محتويات الإدراج الذي تريد إرساله:
القاعات الذكية وإبداعية التدريس
القاعات الذكية وإبداعية التدريس
من أجل رؤية متطورة في مناهج التربية و التعليم
إذا كان التدريس هو محور التعليم وعصبه،و إذا كان التعليم هو أساس التنمية والتغيير والبناء؛ فإن العقل هو موضوعه ومادته وأداته؛ ومن ثم كان تشكيل العقل وتزويده بمناهج التفكير الإبداعي وتقنيات الاتصال والتداول الإلكتروني للمعارف والعلوم من أعظم أولويات التنمية البشرية.
ولاشك أن أول ما يجب أن تنصب عليه برامج التطوير والتخطيط و الإصلاح هو التدريس التربوي الإبداعي التقني؛ وذلك أن المعلم أو المربي أو عضو هيئة التدريس لم يعد جهده التقليدي في نقل المعلومات والمعارف عبر المناهج الدراسية إلى قاعات الدرس مجديا و لا محققا الطموح العلمي والتربوي ولا ملبيا لمتطلبات البيئات التربوية والأكاديمية ذات الإيقاع المتسارع والتطورات الحثيثة في عالم العلم والمعلومات والتقنيات والشبكات الإلكترونية والأساليب الحديثة في التربية والتعليم والتواصل والاتصال، بل أصبح من الواجب إدخال مهارات جديدة واسعة المدى، عميقة التأثير، قوية التفاعل، هي تعليم التعلم بدلا من تعليم العلم، والبحث المنهجي عبر الوسائل التقنية مما يختصر الوقت والجهد ويجعل المتعلم متطلعا إلى مزيد من التفكير والبحث والإبداع.
ومن الجدير بالذكر أن الطرق التقليدية في التدريس القائمة على آليتي الإلقاء والاستجواب لم تعد كافية اليوم؛ حيث كان المدرس أو المعلم يهيمن داخل القاعات والمختبرات على الأنشطة، ويكون هو وحده مصدرا للمعرفة ومناهج التعليم، ويكون دور الطالب هو فقط الاستماع والتلقي، بل إن التطور العلمي والتربوي والتقني في العالم اليوم قد أبدع طرائق جديدة في التداول المعرفي والتواصل الثقافي تجاوزت كون المدرس مقدما للدروس والشروح والمحاضرات إلى كونه مديرا لحلقات النقاش والمحاورة، و هكذا يتركز دوره في خلق الروح الإبداعية وطرائق التفكير والمبادرات الجديدة لدى الطلاب كما يدرك من خلال معايشته النفسية والتربوية لطلابه، أهم المشكلات والحالات ويبحث لها عن الحلول الصحيحة ويدفع بالطلاب إلى تحريك العقول واختراع الحلول وإيجاد البدائل حتى تكون الرغبة في حل المشكلات والسيطرة على آثارها هي الباعث الأول في التعلم والاكتشاف، جمعا بين التفكير والتجريب والتوصيف واكتشاف المواهب ورصد العلل وصولا إلى الحلول المفترضة واختبارا لها في الواقع وانتهاء بتطبيق الحلول المناسبة والمعالجات الضرورية.
يقول الباحث خير الله عصار في كتابه" مدخل إلى قضايا التعليم"
"إن طريقة حل المشكلات تعتبر إحدى الطرق الفعالة في التعليم مهما كانت مرحلته وتكمن فعاليتها في:
أ-أنها تدفع الطالب إلى المحاكاة العقلية.
ب_ أنها تجعله يتعلم بنفسه معتمدا على قدراته.
ج_ أنها في جوهرها تشتمل على الخطوات الأساسية للقيام بالبحث العلمي".
وليس المنهاج المعتمد على حل المشكلات إلا أنموذجا تطبيقيا لما تحتاجه مدارسنا ومراكزنا وجامعاتنا من طرائق ومبتكرات؛ مما يجعلنا نتساءل على الشاكلة التالية : ما جدوى الأساليب التقليدية في هذا العصر ؟ وهل مازالت أساليب التحضير والإعداد والعمليات الصفية إنتاجا وتقديما للدروس والمحاضرات بمحتواها العلمي، ومراعاة عناصر العملية كالتلخيص والاختتام ومراجعة ما سبق والإشارة إلى الدروس القادمة وتوزيع الواجبات على الطلاب، هي المدار الجوهري للعمل التربوي التدريسي؟ أم أن العصر الإلكتروني جاء بأدواته النوعية الجديدة وأحدث نقلة كبرى في عالم المعرفة والمعلومات؛ حيث القاعات الذكية وشبكة الإنترنت وسيولها المعرفية الجارفة ومناهج التفكير الإبداعية وطرائق التعلم الذاتي ومهارات التواصل والتداول المعرفي وتطوير القدرات وتوظيف أدوات التحليل النفسي والضبط الإداري الإلكتروني، وغير ذلك من الآليات والمكتسبات التي يجب أن تكون تجارب ميدانية مطبقة في حياة المعلم أو المربي أو عضو هيئة التدريس أو القادة الإداريين إنْ على المستوى الفردي وإنْ على مستوى القيادات المؤسسية.
وهنا نتساءل متى يكون المعلم أو عضو هيئة التدريس قائدا تربويا مبدعا؟ وكيف يسهم في تطوير ذاته ومؤسسته؟ ومتى تكون جامعاتنا مؤسساتنا وأجهزتنا الإدارية تشجع المبادرات الذاتية وتكرم أصحابها معنويا وماديا بدلا من مضايقتهم والاتجاه نحو عقوبتهم؟ ومتى تعترف الأجهزة الإدارية في عالمنا العربي والإسلامي بأصحاب الشهادات الأكاديمية العليا والخبرات العلمية والبحثية وتعطيهم حقوقهم المعنوية والمادية ؟ ومتى تدفع بهم إلى مواطن التفكير الإبداعي وفرص الابتكار الذاتي و إنتاج الأفكار والمبادرات والإستراتيجيات وتقديم المقترحات والأفكار التغييرية ؟ ومتى تتوافر في أوطاننا العربية والإسلامية البيئات الأكاديمية والتربوية والعلمية المتطورة والفعالة والمبدعة التي تشجع علماءنا المغتربين في ديار الغرب على العودة إلى أوطانهم للاستفادة من خبراتهم وإبداعاتهم ومبادراتهم ومشاريعهم الثقافية والعلمية والتقنية؟ ومتى ينال القادة العلميون والتربويون في كافة المستويات مكانتهم العلمية وتقديرهم المعنوي والمادي وعلى رأسهم المعلم الذي يشرف على وضع الأساسات لكل الناشئة؟
إن المدرس سواء كان معلما أو أستاذا جامعيا قائد تربوي لتشكيل اتجاهات الرأي وتنمية المواهب وصناعة الحياة، وأثره في الأفراد يصبح مع مرور الأيام أثرا في المجتمع كله. وليس كل معلم أو أكاديمي يكون على النمط، بل إنه نوع خاص من المعلين والمدرسين الأكاديمين، إنه المعلم الموهوب المطبوع على التربية والتعليم والمتمرس بطرائق التدريس ونظرياته، بحيث أصبحت تلك الطرائق مهارات مستقرة في طبعه وحياته، لا المعلم المصنوع الذي يصنع صناعة، ويجعل من التعليم فقط وسيلة لكسب الرزق.
إنه المعلم أو الأكاديمي الذي يتميز بمواهب إبداعية خاصة ترقى به إلى مصاف القادة التربويين الذين يتركون أثرهم الواضح الجلي في المؤسسات التعليمية إدارة وناشئين.
|