المدونات في :

أرسل الإدراج التالي


اســمك مطلوب
بريدك الإلكتروني مطلوب
بريد صديقك الإلكتروني مطلوب
الرسالة 300 حرف كحد أعلى

محتويات الإدراج الذي تريد إرساله:
طريد الموت الجميل

 نشرت هذه القصة في جريدة القدس العربي اللندنية في العدد 5795 الثلاثاء 22 كانون الثاني 2008

 

 أنا من قوم إذا عشقوا ماتوا "   امرؤ القيس " 

لكأنها تنبت في أعماقي منذ الأزل ... دون شكل كانت ترسم ملامحكِ على حائط قلبي ، ولطالما شعرت بحاجتي إلى البكاء كلّما فشلت في العثور على ظلّها واقعا أمام شهوة انتظاري.

عندما التقيتكِ  أوّل مرّة كانت تلبسكِ بصدق، وبصدق كنتِ تتقمصين لونها ... ذلك اللون الذي مازال يرافق اسمكِ كلّما تأمّلته. الآن أشعر بالاكتمال ، ولا يدهشني وجودها أمامنا ، هنا ، تتكئ بكل هيبة وبهاء على تراب هذا القبر. فعندما أشتاقكِ أغمض عينيّ حتى وإن كنتِ معي ... كما الآن .

 

-         فلتفصح عن عينيك ، ولتنعم بما تضفيه هذه الوردة على القلوب من هدوء وسكينة  فهي حريّة بأن نهبها ما نملك من حب . عندما رأيتها ابتسمت لي ، فابتسم قلبي لها، وأحببتكَ أكثر . شعرت بالحنين إلى شيء لا أعرفه ، لكنني أعرف أنه مستحيل.

ألم ترَ أن في اختيارها لهذا القبر موطناً يفسّر ما هي عليه من الجمال الذي يطغى على جمال كلّ الزهور التي تحيطنا؟ وشكلها الغريب الرّقيق ، الذي لم أرَ له شبيها أبداً يحمل إشارة ما ، وسرا يستدعي التخمين والاحتمال . أكاد أجزم أن من يسكن جوف هذا القبر إنما هو شاعر مات من حب وهيام قبل أوان القصيدة ، وهذه الجميلة إنما تقتات ما يملأ قلبه من ماء العشق ورغبة الخلود. أظنه مات منتحراً.

 

-         أما ناأنا أنا فلا تستدرجني مقاصد الأشياء ، وكل ما يهمني هو فعلها في روحي الجامحة  التي لجمها الحنين فجاعت حبا ، إن هذه الوردة هي كل شيء ، كما أن هذا القبر المسجّى في حضرة الموت هو تماما كوجهك المسكون بالمعنى ، يختزل عفّة اللحظة و جمال الكون في كل رعشة يلدها قلبي المصاب .

حديثهما نفض من عينيّ غبار الكآبة ، أنا القابع خلفهما دون أن  يشعرا بخطواتي التائهة ، التهمني بوح العطر الذّائب في الأثير وأسكتت رائحة الكلمات صوت نشيجي الرّتيب . وهل يملك تَعِب مثلي من الجرأة شيئا أمام ذلك المشهد الضارب في السكينة ؟.

كانت الشمس الذاهبة  إلى غروب تنهب ذاكرة النهار ، فيما يرقد شَعر الصّبيّة بسلام فوق كتف حبيبها الذي آواه الشرود إغواء تلك الوردة التي اعتلت قبر صديقي ، فيما غرق الجميع في بحر من زهر وعشب.

سريعا تبدد كل شيء كأنه لم يكن . وعادت نوافذ الذاكرة تنفتح أمامي على طريق الخلاص : ذات المشهد لم يزل يتكرّر ، يتدفّق إلى مخيلتي ثانية : العجوز الحافية ، تنكر قدماها برودة الثّلج ، طرقت باب بيتنا ذات شتاء تسأل إن رأى أحدنا قططها الثلاثة : آري ، مسكوب  وشمعون. لم تستجب لإلحاحنا عليها بالبقاء ، ولم تبدِ أيّ انزعاج من سوء الطقس في الخارج . وقبل أن تغادر ، تسمّرت في مكانها وسط الغرفة وشخصت ببصرها تتأمل السّقف الذي عبث به دلف المطر محدثا فيه بقعا مختلفة الأشكال والأحجام والألوان . تمتمت بصوت مفضوح : ما شاء الله ، إنها لزخرفة جميلة.

لم يحزنني وقتها ما كانت عليه من الجنون ، لكن منظر الدماء التي تلونت بها قططها الثلاثة عندما كان يلهو بها أطفال القرية جعلني أشعر بذلك الصقيع الذي لم تتعرف عليه قدماها  العاريتان .

وقتها خالجني شعور غامر بأن أوان النهاية قد حان، ومن فورها أخذت كلمات صديقي الجاثم تحت تراب ذلك القبر الشاحب تعلو بصوتها فوق كل الأصوات التي كانت تملأ أعماقي. كانت زيارتي الأخيرة له في سجنه ، بعد صدور الحكم بإعدامه . قال دون أن يترك لي فرصة للمواساة : لست بنادم على أي شيء ، وكل ما قمت به إنما أقدمت عليه  بكل ثقة وقصد ، ولو لم أفعل ذلك لفعله غيري.

كان صديقي يحب الدماء ، وقد أخبرني يوما أنه يستلذ القتل ، وكنت كلما سمعته يسرف في الحديث عن جنونه الصاخب ذاك ... أفزع من نفسي ، وأشعر بعاطفة مختلطة، تضمر شيئا من النفور والرّاحة في آن.أما اليوم فقد أتيته مذعنا لرغبة الموت وقد سئمت ذلك التناقض الذي ما انفكّ ينهشني من كل صوب ، لم أعد أريد شيئا سوى الخلاص من ذاتي، وشعوري الدائم بالذنب بات هاجسي الوحيد حتى أنني أصبحت في هروب دائم من شيء ما لا أعرف كنهه، يلاحقني في أعماقي، إحساس مشوب برائحة موت معتّق ... أو خوف شرس، يرافقني في كل الأوقات. أمسيت في عزلة موحشة ، ليست كتلك التي كنت أقاسمها حزني قبلا، فلا أنا قادر على البقاء وحيدا معي ولم أعد ذلك الكائن الذي يتسلل إلى أرواح الأشياء.

بات كل شيء بلا هويّة. هناك فقط رائحة موت تنبعث من أعماقي. أحاول جاهدا استحضار كل الصور التي كانت تسحبني من وعيي ، لكن بلا جدوى ، لم يبق هناك سوى بقع سوداء ما تلبث أن تستحيل ظلالا باهتة لأشباح لم تختبرها مخيلتي من قبل. حتى جرأتي المجنونة التي كنت أراهن عليها أمست غير قادرة على مواجهة ما يعتريني من جبن.

بات الموت هو كل ما يسود الكون، وكل ما أخاف.

على صوت الأبواب وقد أغلقت على عشق بقيت أنفاسه عالقة في خلايا المكان، صحوت من إغماءتي الطويلة، وكان الحبيبان قد استقلّا سيارتهما، تاركين لي غربة المكان ووحشة الغياب. أسرعت بخطى آلية ودونما نية مسبقة إلى ذات الصخرة التي اقتعداها. جلست، وحاولت استرداد كل ما كنت أتوفر عليه من شجاعة ،كي أُجهز على أوجاعي المحتضرة، فأتحرّر من ذلك الشبح الذي ما زال يطاردني، وإذا بي أرى إلى زهرة القبر وكأنها رسم لامرأة فاتنة الحسن تفترش تراب الأرض على امتدادها، أخذت إيماءات وجهها تلتهم ما يعتريني من كآبة ويأس.أحسست بأنني أمسيت أحدا آخر غيري. وكي أتأكّد من صدق ما رأيت أغلقت عينيّ ، وإذا بها لوحة تبعث إلى القلب دهشة وسكينة وصمتا شهيا، ترتسم على جدران صدري : قبر تعتليه زهرة باذخة الجمال وفي الجوار عجوز حافية تنظر إلىّ بشيء من الرجاء.  

 

 

 

 

 

 

 




"لا يتحمّل مكتوب أيّة مسؤوليّة عن المواد الّتي يتم عرضها و/أو نشرها في مدوّنات مكتوب. ويتحمل المستخدمون بالتالي كامل
المسؤولية عن كتاباتهم وإدرجاتهم التي تخالف القوانين أو تنتهك حقوق الملكيّة أو حقوق الآخرين أو أي طرف آخر."