المدونات في :

أرسل الإدراج التالي


اســمك مطلوب
بريدك الإلكتروني مطلوب
بريد صديقك الإلكتروني مطلوب
الرسالة 300 حرف كحد أعلى

محتويات الإدراج الذي تريد إرساله:
دور الداعية في إصلاح العقيدة والعبادة

 

دور الداعية في إصلاح العقيدة والعبادة
 
:   الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله صلى الله عليه وسلم وبعد
 
فعلى الداعية المسلم أن يدرك ضرورة الدعوة ووجوبها, لأن القرآن والسنة قد نصا على ذلك, وأوضحاه تمام
 
 الايضاح ونحن نقول كذلك, إن الدعوة إلى الكتاب والسنة قولاً وعملاً, فهمًا وتطبيقًا, ليست من ضروب
 
 التطوع, كلا  بل هي فرض على كل مسلم مكلف, لأنها دعوة إلى الله ورسوله, وهي دعوة إلى الاعتصام
 
 بالإسلام كله في عقائده وعباداته, وفي سلوكه وأخلاقه, وفي حياته ومعاملاته, فهي لازمة على المسلم, وهي
 
 كذلك جزء كبير من حمله رسالة التوحيد والهدي إلى جميع الخلق كل على قدر استطاعته وفي حدود إمكانياته
 
 المتاحة, وعلى قدر فهمه وعلمه, قال الله تعالى: "قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَن اتَّبَعَنِي
 
 وَسُبْحَانَ اللهِ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ" [يوسف: 108].
 
فأتباع النبي صلى الله عليه وسلم هم المؤمنون به, يدعون إلى الله على بصيرة, أي على علم ويقين, كما كان
 
 رسول الله صلى الله عليه وسلم يدعو إلى الله على بصيرة ويقين, ومن ذلك أن من اللوازم الضرورية لإيمان
 
 المسلم أن يدعو إلى الله, فإذا تخلف عن الدعوة, أو قصر في واجبها دل ذلك على وجود نقص وخلل في
 
 إيمانه يجب عليه تداركه بالقيام بواجب الدعوة إلى الله تعالى.
 
ومن أجل واجبات الدعوة الواجبة على كل داعية إلى سبيل الله تعالى,الاعتناء بمسئلة إصلاح العقيدة وتقويمها
 
 في حياة المسلمين, لأن العقيدة أساس الدين والملة وعليها قامت عيادات الشريعة الإسلامية,وهنا يتضح لنا
 
 أهمية الدور المنوط بالداعية إلى الله تعالى.
 
وهنا أقول بداية في هذا الموضوع, أنه يتحتم في مسئلة الدعوة والداعية وإصلاح العقيدة, والعلاقة كذلك بالعبادة
 
 أيضاً,أمرين مهمين أو محورين مهمين وإن كان الموضوع يحتاج إلى مزيد بسط وبيان:
 
*المحور الأول: الاهتمام بالعقيدة والتحذير من الانحراف عنها:
 
نقول: إن من أهم وأول ما ينبغي أن يدركه الداعية, في انطلاقاته الدعوية , أن يبدأ بالدعوة إلى الإصلاح في
 
 العقيدة, أعني: إصلاح التوحيد في الأمة الإسلامية, فلا قضية أهم منها, ولا أكبر منها في مصطلح الدعوة
 
 والدعاة([1]).
 
 
فالداعية البصير يبدأ بإصلاح العقيدة في نفسه أولاً, فلا يعتقد معتقدًا يخالف منهج الإسلام, ومنهاج أهل السنة
 
 والجماعة, ولا يدعو إلى ذلك كذلك, بل عليه أن يعتقد المعتقد الإيماني الصحيح الموافق لمنهاج السلف الصالح
 
 في نفسه, ومن ثم ينطلق بهذا المعتقد, ومن خلاله كذلك إلى الدعوة إلى الله تعالى([2]).
 
 
·والعقيدة شرعًا:هي الإيمان بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر, والإيمان  
 
 بالقدر خيره وشره, وتسمى هذه أركان الإيمان.
 
 
والشريعة تنقسم إلى قسمين: اعتقاديات وعمليات:
 
 
فالاعتقاديات:هي التي لا تتعلق بكيفية العمل؛ مثل اعتقاد ربوبية الله ووجوب عبادته, واعتقاد بقية أركان الإيمان
 
 المذكورة, وتُسمى أصلية.
 
 
والعمليات:هي ما يتعلق بكيفية العمل؛ مثل الصلاة والزكاة والصوم وسائر الأحكام العملية, وتسمى فرعية؛
 
 لأنها تُبنى على تلك صحة وفسادًا.
 
 
فالعقيدة الصحيحة هي الأساس الذي يقوم عليه الدين وتصح معه الأعمال؛ كما قال تعالى: "فَمَن كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ
 
 رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلاً صَالِحًا وَلاَ يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا" [الكهف:110]. قال تعالى: "فَاعْبُدِ اللهَ مُخْلِصًا لَّهُ الدِّينَ *
 
 أَلاَ للهِ الدِّينُ الْخَالِصُ" [الزمر:2،3].
 
 
          وقال تعالى: "وَلَقَدْ أُوحِيَ إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِكَ لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِن
 
َ                  الْخَاسِرِينَ"[الزمر:65].
 
 
          فدلت هذه الآيات الكريمة, وما جاء بمعناها, وهو كثير, على أن الأعمال لا تُقبل إلا إذا كانت خالصة من
 
     الشرك, ومن ثم كان اهتمام الرسل -صلوات الله وسلامه عليهم- بإصلاح العقيدة أولاً؛ فأول ما يدعون أقوامهم
 
     إليه عبادة الله وحده, وترك عبادة ما سواه؛ كما قال تعالى: "وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَّسُولاً أَنِ اعْبُدُوا اللهَ
 
        وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ" [النحل:36].وكل رسول يقول أول ما يخاطب قومه: "اعْبُدُوا اللهَ مَا لَكُم مِّنْ إِلَهٍ
 
 
      غَيْرُهُ[الأعراف:85,73،65،59], قالها نوح وهود وصالح وشعيب, وسائر الأنبياء لقومهم.
 
 
وقد ظل النبي صلى الله عليه وسلم في مكة بعد البعثة ثلاثة عشر عامًا يدعو الناس إلى التوحيد, وإصلاح
 
 العقيدة؛ لأنها الأساس الذي يقوم عليه بناء الدين, وقد احتذى الدعاة والمصلحون في كل زمان حذو الأنبياء
 
 والمرسلين؛ فكانوا يبدءون بالدعوة إلى التوحيد, وإصلاح العقيدة, ثم يتجهون بعد ذلك الأمر ببقية أوامر الدين
 
 كلها.([3])
 
 
*مصادر العقيدة ومنهج السلف في تقديمها:
 
كما أن على الداعية أن يدرك أن العقيدة توقيفية؛ أي تقف عليها كما أسسها النبي صلى الله عليه وسلم فلا تثبت
 
 إلا بدليل من الشارع, ولا مجال فيها للرأي والاجتهاد, ومن ثم فإن مصادرها مقصورة على ما جاء في
 
  الكتاب والسنة؛ لأنه لا أحد أعلم بالله وما يجب له وما ينزه عنه من الله, ولا أحد بعد الله أعلم بالله من رسول
 
 الله النبي صلى الله عليه وسلم؛ ولهذا كان منهج السلف الصالح ومن تبعهم في تلقي العقيدة مقصورًا على
 
 الكتاب والسنة.
 
فما دل عليه الكتاب والسنة في حق الله تعالى آمنوا به, واعتقدوه وعملوا به, وما لم يدل عليه كتاب الله ولا سنة
 
 رسوله نفوه عن الله تعالى ورفضوه؛ ولهذا لم يحصل بينهم اختلاف في الاعتقاد, بل كانت عقيدتهم واحدة,
 
 وكانت جماعتهم واحدة؛ لأن الله تكفل لمن تمسك بكتابه وسنة رسوله باجتماع الكلمة, والصواب في المعتقد,
 
 واتحاد المنهج؛ قال تعالى: "وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللهِ جَمِيعًا وَلاَ تَفَرَّقُوا" [آل عمران:103].
 
 
ولذلك سموا بالفرق الناجية؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم شهد لهم بالنجاة في حديث أحمد حين أخبر بافتراق
 
 الأمة إلى ثلاث وسبعين فرقة؛ كلها في النار إلا واحدة, ولما سئل عن هذه الواحدة قال: «هي من كانت على
 
 مثل ما أنا عليه اليوم وأصحابي».
 
وقد وقع مصداق ما أخبر به؛ فعندما بنى بعض الناس عقيدتهم على غير الكتاب والسنة؛ من علم الكلام,
 
 وقواعد المنطق الموروثين عن فلاسفة اليونان؛ حصل الانحراف والتفرق في الاعتقاد مما نتج عنه اختلاف
 
 الكلمة, وتفرق الجماعة, وتصدع بناء المجتمع الإسلامي([4]).
 
*الانحراف عن العقيدة وسبل التوقي منه:
 
وعلى الداعية أن يدرك في هذه الانطلاقة شيئًا هامًا وهو: الانحراف عن العقيدة وخطره على الأمة, وأن يدرك
 
 أسبابه, وسبل توقيه في الفرد والمجتمع ذلك أن الانحراف عن العقيدة الصحيحة مهلكة وضياع؛ لأن العقيدة
 
 الصحيحة هي الدافع القوي إلى العمل النافع, والفرد بلا عقيدة صحيحة, يكون فريسة للأوهام والشكوك التي
 
 ربما تتراكم عليه, فتحجب عنه الرؤية الصحيحة لدروب الحياة السعيدة؛ حتى تضيق عليه حياته, ثم يحاول
 
 التخلص من هذا الضيق بإنهاء حياته ولو بالانتحار؛ كما هو الواقع من كثير من الأفراد الذين فقدوا هداية
 
 العقيدة الصحيحة, والمجتمع الذي تسوده عقيدة صحيحة هو مجتمع ضال يفقد كل مقومات الحياة السعيدة؛ وإن
 
 كان يملك الكثير من مقومات الحياة المادية التي كثيرًا ما تقوده إلى الدمار, كما هو مشاهد في المجتمعات
 
 الضالة؛ لأن هذه المقومات المادية تحتاج إلى توجيه وترشيد؛ للاستفادة من خصائصها ومنافعها, ولا موجه لها
 
 سوى العقيدة الصحيحة؛ قال تعالى: يَا أَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُوا مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَاعْمَلُوا صَالِحًا" [المؤمنون:51]."
 
وقال تعالى: "وَلَقَدْ آتَيْنَا دَاوُدَ مِنَّا فَضْلاً يَا جِبَالُ أَوِّبِي مَعَهُ وَالطَّيْرَ وَأَلَنَّا لَهُ الْحَدِيدَ `أَنِ اعْمَلْ سَابِغَاتٍ وَقَدِّرْ فِي
 
 السَّرْدِ وَاعْمَلُوا صَالِحًا إِنِّي بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ `وَلِسُلَيْمَانَ الرِّيحَ غُدُوُّهَا شَهْرٌ وَرَوَاحُهَا شَهْرٌ وَأَسَلْنَا لَهُ عَيْنَ
 
 الْقِطْرِ وَمِنَ الْجِنِّ مَن يَعْمَلُ بَيْنَ يَدَيْهِ بِإِذْنِ رَبِّهِ وَمَن يَزِغْ مِنْهُمْ عَنْ أَمْرِنَا نُذِقْهُ مِنْ عَذَابِ السَّعِيرِ `يَعْمَلُونَ لَهُ
 
 مَا يَشَاءُ مِن مَّحَارِيبَ وَتَمَاثِيلَ وَجِفَانٍ كَالْجَوَابِ وَقُدُورٍ رَّاسِيَاتٍ اعْمَلُوا آلَ دَاوُدَ شُكْرًا وَقَلِيلٌ مِّنْ عِبَادِيَ
 
 الشَّكُورُ" [سبأ:10-13].
 
فقوة العقيدة يجب أن لا تنفك عن القوة المادية؛ فإن انفكت عنها بالانحراف إلى العقائد الباطلة, صارت القوة
 
 المادية وسيلة دمار وانحدار؛ كما هو الشاهد اليوم في الدول الغير إسلامية التي تملك مادة, ولا تملك عقيدة
 
 صحيحة([5]).
 
 
*والانحراف عن العقيدة الصحيحة له أسباب؛ من أهمها:
 
1- الجهل بالعقيدة الصحيحة؛ بسبب الإعراض عن تعلمها وتعليمها, أو قلة الاهتمام والعناية بها؛ حتى ينشأ جيل
 
 لا يعرف تلك العقيدة, ولا يعرف ما يخالفها ويضادها؛ فيعتقد الحق باطلاً, والباطل حقًا, كما قال عمر بن
 
 الخطاب رضي الله عنه: «إنما تنقض عُرى الإسلام عروة عروة إذا نشأ في الإسلام من لا يعرف الجاهلية».
 
2- التعصب لما عليه الآباء والأجداد, والتمسك به وإن كان باطلاً, وترك ما خالفه وإن كان حقًا؛ كما قال الله
 
 تعالى: "وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اتَّبِعُوا مَا أَنْزَلَ اللهُ قَالُوا بَلْ نَتَّبِعُ مَا أَلْفَيْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا أَوَلَوْ كَانَ آبَاؤُهُمْ لاَ يَعْقِلُونَ شَيْئًا
 
 وَلاَ يَهْتَدُونَ" [البقرة:170].
 
3- التقليد الأعمى بأخذ أقوال الناس في العقيدة من غير معرفة دليلها, ومعرفة مدى صحتها؛ كما هو الواقع من
 
 الفرق المخالفة من جهمية ومعتزلة, وأشاعرة, وصوفية, وغيرهم, حيث قلدوا من قبلهم من أئمة الضلال,
 
 فضلوا وانحرفوا عن الاعتقاد الصحيح.
 
4- الغلو في الأولياء والصالحين, ورفعهم فوق منزلتهم؛ بحيث يُعتقد فيهم ما لا يقدر عليه إلا الله, من جلب
 
 النفع, ودفع الضرر, واتخاذهم وسائط بين الله وبين خلقه في قضاء الحوائج وإجابة الدعاء؛ حتى يؤول الأمر
 
 إلى عبادتهم من دون الله, والتقرب إلى أضرحتهم بالذبائح والنذور, والدعاء والاستغاثة وطلب المدد, كما
 
 حصل من قوم نوح في حق الصالحين حين قالوا: "لاَ تَذَرُنَّ آلِهَتَكُمْ وَلاَ تَذَرُنَّ وَدًّا وَلاَ سُوَاعًا وَلاَ يَغُوثَ وَيَعُوقَ
 
 وَنَسْرًا" [نوح:32]. وكما هو الحاصل من عباد القبور اليوم في كثير من الأمصار.
 
5- الغفلة عن تدبر آيات الله الكونية, وآيات الله القرآنية والإنبهار بمعطيات الحضارة المادية, حتى ظنوا أنها
 
 من مقدور البشر وحده؛ فصاروا يعظمون البشر, ويضيفون هذه المعطيات إلى مجهوده واختراعه وحده, كما
 
 قال قارون من قبل: "قَالَ إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَى عِلْمٍ عِنْدِي" [القصص:87], وكما يقول الإنسان: "هَذَا
 
 لِي[فصلت:50], "إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَى عِلْمٍ" [الزمر:49]. ولم يتفكروا وينظروا في عظمة من أوجد هذه
 
 الكائنات, وأودعها هذه الخصائص الباهرة, وأوجد البشر وأعطاه المقدرة على استخراج هذه الخصائص,
 
 والانتفاع بها: "وَاللهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُون" [الصافات:96]. "أَوَ لَمْ يَنْظُرُوا فِي مَلَكُوتِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَمَا
 
 خَلَقَ اللهُ مِن شَيْءٍ" [الأعراف:185]. "اللهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ وَأَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجَ بِهِ
 
 مِنَ الثَّمَرَات رِزْقًا لَّكُمْ وَسَخَّرَ لَكُمُ الْفُلْكَ لِتَجْرِيَ فِي الْبَحْرِ بِأَمْرِهِ وَسَخَّرَ لَكُمُ الأنْهَارَ `وَسَخَّرَ لَكُمُ الشَّمْسَ وَالْقَمَر
 
َ دَائِبَين وَسَخَّرَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ `وَآتَاكُم مِّن كُلِّ مَا سَأَلْتُمُوهُ وَإِن تَعُدُّوا نِعْمَتَ اللهِ لاَ تُحْصُوهَا إِنَّ الإِنْسَانَ
 
 لَظَلُومٌ   كَفَّارٌ" [إبراهيم: 32-34].
 
6- أصبح البيت في الغالب خاليًا من التوجيه السليم؛ وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: «كل مولود يولد على
 
 الفطرة فأبواه يهودانه أو ينصرانه أو يمجسانه» أخرجه الشيخان. فالأبوان لهما دور كبير في تقويم اتجاه
 
 الطفل.
 
7- إحجام وسائل التعليم والإعلام في غالب العالم الإسلامي عن أداء مهمتها؛ فقد أصبحت مناهج التعليم في
 
 الغالب لا تولي جانب الدين اهتمامًا كبيرًا, أو لا تهتم به أصلاً, وأصبحت وسائل الإعلام المرئية والمسموعة
 
 والمقروءة في الغالب أداة تدمير وانحراف, أو تُعنى بأشياء مادية وترفيهية, ولا تهتم بما يقوم الأخلاق, ويزرع
 
 العقيدة الصحيحة, ويقاوم التيارات المنحرفة؛ حتى ينشأ جيل أعزل أمام جيوش الإلحاد لا يدان له بمقاومتها.
 
 
*وسبل التوقي من هذا الانحراف تتلخص فيما يلي:
 
1- الرجوع إلى كتاب الله عز وجل وإلى سنة رسوله صلى الله عليه وسلم لتلقي الاعتقاد الصحيح منهما؛ كما
 
 كان السلف الصالح يستمدون عقيدتهم منهما, ولن يصلح آخر هذه الأمة إلا ما أصلح أولها, مع الاطلاع على
 
 عقائد الفرق المنحرفة, ومعرفة شبههم للرد عليها والتحذير منها؛ لأن من لا يعرف الشر يوشك أن يقع فيه.
 
2- العناية بتدريس العقيدة الصحيحة عقيدة السلف الصالح في مختلف المراحل الدراسية, وإعطائها الحصص
 
 الكافية من المنهج, والاهتمام البالغ في تدقيق الامتحانات في هذه المادة.
 
3- أن تقرر دراسة الكتب السلفية الصافية, ويبتعد عن كتب الفرق المنحرفة, كالصوفية والمبتدعة, والجهمية
 
 والمعتزلة, والأشاعرة الماتريدية, وغيرهم إلا من باب معرفتها لرد ما فيها من الباطل والتحذير منها.
 
4- قيام دعاة مصلحين يجددون للناس عقيدة السلف, ويردون ضلالات المنحرفين عنها([6]).
 
وبذلك ينشأ المجتمع الإسلامي وفقًا لمنهاج العقيدة  الإسلامية الصحيحة الصافية, التي من شأنها أن تنظم شئون
 
 حياة الأمة الإسلامية, وذلك من خلال ما انبثق عنها من تشريعات وأحكام.
 
هذه هي انطلاقة الداعية الأولى والأهم, والتي ينبغي أن يتحرك وأن ينطلق من خلالها, كما تحرك وانطلق بها
 
 النبي صلى الله عليه وسلم, والصحابة الكرام, فسادوا بها الدنيا, وحكموها بمنهاجها المستقيم.
 
 
***
 
*المحور الثاني: محاربة البدع والتحذير منها:
 
ومن واجبات الداعية في مجال العقيدة الإسلامية والعبادة أيضًا, محاربته للبدع والمنكرات المختصة بالعقيدة
 
 والعبادة في حياة الأمة الإسلامية, والعمل على إيضاح حقائق الشريعة الإسلامية في باب العقائد والشعائر
 
 التعبدية بصفائها وشمولها, وإن كان حديثنا هنا لا يختص بالعبادات موضوعًا, ولكن البدع تشملها إجمالاً
 
 وتفصيلاً.
 
·والابتداع على قسمين:
 
ابتداع في العادات؛ كابتداع المخترعات الحديثة, وهذا مباح, لأن الأصل في العادات الإباحة.
 
وابتداع في الدين, وهذا محرم؛ لأن الأصل فيه التوقيف, قال صلى الله عليه وسلم كما عند البخاري ومسلم:
 
 «من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد», وفي رواية لمسلم: «من عمل عملاً ليس عليه أمرنا فهو
 
 رد».
 
·أنواع البدع:
 
والبدعة في الدين التي ينبغي أن يدركها الداعية نوعان:
 
النوع الأول: بدعة قولية اعتقادية؛ كمقالات الجهمية والمعتزلة والرافضة, وسائر الفرق الضالة, واعتقاداتهم.
 
النوع الثاني: بدعة في العبادات؛ كالتعبد لله بعبادة لم يشرعها؛ وهي أقسام:
 
القسم الأول: ما يكون في أصل العبادة؛ بأن يحدث عبادة ليس لها أصل في الشرع, كأن يحدث صلاة غير
 
 مشروعة أو صيامًا غير مشروع أصلاً, أو أعيادًا غير مشروعة؛ كأعياد الموالد وغيرها.
 
القسم الثاني: ما يكون من الزيادة في العبادة المشروعة؛ كما لو زاد ركعة خامسة في صلاة الظهر أو العصر
 
 مثلاً.
 
القسم الثالث: ما يكون في صفة أداء العبادة المشروعة؛ بأن يؤديها على صفة غير مشروعة؛ وذلك كأداء
 
 الأذكار المشروعة بأصوات جماعية مطربة, وكالتشديد على النفس في العبادات إلى حد يخرج عن سنة
 
 الرسول صلى الله عليه وسلم.
 
القسم الرابع: ما يكون بتخصيص وقت للعبادة المشروعة؛ لم يخصصه الشرع؛ كتخصيص يوم النصف من
 
 شعبان وليلته بصيام وقيام؛ فإن أصل الصيام والقيام مشروع, ولكن تخصيصه بوقت من الأوقات يحتاج إلى
 
 دليل.
 
·حكم البدعة في الدين بجميع أنواعها:
 
وكل بدعة في الدين فهي محرمة وضلالة؛ لقوله صلى الله عليه وسلم فيما رواه الترمذي: «وإياكم ومحدثات
 
 الأمور؛ فإن كل محدثة بدعة وكل بدعة ضلالة» وقوله صلى الله عليه وسلم: «من أحدث في أمرنا هذا ما ليس
 
 منه فهو رد», وفي رواية: «من عمل عملاً ليس عليه أمرنا فهو رد», فدل الحديثان على أن كل محدث في
 
 الدين فهو بدعة, وكل بدعة ضلالة مردودة؛ ومعنى ذلك أن البدع في العبادات والاعتقادات محرمة, ولكن
 
 التحريم يتفاوت بحسب نوعية البدعة؛ فمنها ما هو كفر صريح؛ كالطواف بالقبور تقربًا إلى أصحابها, وتقديم
 
 الذبائح والنذور لها, ودعاء أصحابها, والاستغاثة بهم, وكأقوال غلاة الجهمية والمعتزلة, ومنها ما هو من
 
 وسائل الشرك؛ كالبناء على القبور والصلاة والدعاء عندها, ومنها ما هو فسق اعتقادي؛ كبدعة الخوارج
 
 والقدرية والمرجئة في أقوالهم واعتقاداتهم المخالفة للأدلة الشرعية, ومنها ما هو معصية؛ كبدعة التبتل
 
 والصيام قائمًا في الشمس, والخصاء بقصد قطع شهوة الجماع؛ كما ذكر الشاطبي في الاعتصام.
 
تنبيه:
 
من قسم البدعة إلى بدعة حسنة, وبدعة سيئة؛ فهو مخطئ ومخالف لقوله صلى الله عليه وسلم: «فإن كل بدعة
 
 ضلالة»؛ لأن الرسول صلى الله عليه وسلم حكم على البدع كلها بأنها ضلالة, وهذا يقول: ليس كل بدعة
 
 ضلالة؛ بل هناك بدعة حسنة, قال الحافظ ابن رجب في شرح الأربعين في جامع العلوم والحكم: «فقوله صلى
 
 الله عليه وسلم «كل بدعة ضلالة» من جوامع الكلم؛ لا يخرج عنه شيء, وهو أصل عظيم من أصول الدين,
 
 وهو شبيه بقوله صلى الله عليه وسلم «من أحدث في أمرنا ما ليس منه فهو رد» فكل من أحدث شيئًا ونسبه
 
 إلى الدين, ولم يكن له أصل من الدين يرجع إليه فهو ضلالة والدين برئ منه, وسواء في ذلك مسائل
 
 الاعتقادات, أو الأعمال أو الأقوال الظاهرة والباطنة.. انتهى.
 
 
وليس لهؤلاء حجة على أن هناك بدعة حسنة, إلا قول عمر رضي الله عنه في صلاة التراويح: «نعمت البدعة
 
 هذه».
 
وقالوا أيضًا: أنها أحدثت أشياء لم يستنكرها السلف, مثل جمع القرآن في كتاب واحد, وكتابة الحديث وتدوينه.
 
والجواب عن ذلك أن هذه الأمور لها أصل في الشرع, فليست محدثة, وقول عمر: «نعمت البدعة» يريد البدعة
 
 اللغوية لا الشرعية, فما كان له أصل في الشرع يرجع إليه, إذا قيل: إنه بدعة, فهو بدعة لغة لا شرعًا؛ لأن
 
 البدعة شرعًا: ما ليس له أصل في الشرع؛ وجمع القرآن في كتاب واحد له أصل في الشرع؛ لأن النبي صلى
 
 الله عليه وسلم كان يأمر بكتابة القرآن, لكن كان مكتوبًا متفرقًا, فجمعه الصحابة رضي الله عنهم في مصحف
 
 واحد حفظًا له.
 
والتراويح قد صلاها النبي صلى الله عليه وسلم بأصحابه ليالي, وتخلف عنهم في الأخير خشية أن تفرض
 
 عليهم, واستمر الصحابة –رضي الله عنهم- يصلونها أوزاعًا متفرقين في حياة النبي صلى الله عليه وسلم وبعد
 
 وفاته, إلى أن جمعهم عمر بن الخطاب رضي الله عنه على إمام واحد؛ كما كانوا خلف النبي صلى الله عليه
 
 وسلم, وليس هذا بدعة في الدين.
 
وكتابة الحديث أيضًا لها أصل في الشرع؛ فقد أمر النبي صلى الله عليه وسلم بكتابة بعض الأحاديث لب أصحابه؛
 
 لما طلب منه
 
 ذلك, وكان أبو هريرة رضي الله عنه يكتب الحديث في عهد النبي صلى الله عليه وسلم, وكان المحذور من كتابته
 
 بصفة عامة في عهده؛ خشية أن يختلط بالقرآن ما ليس منه, فلما توفي صلى الله عليه وسلم انتفى هذا المحذور؛
 
 لأن القرآن قد تكامل, وضبط قبل وفاته صلى الله عليه وسلم, فدون المسلمون الحديث بعد ذلك حفظًًا له من
 
 الضياع, فجزاهم الله عن الإسلام والمسلمين خيرًا, حيث حفظوا كتاب ربهم وسنة نبيهم صلى الله عليه وسلم من
 
 الضياع وعبث العابثين[7]
 
. هذا مايسر الله تعالى لنا بيانه وللحديث بقية بأمر الله تعالى,والله الموفق

 

([1])لأن هناك حركات إسلامية لا تجعل هذا الأمر محور دعوتها وأساسها، ولا توليه أهمية كبرى ولا تهتم
 
 بتصحيح العقيدة في أتباعها.
 
([2])مع ملاحظة القارئ الداعية أن العقيدة لا ينتقل منها إلى غيرها في باب الدعوة بل ينتقل معها إلى غيرها وهذا
 
 قيد لابد منه.
 
([3])راجع العقيدة الإسلامية: أحمد بن منصور آل سبالك (ص16،15).
 
([4]) راجع العقيدة الإسلامية: أحمد بن منصور آل سبالك
..
([5]) راجع العقيدة الإسلامية: أحمد بن منصور آل سبالك.
 
([6])العقيدة الإسلامية (ص19-22).
 



"لا يتحمّل مكتوب أيّة مسؤوليّة عن المواد الّتي يتم عرضها و/أو نشرها في مدوّنات مكتوب. ويتحمل المستخدمون بالتالي كامل
المسؤولية عن كتاباتهم وإدرجاتهم التي تخالف القوانين أو تنتهك حقوق الملكيّة أو حقوق الآخرين أو أي طرف آخر."