الله سبحانه. فمن الممكن أن يكون الحال في التربية المتعمدة أيضاً كذلك. فلا يكون (من لاشيخ له فشيخه الشيطان) بل (من لا شيخ له فشيخه الله سبحانه) كما يميل البعض إلى الأعتقاد به.
فما رأيكم حول هذا التباين؟
ج : يكمن أن نقول: أن كلا هذين الموقفين قابلان للمناقشة:
أما الموقف الأول: فبعد الألتفات إلى نكتة أو نكرة معينة وهي: أن التكامل التكويني الذي سنه الله في خلقه بطيء في سيره, بل شديد البطء جداً, قد لا تكفيه آلاف السنين, بل ملايينها. وبالتالي لا يكفي العمر البشري أكيداً.
في حين أن التربية المتعمدة يكون المفروض فيها التسارع في التربية والتكامل والوصول على النتائج في أقصر زمان ممكن. وهذا لا يكون إلا بسبب, مادام الفرد موجوداً في الحياة الدنيا. وذلك يكون بعنايته بنفسه أولاً, والإلتفات إلى حالة ومعرفة دائه ودوائه ثانياً. وهذا إنما يكون بعناية غيره به, وهو معنى التكامل على يد مشرف معين أو شيخ محدد.
أما إذا بقي الفرد طبقاً للتكامل التكويني العام, فيسبقى واقعاً طيلة أيام حياته, أي منقطعاًعن التكامل, بل سيكون متسافلاً حتماً. لأن المتوقع من براعة الإنسان طلب التكامل السريع, فإذا لم يفعل فقد أهمل, ومن ثم قد تسافل.
وأما الموقف الثاني: فإن الذي ثبت هو أن: الإشراف الحقيقي على التكامل التكويني العام مختص بالله سبحانه. ولكننا بعد أن قلنا: إن إقتصار الفرد على ذلك سوف يوجب تسافله وضرره, ولن يوجب نفعه بحال. إذن فمشيخة الله سبحانه وتعليم الفرد بهذا المعنى لمن يوجب نفعه بحال من الأحوال.
وإنما ا
|