المدونات في :

أرسل الإدراج التالي


اســمك مطلوب
بريدك الإلكتروني مطلوب
بريد صديقك الإلكتروني مطلوب
الرسالة 300 حرف كحد أعلى

محتويات الإدراج الذي تريد إرساله:
تطهير النفس

        بسم الله الرحمن الرحيم

{وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ إِنْ كُنْتُمْ آمَنْتُمْ بِاللَّهِ وَمَا أَنْزَلْنَا عَلَى عَبْدِنَا يَوْمَ الْفُرْقَانِ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ}                  صدق الله العلي العظيم

 

 

الفصل الأول

 

س1: ذكرت الآية المباركة (أصناف) مستحقي الخمس, وكان الله سبحانه أحد تلك الأصناف, فما علاقته سبحانه وتلك الأصناف؟

ج : قد فسرت السُنة الشريفة هذه الأصناف في الآية المباركة بأن: ما كان لله فهو لرسوله, وما كان للرسول فهو لذي القربى وهو الإمام المعصوم عليه السلام, وما كان للإمام فهو لنائب الإمام  القائل بالولاية الخاصة والعامة.

وما كان لليتامى والمساكين وابن السبيل فهو مشروط بأن يكونوا من بني هاشم, ولا يجوز إعطاؤه لغيرهم (كما لا يجوز إعطاء الزكاة إليهم) فلاحظ!

س2 : وهل الآية تدل على وجوب الدفع أم على الملكية؟

ج : لا تدل الآية على وجوب الدفع, بل على ملكيتهم في العين بهذا المقدار من الكسر العشري. وعليه فيجب دفع ما يملكونه إليهم, بمعنى أن المستحق هو المالك الأصلي لذلك الجزء وليس الدافع, من حيث أنه يجب إيصال كل مُلك إلى مالكه.

س3 : ما المراد من الغنيمة؟

ج : فسرت السنة المعتبرة الغنيمة بـ(مطلق الغنيمة), يعني: كلُ مالٍ يدخل في ملكية الإنسان مجدداً, ولا تكون خاصة بالغنائم الحربية الجهادية .

س4 : هل يعني ذلك شمول الغنيمة للهدية وأرباح السنة وغيرها؟

ج : هي كذلك أصلاً.

س5 : الآن, هل يُمكن التقدم خطوة واحدة إلى باطن الآية لكي نستفيد من الجهة الأخلاقية؟

ج : مثل هذا الباطن يحتاج إلى مفتاح يدل عليه, وطريق يوصل إليه. وأهم تلك الطرق وأسهلها هو: إظهار فشل الفهم الظاهري للآية لينسحب عن الميدان, ويحل محله الفهم الآخر الذي يصبح عند ذاك مُبَرهناً ومفهوماً أيضاً. إذ يمكن أن يرد على الفهم المشهوري للفقهاء بعض الإيرادات  :

الوجه الأول : بيان الوجه في فتح همزة (أن) في قوله تعالى { فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ } فإن ذلك يبقى بلا وجه في هذا الفهم المشهوري, وكل فهم أوصلنا إلى تفسير ذلك يكون هو الأولى والأوفق بظاهر القرآن الكريم.

الوجه الثاني : إن العطف يكون حسب القواعد بـ( تقدير تكرار العامل) فما هو العامل المكرر بالعطف في قوله تعالى { وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى }؟

فإن قُلت : هو اللام.

قُلنا : كلا, فإن هذا ظاهر وليس بمقدر, فنحتاج إلى عامل مقدر غيره.

فقد تقول: إن المقدر هو المبتدأ أو أسم (إن), يعني : وخمسه للرسول وخمسه لذي القربى.

وعندئذ يكون من الممكن أن كل هذه الأخماس على كونها خمساً واحداً, بل يتعين أن يكون متعدداً على إيضاح (سيأتي بعونه تعالى).

س6: إن الظاهر هو: تكرار نفس المدلول, فلا يكون المراد منه متعدداً؟!

ج : لو كان هكذا للزم تعدد ملكية المال الواحد لمالكين متعددين (وهو محال فقهياً), إلاّ أن يُحمل على معنى قد نشير إليه في الأوجه التالية.

الوجه الثالث: إنه قال: { إِنْ كُنْتُمْ آمَنْتُمْ } وهي جملة شرطية, وفعل الشرط موجود. وأما جوابها فيعرف مما قبله, أي { ّفلِلَّهِ خُمُسَهُ } وهذا مُتعين على القاعدة.

 ومعنى ذلك: إنكم إذا لم تكونوا آمنتم فليس لله خمسه, أو أن الحكم بوجوب دفع الخمس غير ثابت, لأن المشروط لزم عند عدم الشرط, وهذا غير محتمل فقهياً.

......................................................................................

 إنما نذكر هذه الاستدلالات والوجوه لكي يتضح المعنى المراد من الآية المباركة, وذلك بتجريدها من المعنى الظاهري, وثبوت المعنى الباطني, لإثبات وتحقق المعاني الباطنية للآيات الكتاب.  

الوجه الرابع: علاقة الخمس بالقتال, فإنه يقول: { يَوْمَ الْفُرْقَانِ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ } فيختص الخمس بغنيمة الحرب,

وهو على خلاف مشهور فقهائنا.

فإن قلت: فإن فُسر بالأخبار المُعتبرة بكل غنيمة؟!.

قُلنا: إذا اقتصرنا على هذا المقدار من التفكير لم تكن هذه الأخبار معتبرة, لأنها مخالفة لظاهر القرآن, وما خالف القرآن سقط عن الحجية.

س7: فلأي من هذه الوجوه الأربعة, فضلاً عن الجميع يكون فهمنا للآية الكريمة؟

ج : هنا لا بدّ أن نستأنف فهماً جديداً للآية الكريمة, مع اعترافنا بأن ظاهرها المشهوري هو الصحيح والمتعين فقهياً.

وهنا أيضاً ينبغي أن نلتفت إلى فكرة مقابلة لتلك الفكرة الموجودة في السنة الشريفة والتي تقول: {ما كان لله فهو للرسول وما كان للرسول فهو للإمام} وهذا صحيح, إلاّ أننا مع ذلك يمكن أن نقول العكس من حيث أن: ما كان لليتامى والمساكين وابن السبيل فهو للإمام, وما كان للإمام فهو للرسول, وما كان للرسول فهو لله.

فرجعت الأشياء كلها لله سبحانه فأن بيده {وَإِلَيْهِ يُرْجَعُ الْأَمْرُ كُلُّهُ}.

س8: وما المعنى الذي يمكن فهمه من الآية المباركة؟

ج : يكون المعنى المختصر للآية الكريمة: (أن كل غنيمة وعطاء ظاهري ومعنوي أو دنيوي وأخروي فهو لله سبحانه في المرتبة الأولى والأعلى والأكثر واقعية).

س9 : إذاً من هو الفاعل والمؤثر؟ ومن هو المنفعل والآخذ؟

ج : إن تنزلنا عما قلنا في الجواب السابق والذي قبله قلنا : أن ملكيته مقسمة خمسة أقسام (لله, و للرسول, و لذي القربى, و للمساكين, و لأبناء السبيل) أما اليتامى فيمكن إدراجهم ضمن المساكين. فيقسم جميع ذلك بين هؤلاء الخمسة بصفتهم فاعلين ومؤثرين لا بصفتهم منفعلين وأخذين (كما هو ظاهر الشريعة) وهذا كما ذكرنا في الوجه الثاني السابق.

س10: هل يمكن إعطائنا بياناً أكثر عن ذلك؟

ج : ذلك ممكن, إذ يمكننا أن نفهم منه: أن كلي العطاء منوط بهذه المؤثرات أو الأسباب الخمسة (كلٌ بحياله واستقلاله) بحيث يصلح أي واحد منها أن يكون مؤثراً.

وهذا العطاء (التأثير) أيضاً يحتاج من جانب الفرد إلى مزيتين لا يمكن أن يناله بدونهما وهما:

(الإيمان والجهاد) بمعناهما الظاهري أو الباطني. ومن هنا يرتبط صدر الآية بنهاياتها {إِنْ كُنْتُمْ آمَنْتُمْ.......... َيوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ}.

س11: نقف هنا ونسأل سؤالاً هو: أما تسبيب الله ورسوله فقد عرفناه لأنه تعالى يقول: {أَنْ أَغْنَاهُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ مِنْ فَضْلِهِ} فما هو الوجه في تسبيب المساكين وأبناء السبيل وأضرابهم؟

ج : أقول: إن الآية ميزت بين الصنفين, فصنف اعتبرته المسبب الأعلى, وهم الثلاثة الأوائل في الآية, وصنف اعتبرته المسبب الأدنى, وهم الثلاثة المتأخرون فيها. بدليل عدم تكرار (اللام) وتغير السياق اللفظي.

س12 : كيف يمكن أن نفهم الصنف الثاني هنا؟

ج : يمكن فهم على فهمين:

الفهم الأول: كونه من ضمن المسببين والمؤثرين كما سبق, وذلك بأن نحمل المعنى على كونه إشارة إلى الفرد المعطي نفسه, من حيث أنه لا يكتسب صفة الاستحقاق للعطاء إلاّ إذا اتصف بكونه من الفقراء وأبناء السبيل.

أما كونه ابن السبيل, فلانقطاعه عن الأسباب الدنيوية وخروج حب الدنيا من قلبه.

وأما كونه يتيماً فليأسه من المخلوقين, وإن الأب المربي والمدرس المربي ليس لهم تأثير حقيقي ما لم يكن الله سبحانه هو الواهب والموفق.

ومن هنا كان الصنف الأول في الآية هو الفاعل الحقيقي, وكان الصنف الثاني فيها متمم الاستحقاق للعطاء.

أو قل إن الأول يمثل المقتضي والثاني يمثل المانع (باصطلاح الفلاسفة).

الفهم الثاني: أن نعتبر الصنف الأول الصنف الفاعل والمؤثر فقط, والصنف الثاني هو الطرف المنفعل والآخذ. باعتبار أن العطاء الذي يأتي إلى المؤمن يجب أن لا يكون حكراً عليه, بل يجب عليه أن يوزعه بين المستحقين له والمتحملين لمسؤوليته, وبالآخرة على المحتاجين إليه والمريدين له, وهم اليتامى والمساكين وأبناء السبيل (على المعنى الذي فهمناه للفهم الأول).

س13: فهمنا مما سبق: إن الشيء الواحد من العطاء مقسم خمسة أقسام لكل صنف من المذكورات قسم, مع أن الواقع إنها جميعاً لله عز وجل؟

ج : نعم هو كذلك, إلاّ أن هذا بالنظرة الأعلى. وأما بنظرة أدنى منه فهو موزع فعلاً بين هذه الأصناف.

س14 : وكيف ذلك ؟ هل يمكن الزيادة في الجواب؟

ج : يمكن أن نفهم معنى ذلك بأن: يكون كل صنف مالكاً للجميع وليس هذا من قبيل الملكية الفقهية ليستحيل تعلقها بالجميع, بل بمعنى تسبيب كل واحد منها بما هو أهله وبمقدار تأثيره في إيجاد هذا الشيء كله.

ويكفينا أن نلتفت إلى أنه يلزم من عدمهِ عدمه, أي أنه لو لا هذا التأثير لكان هذا الشيء منعدماً أو هذا العطاء زائلاً.

س15: فإن الآية قالت : { لِلَّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ } واللام تفيد الملكية لا التسبيب والعلية؟!

ج : إن العلة دائماً مالكة للمعلول, بل هي الملكية الواقعية, وليست الملكية الظاهرية إلا وهماً بإزائها. وقد قالوا في الفلسفة : (بأن المعلول يحتاج في وجوده وفي استمراره إلى العلة) إذن فالعلة مالكة ومسيطرة على معلولها ما دام المعلول موجوداً, ولا يمكنه أن ينفك عنها.

س16 : الآية ذكرت ستة عناوين مؤثرة, مع أنها ذكرت الخمس ولم تذكر السدس؟

ج : هذا له عدة أجوبة :

الجواب الأول: إرجاع العناوين الثلاثة الأخيرة إلى عنوان واحد ( المحتاج عموماً) فستندرج الثلاثة فيها, وذلك بقرينة ( عدم تكرار اللام فيما بينها).

إلاّ أن هذا لا يتم, لأن العناوين عموماً ستصبح أربعاً لا خمسةً فيتجدد الإشكال .

الجواب الثاني: أن نفهم انساب العطاء إلى الفاعل المسبب ونفهم (كما سبق في بعض الأجوبة) اقتصار التسبيب على الصنف الأول دون الصنف الثاني الذي أعتبر منفعلاً مستحقاً.

إلاّ أن هذا لا يتم أيضاً, لأن المؤثرات سوف تصبح ثلاثة لا خمسة.

فيعود الإشكال, ما لم يتم الجواب عليه من زاوية باطنية أخرى (ليس هنا محل لها).

الجواب الثالث: أن نحذف أحد العناوين الثلاثة المتأخرة, وقد أشرنا فيما سبق إلى أنه عنوان (اليتيم) بالرغم من كونه غنياً وعزيزاً في مجتمعه, يكون مستحقاً. فإنه إنما يكون مستحقاً بصفته فقيراً أو مسكيناً فيندرج تحته.

س17: إذن فلا ضرورة لتقدير لفظ (خمسه) مراراً بعد تكرار اللام الظاهرة {ولرسوله ولذي القربى ولليتامى} فإنه يكفي في تكرار العامل بالعطف؟!

ج : إننا إذا سلمنا بذلك خلافاً لما ذكرناه فيما سبق, فقد اقتربنا إلى الفهم المشهوري, ولكننا هنا فقط نريد أن نفهم من الغنيمة معنىً معنوياً مع الاحتفاظ بأن العناوين الستة المدرجة في الآية الكريمة هم الآخذين والمنفعلين, ولم نلاحظ فيهم جهة الفاعلية والتسبيب, لأنه مقتضى فهم المشهور هو ذلك.

س18: على ما تقدم, فما الذي يفهم من معنى (الغنيمة) ومعنى (خُمسها)؟

ج : يمكن أن نفهم من ذلك عدة أمور, هي:

 الأمر الأول: ما سبق أن ذكرناه من أن المراد منه (العطاء الإلهي) على كل أشكاله. فيراد من دفع الخمس: التسبيب إلى ذلك العطاء بالشكل المناسب له. فيكون الفاعل فيه هو الفرد وتلك العناوين منفعلة أو آخذه.

ومن هنا قيل: {إن القدم الأولى من العبد والباقي من الله}. وعلى أي حال, فيكون الفرد فاعلاً للخمس ومنفعلاً في غيره.

الأمر الثاني: ما يشمل الذات نفسها, فإنها أيضاً من عطاء الله سبحانه, وعندئذ فلا بدّ من دفع جزء منها لله عز وجل خصوصاً, ولكل هؤلاء المستحقين عموماً.

س19: على هذا فإنه ينبغي دفع كل الذات إليه سبحانه وليس خمسها أو كسر ضئيل منها؟

ج : هو كذلك, فإن تلك الأخماس الباقية هي لله سبحانه أكيداً, ولكن إنما يدفع الفرد بمقدار ما يشعر به من السيطرة على ذاته وقيادتها, وما هو إلا جزءاً ضئيلاً من الذات الكلية, فإذا رفعه إلى الله سبحانه كانت الذات كلها له سبحانه.

س20: وهل يراد بالخمس هنا تحديد كسر معين؟

ج : ينبغي الإتفات إلى أنه لا يراد بالخمس تحديد الكسر المعين, بل مطلق الكسر الضئيل الذي قد يختلف باختلاف الأفراد أنفسهم.

س21: أن الذات لا تدفع لغير الله سبحانه, فكيف نصت الآية الكريمة على خلاف ذلك؟

ج : إن الأمر كما قلت. إلاّ أن إعطاء الذات لله على غير مستوى إعطائها لغير الله ولو كان على غرار واحد ومستوى فارد لكان شركاً. غير أنها لله ولمن يأمر الله بحبه أو نفعه, فيُنفذ إرادة الله تعالى فيه. ولا شك أنه أمرَ بحب النبي وقرباه وبقضاء حاجة المحتاجين اقتصادياً ونفسياً وعقلياً وعلمياً.

كما أن الصنف الثاني في الآية مشترطاً بكونه هاشمياً عموماً أو علوياً خصوصاً كما دلت على ذلك السنة المعتبرة الشريفة و(للسنة أن تقيد القرآن الكريم).

س22: حسب التفسيرين السابقين, فهل نعتبر الصنف الثاني منفعلاً أم فاعلاً؟

ج : إذا اعتبرناه فاعلاًَ توقف فهم الآية على مقدمة مختصرة وحاصلها: إن الانتساب إما أن يكون نسبياً أو سببياً (أي تربوياً وعلمياً).

ونحن نعلم: أن الانتساب ألسببي أهم عند الله من الانتساب النسبي, بل هو الانتساب الحقيقي عقلياً وروحياً ونفسياً, وعليه تترتب الآثار المعنوية المهمة. وتدل على ذلك جملة النصوص, كقوله تعالى: {يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَيُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ} وهو إشارة إلى الولادة الاعتيادية, وإنما يختلف الولد عن أبيه بهذه الصفات باعتبار تربيته وثقافته التي هي الولادة المعنوية الأساسية.

ومن هنا قال تعالى عن أحد أولاد نوح عليه السلام: {إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ إِنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صَالِحٍ} فنفى الولادة النسبَية باعتبار عدم أهميتها تجاه الولادة السببية التي كانت منتفية تجاه نوح باعتبار فسق الولد وفساده.

س23: هل يصدق هذا وما ورد {اللهم العن بني أُمية قاطبة}؟

ج : يصدق ذلك, إذ ليس المراد من كان منهم نسباً, بل من كان منهم سبباً, وعندئذ لا يمكن أن يكون صالحاً أو لا يستحق اللعن, وأما إذا كان منهم نسباً ولم يكن منهم سبباًَ لم يستحق اللعن.  إذن فالعمدة الأهم هو الانتساب المعنوي لا النسبي, ومن هذا القبيل الانتساب إلى بني هاشم وإلى النسب العلوي الشريف فإنه إنما يكون بالجانب الأهم وهو (عالم المعنى).

فقد لا يكون هاشمياً نسباً ولكنه يصبح كذلك سبباً, وكذلك العكس. وهو ما إذا كان هاشمياً ولكن النسب الهاشمي بريء منه لتطرفه في العصيان والطغيان.

وهنا تبين جواب السؤال (السابق لهذا السؤال) فمن الحق أن يكون هذا الجانب أو هذا الصنف من الناس فاعلاً للخيرات وواسطة في فيض الله سبحانه.

س24: هذا الجانب أو هذا الصنف من الناس أهو فاعلاً أم منفعلاً؟

ج : إذا اعتبرناه فاعلاً, فأوضح مصداق لذلك هم المعصومون عليه السلام. إذ ورد أنهم {أبواب الله} و {أمناء الله} وإن إرادته تصدر من بيوتهم.

أما إذا اعتبرناه منفعلاً. فمن الواضح أن هذا الانتساب بأي معنى فهمناه هو الأحق بالنفع والانتفاع, لأن فيهم شرف النبوة والعصمة. وقد كان من العارفين من يقول: (إن النطفة النبوية تطهر ذات المولود) فيكون أكثر قابلية للتكامل وأكثر استحقاقا للعطاء. وهو معنى تكويني في الخلقة ناتج من المشيئة واللطف الإلهي.

س25: القول المذكور في الجواب السابق من أن النطفة النبوية مطهرة للذات. هل هو صادق تماماً؟

ج : هذا القول يمكن أن يفسر إلى تفسيرات كثيرة. كل ما في الأمر إنه يمكن اعتباره إشارة إلى النطفة النسبية من الفرد السوي الهاشمي. وإلاّ فالواقع يثبت خلاف ذلك كما تعرف.

س26: الفقراء من غير بني هاشم أضعاف فقراء بني هاشم, ومع ذلك فالمبالغ المرصودة لهم أضعاف المرصودة لغيرهم بالزكاة, ونحن قد عرفنا نسبة الزكاة تمثل جزء من أربعين جزء في حين أن الخمس نسبته العشرين بالمئة من مجموع المال؟!

ج : يمكن أن يجاب على هذا الأشكال على عدة مستويات منها:

أولاً: إننا لا ينبغي أن نلحظ النسبة بين الهاشميين وغيرهم في كل البشرية, بل في خصوص المسلمين المؤمنين فقط, فإذا لاحظنا أن نسبة التوالد بين الهاشميين متصاعداً نسبياً, كانت النسبة الفارقة بين الجماعتين أقل من المتصور بكثير.

ثانياً: إننا لا ينبغي أن نلحظ إعطاء الخمس من البشرية كلها, فإن هذا مما يخالف الواقع المعاش بين فئات المسلمين, فإن أغلبهم ليسوا من المسلمين حقيقة, ولا يؤمنون بدفع الزكاة ولا الخمس.

بل أن دفع الزكاة في المجتمع أوسع من دفع الخمس. إذا لاحظنا مذاهب المسلمين عموماً. مضافاً إلى إمكان التزام طبقة أكبر من الناس بها, لاعتبارها (أي الزكاة) أرخص من الخمس وأقل تكليفاً للمالك, فيكون وقعها على الناس أسهل.

من هنا يتضح : إن ما يجمع من الزكاة يقارب أو يزيد مما يجمع من أموال الخمس.

ثالثاً: أن نلحظ القوى المضادة في العالم الإسلامي والمسلمين. فإنها بلا شك مضادة للانتساب الهاشمي عامة والعلوي خاصة, سواء فهمنا منه, الانتساب المعنوي أو المادي, بل فيما إذا فهمنا منه الانتساب المعنوي كان أولى بذلك العداء (كما هو معلوم ومجرب). سواء كان الانتساب النسبي موجوداً للفرد أم لا.

وبهذا فسيكون الفرد منهم أحوج إلى المال وأحوج إلى زيادة المصرف لدفع أنواع البلاء وكفاية الشر مما قد يقع فيه من الفقر والمرض, أو مما يتوقع أن يقع فيه. في حين يكون سواهم من الأفراد أقل بلاء منهم بكثير. ومن هنا فهم أقل حاجة للمال بطبيعة الحال.

رابعاً: إننا فهمنا من الخمس والزكاة شكلاً من أشكال العطاء المعنوي لا المادي. فينبغي أن نفهم (إلى جنب ذلك) من الهاشمين وغيرهم الجانب المعنوي أيضاً (كما سبق أن ذكرناه).

س27: فهل يكون غير هاشمي مستحقاً للخمس المرصود لغير الهاشمي؟

ج : من الطبيعي أن لا يكون ذلك, لأنه سيكون أعلى مستوى, ومع اختلاف المستوى تتعذر التربية والهداية, فإن التربية دائماً يجب أن تكون في حدود ما يحتاجه الفرد ويتحمله.

س28 :على أي شيء أبتنى هذا الوجه؟

ج : هو مبني بلحاظ قول الفقهاء, حين قالوا إنه: (إن قل مورد الخمس من الهاشميين أمكن تعويضهم من الزكاة. وإن قل مورد الزكاة على غيرهم أمكن تعويضهم من الخمس. إذن, فالتخصيص على نحو التغليب وليس دائماً أكيداً.

س29: يتبين من هذا أن هنالك حكم ممنوع ومحرم شرعاً, فهل يمكن بيانه؟

ج : إن الحكم الممنوع والمحرم شرعاً هو :

أحداهما: تحريم دفع الزكاة من غير الهاشمي إلى الهاشمي (راجع كتاب الزكاة المعنوية بهذا الشأن) وأما العكس فلا مانع منه.

ثانيهما: تحريم دفع حصة الخمس التي تعود إلى الهاشميين إلى غيرهم, وهو نصف الخمس. وأما النصف الآخر الذي يعود إلى الإمام فهو مطلق من هذه الناحية.

س30: المنع بالنسبة للهاشمي وغيره هل يكون في الزكاة أم في الخمس؟

ج : مما سبق وجدنا في (جانب الخمس) منعاً عن غير الهاشميين. ووجدنا في (جانب الزكاة) منعاً عن الهاشميين أنفسهم. وليس أي منهما مستوعباً لصنفه. لا الزكاة كلها ولا للخمس كله, بل في كل منهما جانب عام يمكن أن يستوعب أي فرد هاشمياً كان أم لم يكن. وهذا هو المتحقق في الفهم المعنوي. كما هو متحقق هنا.

 

 

س31: إن سهم الهاشميين يجب حجبه عن العوام بـ(المعنى المعنوي), فكيف بسهم الإمام الذي لا بدّ أن يكون أعمق من ذلك وأهم. مع ملاحظة إنه لم يقل أحد بحرمة وصوله إلى العوام؟

ج : إن سهم الإمام عليه السلام لا يمكن أن يفهم من الناحية المعنوية (العلم الخاص) وإلاّ لم يتحمله أحد على الإطلاق, بل يجب أن يفهم منه ما يمكن للإمام أن يدفعه إلى الآخرين, من مساعدات وعنايات وهدايات , كل بحسب مقداره واستحقاقه.

وهذا يكفي للجزم بالقول بإمكان وصوله إلى كل أحد بهذا المقدار. وقد كان ديدن الأئمة عليهم السلام على ذلك جيل بعد جيل {نحن نحدث الناس على قدر عقولهم}.

س32 : أيمكننا أن نعرف شيء عن موارد وجوب الخمس أخلاقياً؟

ج : موارد الوجوب من الناحية الأخلاقية هي كما يلي:

(غنائم الحرب, المعدن, الكنز, الغوص, الأرض التي اشتراها الذمي من المسلم, المال الحلال المخلوط بالحرام, ما يفضل عن مؤمنة السنة).

س33: بعد أن فهمنا مما سبق وجوب دفع الخمس إلى من يستحقه نريدُ التعرف على الفهم الأخلاقي لكل هذه الموارد, فهل لنا ذلك؟

ج : نعم, يمكن أن نعطي هذه السبعة موارد فهماً أخلاقياً معيناً, فنقول:

اعلم؛ أنه لا يجوز أن تبقى هذه الموارد حكراً لصاحبها فإن التصدق بالشيء أو ببعضه نحواً من أنحاء  شكر نعمة الحصول عليه.

فغنائم الحرب هي: العطاء الذي يحصل نتيجةً لتعرض الفرد إلى البلاء الدنيوي الشديد, أياً كان نوعه ومصدره, فإنه على أي حال سيعيش نوعاً من الحرب النفسية والاقتصادية والفكرية مع البلاء, وهو منتج لا محالة للغنائم المعنوية والعطاء الحقيقي مع حسن التسديد والتوفيق.

أما المعدن فهو: ما أرتكز في النفس من ملكات مجهولة قد تتفجر وتُفصح من ذاتها بين عشية وضحاها.

ومثاله: من كان بعيداً عن الشعر والشعراء ولكنه فجأة يصبح من أحسن الشعراء في عمر متقدم, كالأربعين أو أكثر. وهذا يصدق على كثير من الملكات النفسية التي تتفجر وتظهر بعد أن كانت مجهولة لصاحبها فضلاً عن غيره, ومن ثم فهو يُفيد بها نفسه ويفيد الآخرين.

وأما الكنز فهو : المذخور من العلم في باطن النفس, أو ما يسمى بـ(اللاشعور أو الذاكرة) وقد يكون ذلك غزيراً, وقد يكون مهماً ومؤثراً. ولكنه منسي, وبروزه إلى عالم الوجود والإلتفات عند حصول سببه, فيفيد به الفرد الصالح نفسه والآخرين.

وأما الغوص فهو : حسب العرف الغوص في البحر لاستخراج اللؤلؤ والأجناس الثمينة. وفي المعنى قد نعتبر هذا البحر كلياً, وقد نعتبره جزئياً.

فإن كان كلياً, كان من جملة مصاديقه ومعانيه بمعنى الغوص في بحر العلم لاستخراج دُررِه ولئاليه ونتائجه وخلاصته, وهو بحر عميق قد لا يكون متناهياً (يضيع فيه السالك ويهلك فيه الهالك ويفوز فيه الفائز برحمة الله وتوفيقه).

وإن كان جزئياً فهو: الغوص إلى باطن النفس لاستخراج ملكاتها والإطلاع على بواطنها والوصول إلى مدارجها, سواء من الناحية العملية أو العقلية أو النفسية أو الروحية.

وأما المال الحلال المختلط بالحرام, فيمكن فهمه على مستوين:

المستوى الأول: العلم المحلل المختلط بالعلم المحرم مما قد يكسبه الفرد من المجتمع ومن كتب الضلال وأصدقاء السوء. ويكون دفع خمسه باستعماله العلم الحق في دفع العلم الباطل في هداية النفس وهداية الآخرين.

المستوى الثاني: العمل أو السلوك المحلل المختلط بالمحرم, ويكون دفع خمسه باستعمال السلوك المحلل لنفع الفرد نفسه معنوياً ونفع الآخرين والتنصل والتوبة عن السلوك المحرم.

وأما ما يفضل عن مؤنة السنة فهو: ما يفيض عن حاجة الفرد من العلم والعمل, فإن كان ذلك فهو كما يمكن نفع النفس به يمكن نفع الآخرين به, ومن الصحيح ما ورد :{عليكم بأعز الأنفس عليكم} وهي نفس الفرد, أو كما قال الشاعر:

ابدأ بنفسك فانهها عن غيها                   فإذا انتهت عنه فأنت حكيم

إذن فالاستحقاق الأولي هو العمل على تربية نفس الفرد وهدايته, وهذا هو المتعين لو نظرنا إلى كل من مصلحة الفرد ومصلحة الآخرين ومن لا هداية له لا يستطيع أن يهدي الآخرين {لا يهدي إلا أن يُهدى} وفاقد الشيء لا يعطيه.

س34: وكيف يصبح العلم أو الهداية زائداً أو فائضاً عن الحاجة؟

ج : إذا وصل الفرد إلى مرحلة معتداًَ بها أو مقبولة من الكمال العلمي أو العقلي أو الروحي فقد فاض الزائد عن حاجته وزاد عن مؤنته, فيجب أن يعطي جزاءً منه للآخرين ويبذله في مصالحهم, وهو حتماً لا يستطيع أن يعطي الجميع ولكنه يعطي البعض.

س35: وهل معنى ذلك أنه قد دفع الخمس؟

ج : نعم, هذا معنى دفع الخمس. وهذا مجرد فهم ظاهري, وإلاّ فإنه لا يعطي شيئاً أصلاً, لأنه لم ينقص من عمله أو مستواه شيء حين قام بتربية الآخرين, كما قال الإمام أمير المؤمنين سلام الله عليه: {المال تنقصه النفقة والعلم يزكو بالأنفاق} فالبذل منه يكون سبباً في زيادته لا نقصه.

وبتعبير آخر: إن نفع الآخرين سبب لنفع الفرد نفسه من عدة جهات لا محالة, بينما استفادة الآخرين من جهة واحدة.

وأما الأرض التي اشتراها الذمي من مسلم: فالذمي هو الداخل في ذمة الإسلام من غير المسلمين, بمعنى أن على المجتمع المسلم حمايته ورعايته.

ولا يدخل في الذمة إلاّ من كان تحت الرعاية والتربية فكل طالب فهو في ذمة أُستاذه وموجهه. وكل ولد فهو في ذمة والده, وكل عامل في ذمة مُديره وهكذا. يعني أن هؤلاء مسؤولون أمام الله سبحانه تجاه من هو في ذمتهم أكيداً.

س36: على هذا فما تكون الأرض؟

ج : إذا فهمنا من الأرض المستوى الثقافي أو العقلي الذي عليه الفرد. أمكننا عندئذ أن نفهم كيف أن هذا المستوى  انتقل من الكفيل إلى المكفول. (وحسب الإيضاح السابق) يكون بمعنى الانتقال من صاحب الذمة إلى من هو في ذمته, طبقاً للوفاء بما في الذمة من مسؤوليته, فيكون مصداقاً للمفهوم الذي نتكلم عنه وهو (الأرض التي اشتراها الذمي من المسلم).

س37: الذمي لم يأخذ الأرض مجاناً بل اشتراها من صاحبه الكفيل له. فما الذي نفهمه من الثمن ؟

ج : هذا له أحد معنيين:

الأول: أن نفهم من الثمن التعب المدفوع من قبل المكفول أو الطالب بإزاء تلقي العلم. فإن هذا التلقي موجب للتعب لا محالة, من العلم والدراسة معاً, وإلاّ لم يحصل شيء حقيقي.

الثاني: أن نفهم الإشارة مما سبق وما قلناه من أن (منح العلم موجب لاستفادة المانح) كما قال أمير المؤمنين عليه السلام: {العلم يزكو بالإنفاق}.

إذن فالمدرس لم يعطِ للطالب شيئاً إلاّ بعد أن أخذ منه شيئاً, وهو الثمن الذي يكون قد دفعه الطالب إلى مدرسه من حيث يعلم أو لا يعلم. وبهذا يكون هذا الوجه أفضل من الوجه السابق في فهم معنى الثمن.

س38: بعد فهمنا لمعنى الأرض وثمنها المدفوع, كيف نفهم خمسها؟

ج : اعلم؛ أن هذه الأرض التي وصلت إلى المشتري وهو الطالب, تحتاج إلى دفع الخمس من أجل أن تتطهر وتتزكى حق زكاتها وطهارتها. وذلك يفهم على أحد شكلين:

الأول: إما أن نفهم منه المزيد من العمل لتطهير نفسه وسلامة قلبه, بما فيه المزيد من العمل على تلقي العلم من المدرس.

الثاني: وإما أن نفهم منه لزوم إيصال هذا العلم إلى الآخرين وعدم احتكاره في باطن النفس.

كلما في الأمر, إن الفرد الآخر الجديد يجب أن يكون مستحقاً للعطاء لكي يعطيه.

وبذلك تبقى هذه الحركة مستمرة جيلاً بعد جيل. بذمة ومسؤولية غير قابلة للانقطاع.

س39: نأتي الآن إلى قول الفقهاء من كون: ( دفع الخمس منوطاً بإذن الإمام عليه السلام) ولكن يرد السؤال هنا عن الإمام عليه السلام وحصول الإذن. فكيف يكون ذلك؟

ج : لو اقتصرنا على هذه الفكرة بهذا المقدار, لأمكننا أن نفهم من الإمام ( الموجه أو المدرس) وبذلك يكون المعنى: إن الطالب لا حق له في تدريس الآخرين وتوجيهم ما لم يأخذ الإذن من مدرسه. وكلما كان هذا الأذن أوسع وأدق كان أفضل. فإنه يمكن أن يكون أحد مستويات هي:

المستوى الأول: إن هذا الطالب هل أصبح قابلاً لتدريس الآخرين أم لا ؟‍ فقد يؤذن له في الشروع بالتدريس أساساً, وقد لا يؤذن.

المستوى الثاني: إنه بعد تجاوز المستوى الأول والأذن بالتدريس, فهل هو فارغ الذمة ومطلق السراح في أن يدرس من يشاء, أو يجب عليه أن يستأذن في كل طالب جديد لديه.

المستوى الثالث: بعد تجاوز المستوى الثالث وحصول الإذن في طالب معين, فهل هو مطلق السراح من أن يقول له ما يشاء, أو أن يرجع إلى أُستاذه فيه التعيين.

س40: قال الفقهاء أيضاً: ( إنه مع تعذر الرجوع إلى الإمام عليه السلام والاستئذان منه, يتعين الرجوع في التصرف إلى نائبه العام أو الخاص) فكيف ذلك؟

ج : هذا يمكن أن يُفهم على عدة مستويات :

المستوى الأول: أن نفهم من الإمام عليه السلام ما يعبر عنه الفقهاء بـ(إمام الأصل) يعني المعصوم عليه السلام فتكون النتيجة: أن الجميع مسؤولون أصلاً بالرجوع إلى المعصومين سلام الله عليهم, فإن أمكن الرجوع إليهم بالمباشرة وجب. وإلاّ جاز الرجوع إلى من نصبوه لأجل هذه الوظيفة والعمل.

وهذا يكون بالعلم أولاً وبالإذن بالتربية ثانياً (أعني كون المدرس مؤهلاً لأداء هذه الوظيفة من حيث درجته وحصول الأذن له) وهو معنى الولاية.

فتتسلسل الولاية في الأجيال طبقاً للمسؤولية المشار إليها في جواب سابق.

المستوى الثاني: أن نفهم من الإمام شيخ الحلقة أو الحوزة أو مدير المدرسة (لو صح التعبير) فلا يمكن أن يعمل في هذه المدرسة شيء خارج عن إرادته.

المستوى الثالث: أن نفهم من الإمام (العقل) باعتبار ما ورد فيه من أنه {نبي من الداخل} فهو الإمام الباطني الذي يجب أن يعتمد عليه الفرد في كل تصرفاته وفي مراحل تكامله, لا أن يقدم طاعة نفسه وشهواته وحب دنياه, وبهذا ينوب العقل عن الإمام الأصل عند تعذر الرجوع إليه سلام الله عليه.

س41: هل المقصود من العقل هنا هو مطلق العقل أم شيء آخر؟

ج : اعلم؛ أن الفرد في مراحل سيره الكمالي يمر بمدارج ومستويات تختلف الواحدة عن الآخرة من حيث الاستعداد والاستحقاق, أو من حيث مرتبته الكمالية التي هو عليها في كل مدرج, ويمكن أن تكون تلك المراتب كما يلي:

الأولى: النفس, باعتبار انقياد العقل لها بالكلية, فهنا هو عقلٌ ماديّ صرف وهو (الذهن).

الثانية: القلب, من حيث انفلات جزء من العقل من سيطرة النفس, وهنا يمكن أن يسمى بـ(محل العواطف القلبية), ولكن بالرغم من هذا فهو مازال متأثراً بالنفس, فيكون كما في المرتبة الأولى.

الثالثة: العقل, أن يكون العقل هنا عقلاً نظرياً متجرداً عن سيطرة النفس و القلب معاً , وهذا يكون في بداية هذه المرتبة إلى أن ينتهي إلى أن يكون العقل الفعال أو ما يعبر عنه بـ(فلك القمر) أو (جبرئيل) فالتفت.

الرابعة: الروح, وهنا يصبح العقل عقلاً كلياً, وهو الذي يطلق عليه بـ(النبي الداخلي) على التحقيق, وبالتالي فالأولى انطباق تسميته (إمام الأصل). وإلى هنا ينقطع الكلام ويصاب اللسان بالخرس.

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

والحمد لله أولاً وآخراً وظاهراً وباطناً

 

 

 

  

           

        بسم الله الرحمن الرحيم

{وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ إِنْ كُنْتُمْ آمَنْتُمْ بِاللَّهِ وَمَا أَنْزَلْنَا عَلَى عَبْدِنَا يَوْمَ الْفُرْقَانِ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ}                  صدق الله العلي العظيم

 

 

الفصل الأول

 

س1: ذكرت الآية المباركة (أصناف) مستحقي الخمس, وكان الله سبحانه أحد تلك الأصناف, فما علاقته سبحانه وتلك الأصناف؟

ج : قد فسرت السُنة الشريفة هذه الأصناف في الآية المباركة بأن: ما كان لله فهو لرسوله, وما كان للرسول فهو لذي القربى وهو الإمام المعصوم عليه السلام, وما كان للإمام فهو لنائب الإمام  القائل بالولاية الخاصة والعامة.

وما كان لليتامى والمساكين وابن السبيل فهو مشروط بأن يكونوا من بني هاشم, ولا يجوز إعطاؤه لغيرهم (كما لا يجوز إعطاء الزكاة إليهم) فلاحظ!

س2 : وهل الآية تدل على وجوب الدفع أم على الملكية؟

ج : لا تدل الآية على وجوب الدفع, بل على ملكيتهم في العين بهذا المقدار من الكسر العشري. وعليه فيجب دفع ما يملكونه إليهم, بمعنى أن المستحق هو المالك الأصلي لذلك الجزء وليس الدافع, من حيث أنه يجب إيصال كل مُلك إلى مالكه.

س3 : ما المراد من الغنيمة؟

ج : فسرت السنة المعتبرة الغنيمة بـ(مطلق الغنيمة), يعني: كلُ مالٍ يدخل في ملكية الإنسان مجدداً, ولا تكون خاصة بالغنائم الحربية الجهادية .

س4 : هل يعني ذلك شمول الغنيمة للهدية وأرباح السنة وغيرها؟

ج : هي كذلك أصلاً.

س5 : الآن, هل يُمكن التقدم خطوة واحدة إلى باطن الآية لكي نستفيد من الجهة الأخلاقية؟

ج : مثل هذا الباطن يحتاج إلى مفتاح يدل عليه, وطريق يوصل إليه. وأهم تلك الطرق وأسهلها هو: إظهار فشل الفهم الظاهري للآية لينسحب عن الميدان, ويحل محله الفهم الآخر الذي يصبح عند ذاك مُبَرهناً ومفهوماً أيضاً. إذ يمكن أن يرد على الفهم المشهوري للفقهاء بعض الإيرادات  :

الوجه الأول : بيان الوجه في فتح همزة (أن) في قوله تعالى { فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ } فإن ذلك يبقى بلا وجه في هذا الفهم المشهوري, وكل فهم أوصلنا إلى تفسير ذلك يكون هو الأولى والأوفق بظاهر القرآن الكريم.

الوجه الثاني : إن العطف يكون حسب القواعد بـ( تقدير تكرار العامل) فما هو العامل المكرر بالعطف في قوله تعالى { وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى }؟

فإن قُلت : هو اللام.

قُلنا : كلا, فإن هذا ظاهر وليس بمقدر, فنحتاج إلى عامل مقدر غيره.

فقد تقول: إن المقدر هو المبتدأ أو أسم (إن), يعني : وخمسه للرسول وخمسه لذي القربى.

وعندئذ يكون من الممكن أن كل هذه الأخماس على كونها خمساً واحداً, بل يتعين أن يكون متعدداً على إيضاح (سيأتي بعونه تعالى).

س6: إن الظاهر هو: تكرار نفس المدلول, فلا يكون المراد منه متعدداً؟!

ج : لو كان هكذا للزم تعدد ملكية المال الواحد لمالكين متعددين (وهو محال فقهياً), إلاّ أن يُحمل على معنى قد نشير إليه في الأوجه التالية.

الوجه الثالث: إنه قال: { إِنْ كُنْتُمْ آمَنْتُمْ } وهي جملة شرطية, وفعل الشرط موجود. وأما جوابها فيعرف مما قبله, أي { ّفلِلَّهِ خُمُسَهُ } وهذا مُتعين على القاعدة.

 ومعنى ذلك: إنكم إذا لم تكونوا آمنتم فليس لله خمسه, أو أن الحكم بوجوب دفع الخمس غير ثابت, لأن المشروط لزم عند عدم الشرط, وهذا غير محتمل فقهياً.

......................................................................................

 إنما نذكر هذه الاستدلالات والوجوه لكي يتضح المعنى المراد من الآية المباركة, وذلك بتجريدها من المعنى الظاهري, وثبوت المعنى الباطني, لإثبات وتحقق المعاني الباطنية للآيات الكتاب.  

الوجه الرابع: علاقة الخمس بالقتال, فإنه يقول: { يَوْمَ الْفُرْقَانِ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ } فيختص الخمس بغنيمة الحرب,

وهو على خلاف مشهور فقهائنا.

فإن قلت: فإن فُسر بالأخبار المُعتبرة بكل غنيمة؟!.

قُلنا: إذا اقتصرنا على هذا المقدار من التفكير لم تكن هذه الأخبار معتبرة, لأنها مخالفة لظاهر القرآن, وما خالف القرآن سقط عن الحجية.

س7: فلأي من هذه الوجوه الأربعة, فضلاً عن الجميع يكون فهمنا للآية الكريمة؟

ج : هنا لا بدّ أن نستأنف فهماً جديداً للآية الكريمة, مع اعترافنا بأن ظاهرها المشهوري هو الصحيح والمتعين فقهياً.

وهنا أيضاً ينبغي أن نلتفت إلى فكرة مقابلة لتلك الفكرة الموجودة في السنة الشريفة والتي تقول: {ما كان لله فهو للرسول وما كان للرسول فهو للإمام} وهذا صحيح, إلاّ أننا مع ذلك يمكن أن نقول العكس من حيث أن: ما كان لليتامى والمساكين وابن السبيل فهو للإمام, وما كان للإمام فهو للرسول, وما كان للرسول فهو لله.

فرجعت الأشياء كلها لله سبحانه فأن بيده {وَإِلَيْهِ يُرْجَعُ الْأَمْرُ كُلُّهُ}.

س8: وما المعنى الذي يمكن فهمه من الآية المباركة؟

ج : يكون المعنى المختصر للآية الكريمة: (أن كل غنيمة وعطاء ظاهري ومعنوي أو دنيوي وأخروي فهو لله سبحانه في المرتبة الأولى والأعلى والأكثر واقعية).

س9 : إذاً من هو الفاعل والمؤثر؟ ومن هو المنفعل والآخذ؟

ج : إن تنزلنا عما قلنا في الجواب السابق والذي قبله قلنا : أن ملكيته مقسمة خمسة أقسام (لله, و للرسول, و لذي القربى, و للمساكين, و لأبناء السبيل) أما اليتامى فيمكن إدراجهم ضمن المساكين. فيقسم جميع ذلك بين هؤلاء الخمسة بصفتهم فاعلين ومؤثرين لا بصفتهم منفعلين وأخذين (كما هو ظاهر الشريعة) وهذا كما ذكرنا في الوجه الثاني السابق.

س10: هل يمكن إعطائنا بياناً أكثر عن ذلك؟

ج : ذلك ممكن, إذ يمكننا أن نفهم منه: أن كلي العطاء منوط بهذه المؤثرات أو الأسباب الخمسة (كلٌ بحياله واستقلاله) بحيث يصلح أي واحد منها أن يكون مؤثراً.

وهذا العطاء (التأثير) أيضاً يحتاج من جانب الفرد إلى مزيتين لا يمكن أن يناله بدونهما وهما:

(الإيمان والجهاد) بمعناهما الظاهري أو الباطني. ومن هنا يرتبط صدر الآية بنهاياتها {إِنْ كُنْتُمْ آمَنْتُمْ.......... َيوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ}.

س11: نقف هنا ونسأل سؤالاً هو: أما تسبيب الله ورسوله فقد عرفناه لأنه تعالى يقول: {أَنْ أَغْنَاهُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ مِنْ فَضْلِهِ} فما هو الوجه في تسبيب المساكين وأبناء السبيل وأضرابهم؟

ج : أقول: إن الآية ميزت بين الصنفين, فصنف اعتبرته المسبب الأعلى, وهم الثلاثة الأوائل في الآية, وصنف اعتبرته المسبب الأدنى, وهم الثلاثة المتأخرون فيها. بدليل عدم تكرار (اللام) وتغير السياق اللفظي.

س12 : كيف يمكن أن نفهم الصنف الثاني هنا؟

ج : يمكن فهم على فهمين:

الفهم الأول: كونه من ضمن المسببين والمؤثرين كما سبق, وذلك بأن نحمل المعنى على كونه إشارة إلى الفرد المعطي نفسه, من حيث أنه لا يكتسب صفة الاستحقاق للعطاء إلاّ إذا اتصف بكونه من الفقراء وأبناء السبيل.

أما كونه ابن السبيل, فلانقطاعه عن الأسباب الدنيوية وخروج حب الدنيا من قلبه.

وأما كونه يتيماً فليأسه من المخلوقين, وإن الأب المربي والمدرس المربي ليس لهم تأثير حقيقي ما لم يكن الله سبحانه هو الواهب والموفق.

ومن هنا كان الصنف الأول في الآية هو الفاعل الحقيقي, وكان الصنف الثاني فيها متمم الاستحقاق للعطاء.

أو قل إن الأول يمثل المقتضي والثاني يمثل المانع (باصطلاح الفلاسفة).

الفهم الثاني: أن نعتبر الصنف الأول الصنف الفاعل والمؤثر فقط, والصنف الثاني هو الطرف المنفعل والآخذ. باعتبار أن العطاء الذي يأتي إلى المؤمن يجب أن لا يكون حكراً عليه, بل يجب عليه أن يوزعه بين المستحقين له والمتحملين لمسؤوليته, وبالآخرة على المحتاجين إليه والمريدين له, وهم اليتامى والمساكين وأبناء السبيل (على المعنى الذي فهمناه للفهم الأول).

س13: فهمنا مما سبق: إن الشيء الواحد من العطاء مقسم خمسة أقسام لكل صنف من المذكورات قسم, مع أن الواقع إنها جميعاً لله عز وجل؟

ج : نعم هو كذلك, إلاّ أن هذا بالنظرة الأعلى. وأما بنظرة أدنى منه فهو موزع فعلاً بين هذه الأصناف.

س14 : وكيف ذلك ؟ هل يمكن الزيادة في الجواب؟

ج : يمكن أن نفهم معنى ذلك بأن: يكون كل صنف مالكاً للجميع وليس هذا من قبيل الملكية الفقهية ليستحيل تعلقها بالجميع, بل بمعنى تسبيب كل واحد منها بما هو أهله وبمقدار تأثيره في إيجاد هذا الشيء كله.

ويكفينا أن نلتفت إلى أنه يلزم من عدمهِ عدمه, أي أنه لو لا هذا التأثير لكان هذا الشيء منعدماً أو هذا العطاء زائلاً.

س15: فإن الآية قالت : { لِلَّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ } واللام تفيد الملكية لا التسبيب والعلية؟!

ج : إن العلة دائماً مالكة للمعلول, بل هي الملكية الواقعية, وليست الملكية الظاهرية إلا وهماً بإزائها. وقد قالوا في الفلسفة : (بأن المعلول يحتاج في وجوده وفي استمراره إلى العلة) إذن فالعلة مالكة ومسيطرة على معلولها ما دام المعلول موجوداً, ولا يمكنه أن ينفك عنها.

س16 : الآية ذكرت ستة عناوين مؤثرة, مع أنها ذكرت الخمس ولم تذكر السدس؟

ج : هذا له عدة أجوبة :

الجواب الأول: إرجاع العناوين الثلاثة الأخيرة إلى عنوان واحد ( المحتاج عموماً) فستندرج الثلاثة فيها, وذلك بقرينة ( عدم تكرار اللام فيما بينها).

إلاّ أن هذا لا يتم, لأن العناوين عموماً ستصبح أربعاً لا خمسةً فيتجدد الإشكال .

الجواب الثاني: أن نفهم انساب العطاء إلى الفاعل المسبب ونفهم (كما سبق في بعض الأجوبة) اقتصار التسبيب على الصنف الأول دون الصنف الثاني الذي أعتبر منفعلاً مستحقاً.

إلاّ أن هذا لا يتم أيضاً, لأن المؤثرات سوف تصبح ثلاثة لا خمسة.

فيعود الإشكال, ما لم يتم الجواب عليه من زاوية باطنية أخرى (ليس هنا محل لها).

الجواب الثالث: أن نحذف أحد العناوين الثلاثة المتأخرة, وقد أشرنا فيما سبق إلى أنه عنوان (اليتيم) بالرغم من كونه غنياً وعزيزاً في مجتمعه, يكون مستحقاً. فإنه إنما يكون مستحقاً بصفته فقيراً أو مسكيناً فيندرج تحته.

س17: إذن فلا ضرورة لتقدير لفظ (خمسه) مراراً بعد تكرار اللام الظاهرة {ولرسوله ولذي القربى ولليتامى} فإنه يكفي في تكرار العامل بالعطف؟!

ج : إننا إذا سلمنا بذلك خلافاً لما ذكرناه فيما سبق, فقد اقتربنا إلى الفهم المشهوري, ولكننا هنا فقط نريد أن نفهم من الغنيمة معنىً معنوياً مع الاحتفاظ بأن العناوين الستة المدرجة في الآية الكريمة هم الآخذين والمنفعلين, ولم نلاحظ فيهم جهة الفاعلية والتسبيب, لأنه مقتضى فهم المشهور هو ذلك.

س18: على ما تقدم, فما الذي يفهم من معنى (الغنيمة) ومعنى (خُمسها)؟

ج : يمكن أن نفهم من ذلك عدة أمور, هي:

 الأمر الأول: ما سبق أن ذكرناه من أن المراد منه (العطاء الإلهي) على كل أشكاله. فيراد من دفع الخمس: التسبيب إلى ذلك العطاء بالشكل المناسب له. فيكون الفاعل فيه هو الفرد وتلك العناوين منفعلة أو آخذه.

ومن هنا قيل: {إن القدم الأولى من العبد والباقي من الله}. وعلى أي حال, فيكون الفرد فاعلاً للخمس ومنفعلاً في غيره.

الأمر الثاني: ما يشمل الذات نفسها, فإنها أيضاً من عطاء الله سبحانه, وعندئذ فلا بدّ من دفع جزء منها لله عز وجل خصوصاً, ولكل هؤلاء المستحقين عموماً.

س19: على هذا فإنه ينبغي دفع كل الذات إليه سبحانه وليس خمسها أو كسر ضئيل منها؟

ج : هو كذلك, فإن تلك الأخماس الباقية هي لله سبحانه أكيداً, ولكن إنما يدفع الفرد بمقدار ما يشعر به من السيطرة على ذاته وقيادتها, وما هو إلا جزءاً ضئيلاً من الذات الكلية, فإذا رفعه إلى الله سبحانه كانت الذات كلها له سبحانه.

س20: وهل يراد بالخمس هنا تحديد كسر معين؟

ج : ينبغي الإتفات إلى أنه لا يراد بالخمس تحديد الكسر المعين, بل مطلق الكسر الضئيل الذي قد يختلف باختلاف الأفراد أنفسهم.

س21: أن الذات لا تدفع لغير الله سبحانه, فكيف نصت الآية الكريمة على خلاف ذلك؟

ج : إن الأمر كما قلت. إلاّ أن إعطاء الذات لله على غير مستوى إعطائها لغير الله ولو كان على غرار واحد ومستوى فارد لكان شركاً. غير أنها لله ولمن يأمر الله بحبه أو نفعه, فيُنفذ إرادة الله تعالى فيه. ولا شك أنه أمرَ بحب النبي وقرباه وبقضاء حاجة المحتاجين اقتصادياً ونفسياً وعقلياً وعلمياً.

كما أن الصنف الثاني في الآية مشترطاً بكونه هاشمياً عموماً أو علوياً خصوصاً كما دلت على ذلك السنة المعتبرة الشريفة و(للسنة أن تقيد القرآن الكريم).

س22: حسب التفسيرين السابقين, فهل نعتبر الصنف الثاني منفعلاً أم فاعلاً؟

ج : إذا اعتبرناه فاعلاًَ توقف فهم الآية على مقدمة مختصرة وحاصلها: إن الانتساب إما أن يكون نسبياً أو سببياً (أي تربوياً وعلمياً).

ونحن نعلم: أن الانتساب ألسببي أهم عند الله من الانتساب النسبي, بل هو الانتساب الحقيقي عقلياً وروحياً ونفسياً, وعليه تترتب الآثار المعنوية المهمة. وتدل على ذلك جملة النصوص, كقوله تعالى: {يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَيُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ} وهو إشارة إلى الولادة الاعتيادية, وإنما يختلف الولد عن أبيه بهذه الصفات باعتبار تربيته وثقافته التي هي الولادة المعنوية الأساسية.

ومن هنا قال تعالى عن أحد أولاد نوح عليه السلام: {إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ إِنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صَالِحٍ} فنفى الولادة النسبَية باعتبار عدم أهميتها تجاه الولادة السببية التي كانت منتفية تجاه نوح باعتبار فسق الولد وفساده.

س23: هل يصدق هذا وما ورد {اللهم العن بني أُمية قاطبة}؟

ج : يصدق ذلك, إذ ليس المراد من كان منهم نسباً, بل من كان منهم سبباً, وعندئذ لا يمكن أن يكون صالحاً أو لا يستحق اللعن, وأما إذا كان منهم نسباً ولم يكن منهم سبباًَ لم يستحق اللعن.  إذن فالعمدة الأهم هو الانتساب المعنوي لا النسبي, ومن هذا القبيل الانتساب إلى بني هاشم وإلى النسب العلوي الشريف فإنه إنما يكون بالجانب الأهم وهو (عالم المعنى).

فقد لا يكون هاشمياً نسباً ولكنه يصبح كذلك سبباً, وكذلك العكس. وهو ما إذا كان هاشمياً ولكن النسب الهاشمي بريء منه لتطرفه في العصيان والطغيان.

وهنا تبين جواب السؤال (السابق لهذا السؤال) فمن الحق أن يكون هذا الجانب أو هذا الصنف من الناس فاعلاً للخيرات وواسطة في فيض الله سبحانه.

س24: هذا الجانب أو هذا الصنف من الناس أهو فاعلاً أم منفعلاً؟

ج : إذا اعتبرناه فاعلاً, فأوضح مصداق لذلك هم المعصومون عليه السلام. إذ ورد أنهم {أبواب الله} و {أمناء الله} وإن إرادته تصدر من بيوتهم.

أما إذا اعتبرناه منفعلاً. فمن الواضح أن هذا الانتساب بأي معنى فهمناه هو الأحق بالنفع والانتفاع, لأن فيهم شرف النبوة والعصمة. وقد كان من العارفين من يقول: (إن النطفة النبوية تطهر ذات المولود) فيكون أكثر قابلية للتكامل وأكثر استحقاقا للعطاء. وهو معنى تكويني في الخلقة ناتج من المشيئة واللطف الإلهي.

س25: القول المذكور في الجواب السابق من أن النطفة النبوية مطهرة للذات. هل هو صادق تماماً؟

ج : هذا القول يمكن أن يفسر إلى تفسيرات كثيرة. كل ما في الأمر إنه يمكن اعتباره إشارة إلى النطفة النسبية من الفرد السوي الهاشمي. وإلاّ فالواقع يثبت خلاف ذلك كما تعرف.

س26: الفقراء من غير بني هاشم أضعاف فقراء بني هاشم, ومع ذلك فالمبالغ المرصودة لهم أضعاف المرصودة لغيرهم بالزكاة, ونحن قد عرفنا نسبة الزكاة تمثل جزء من أربعين جزء في حين أن الخمس نسبته العشرين بالمئة من مجموع المال؟!

ج : يمكن أن يجاب على هذا الأشكال على عدة مستويات منها:

أولاً: إننا لا ينبغي أن نلحظ النسبة بين الهاشميين وغيرهم في كل البشرية, بل في خصوص المسلمين المؤمنين فقط, فإذا لاحظنا أن نسبة التوالد بين الهاشميين متصاعداً نسبياً, كانت النسبة الفارقة بين الجماعتين أقل من المتصور بكثير.

ثانياً: إننا لا ينبغي أن نلحظ إعطاء الخمس من البشرية كلها, فإن هذا مما يخالف الواقع المعاش بين فئات المسلمين, فإن أغلبهم ليسوا من المسلمين حقيقة, ولا يؤمنون بدفع الزكاة ولا الخمس.

بل أن دفع الزكاة في المجتمع أوسع من دفع الخمس. إذا لاحظنا مذاهب المسلمين عموماً. مضافاً إلى إمكان التزام طبقة أكبر من الناس بها, لاعتبارها (أي الزكاة) أرخص من الخمس وأقل تكليفاً للمالك, فيكون وقعها على الناس أسهل.

من هنا يتضح : إن ما يجمع من الزكاة يقارب أو يزيد مما يجمع من أموال الخمس.

ثالثاً: أن نلحظ القوى المضادة في العالم الإسلامي والمسلمين. فإنها بلا شك مضادة للانتساب الهاشمي عامة والعلوي خاصة, سواء فهمنا منه, الانتساب المعنوي أو المادي, بل فيما إذا فهمنا منه الانتساب المعنوي كان أولى بذلك العداء (كما هو معلوم ومجرب). سواء كان الانتساب النسبي موجوداً للفرد أم لا.

وبهذا فسيكون الفرد منهم أحوج إلى المال وأحوج إلى زيادة المصرف لدفع أنواع البلاء وكفاية الشر مما قد يقع فيه من الفقر والمرض, أو مما يتوقع أن يقع فيه. في حين يكون سواهم من الأفراد أقل بلاء منهم بكثير. ومن هنا فهم أقل حاجة للمال بطبيعة الحال.

رابعاً: إننا فهمنا من الخمس والزكاة شكلاً من أشكال العطاء المعنوي لا المادي. فينبغي أن نفهم (إلى جنب ذلك) من الهاشمين وغيرهم الجانب المعنوي أيضاً (كما سبق أن ذكرناه).

س27: فهل يكون غير هاشمي مستحقاً للخمس المرصود لغير الهاشمي؟

ج :




"لا يتحمّل مكتوب أيّة مسؤوليّة عن المواد الّتي يتم عرضها و/أو نشرها في مدوّنات مكتوب. ويتحمل المستخدمون بالتالي كامل
المسؤولية عن كتاباتهم وإدرجاتهم التي تخالف القوانين أو تنتهك حقوق الملكيّة أو حقوق الآخرين أو أي طرف آخر."