المدونات في :

أرسل الإدراج التالي


اســمك مطلوب
بريدك الإلكتروني مطلوب
بريد صديقك الإلكتروني مطلوب
الرسالة 300 حرف كحد أعلى

محتويات الإدراج الذي تريد إرساله:
حزنٌ جميل

 

ما إن انطلقت الحافلة حتى أطلت تلك العجوز برأسها عبر النافذة ، وأخذت تنظر إلى السماء. سلّة البندورة بيدها ، جعلتني أجزم بأن جدي كان يكذب، فقد أخبرنا أن الرحلة ستستغرق فقط ساعة ونصف .  عندما أطالت النظر ، سألها أحدهم :

-         إلام َ تنظرين ؟

فأجابت بقليل من الاهتمام :

-         إنه ولدي الحبيب.

-         هل مازال حيا؟ قالها بسخرية ، فلم تجبه.

-         ألا يجدر بكِ أن تتزوجي أولا حتى يكون لك ولدا؟ عجيب أمرك أيها العجوز المجنونة.

 

 أثار الحوار انتباهي ومن معي من الأولاد، فتوجهنا من فورنا إلى حيث تجلس العجوز. سألناها عن ولدها ، أجابت بأنه يكون نجمة في الليل، ويغرق في نور النهار. ورغم ضحكاتنا إلا أنها تابعت الحديث قائلة : ولكنه لا يموت، ويعود ليملأ بريقه السماء كل ليل. ظلت تحدثنا عن ابنها حتى اقتربنا من تخوم المدينة ، فبدت تظهر عليها ملامح الدهشة ... انقطع حديثها، وبدأ بصرها يذوب في الزحام.

 

في المطار، قبل النزول من الحافلة، لم نلق بالا للتحذيرات التي أطلقها جدي. كنا نحدق في الطائرات التي ملأ هديرها المكان.

دلف الجميع إلى قاعة الانتظار ، بينما بقينا في الخارج نراقب السماء، نتابع كل طائرة تستعد للهبوط، مرددين : نتاشا، نتاشا، نتاشا. بقينا على هذه الحال حتى جاء صوت من بعيد ليخبرنا بأنهم قد وصلوا، فركضنا مسرعين.

في القاعة عندما وصلنا كانت قد انتهت حرارة اللقاء مع الأهل والأقارب، ما أعطاها الفرصة كي تتعرف على وجهي من بين الوجوه الصغيرة التي تتبعني. أشارت إليّ ، وذكرت اسمي على نحو مضحك، فقهقه الجميع، وبدأت أنظارهم تتجه نحوي. تقدمت مني وطبعت قبلة على خدي، بينما انحنى الخال إليّ وقال:  تعرفك من الصور، كما أنني حدثتها كثيرا عنك أيها الولد المشاغب. قبلني هو الآخر وأخذ يمسح على رأسي، اقتنصت الفرصة كي أسأله إن كانت قد أحضرت معها الكناري، فابتسم وقال : إنها تحبك كثيرا ، فكيف لا تفي بوعدها؟ عندما نصل إلى البيت ستعطيك الكناري، من الأفضل أن لا تسلمك إياه الآن.

 

في طريق العودة إلى القرية، ساد الهدوء على الجميع، أخذت بعض الأنظار تلهو بما تراه عبر النوافذ بينما تراقب الأخرى أي حركة تصدر عن نتاشا. غمرة كل هذا الانشغال كان النوم قد تمكن من العجوز، فيما بقيت تمسك بسلة الطماطم، انتشلتها من يدها بسرعة خاطفة، ما جعلها تفز من نومها، لتبدأ بالصراخ، لكن ذلك لم يثنيني عن قذف السلة بما فيها نحو الشارع. عندما تعالت الشتائم ، واستعد أبي للنهوض من مقعده ، اتجهت بكل قوتي إلى حيث تجلس نتاشا، فانتهى الأمر.

 

بابتسامة عريضة أخذت تتمتم معه، قال إنها رغم كل ما حدثتها عن شقاوتك لم تتصور أنك مشاغب إلى هذه الدرجة، هي تسأل عن السبب الذي دعاك للقيام بذلك. في تلك الأثناء كنت أركّز انتباهي على زرقة عينيها الواسعتين، فسألته عن سبب لونهما الأزرق، قال : أيها الولد المشاكس، تتملص من الإجابة على سؤالها بسؤال، تابعتُ النظر في عينيها ، وعمّنا السكون.

 

فور وصولنا إلى القرية، سلمتني نتاشا القفص، وعدنا أنا وإخوتي والأهل أدراجنا إلى البيت. وضعت القفص على الأرض، وبدأنا نصغي لزقزقة الكناري وألحانه.

لم يمض من الوقت أكثر من ساعة ، حتى سمعنا الكثير من الطرقات اللحوحة على الباب، كان ذلك الطفل المدلل بصحبة والده، عرفت ذلك قبل أن أفتح الباب. عيناه كانتا تحدقان بالقفص عندما أخذته من يد نتاشا. كان بكاؤه مزعجا. قال والده : جئنا لنأخذ الكناري. قال ذلك وكان يتوجه بحديثه إلى أمي وأبي، بينما كنت أنتظر الرد في وجوههم المترددة.

اتجه أبي نحو القفص، حمله وأخذ يربت على كتفي هامسا : سيعود إليك لا محالة.

في اليوم التالي حضرت نتاشا إلى زيارتنا برفقة خالي، ولم تلبث أن جلست حتى أخذت تتحدث إليه، قال إنها تسال إن كان قد أعجبك الكناري. لم أجب ولكن أخي الصغير بادر إلى الإجابة قائلا : لقد أخذوه منه، وبدأ يحدثهم بالتفاصيل.

 

عندما أخبرها الخال بما جرى، نظرت إلىّ نظرة، قالت من خلالها ما لم أستطع أمامه سوى الهرب، خرجت مسرعا، لأجد مجموعة من الأولاد قد تجمهروا  أمام المنزل، أسرعوا إلى سؤالي إن كانت قد أحضرت معها الكناري، فأجبتهم بالتأكيد على ذلك ، وعندما طلبوا مني أن أريهم إياه، أخبرتهم أن نتاشا شددت على أن لا أخرجه من البيت، فالجو شديد البرودة، قال أحدهم معلقا : يبدو أنه سريع التأثر، أو قد يكون مريضا، أظن أنه سيموت قريبا.

قلت : إنه لا يموت.

 

روى لي الرجل هذه القصة عندما طلبت منه صورة لتلك الفتاة، قال إنه لا يملك لها أيّة صورة ، وأن قصته هذه ستفي بالغرض.

كان رجلا هادئا، مظهره يدل على فقر شديد، قال عندما دخل مرسمي: أريدك أن ترسم لوحة لفتاة ، زرقاء العينين، تقول عيناها كلاما لا يمكن كتابته، تحمل بيدها سلة بندورة. مع العلم أنني لا أملك مالا، كي أعطيك أجرا، ثم غادر.

.

راقبته عبر النافذة، كان غريب الأطوار، يقطع الشارع الرئيسي للمدينة رافعا رأسه نحو السماء، يتأملها. وفجأة حدث ما كان متوقعا، صوت ذلك الاصطدام لازال يدوي في أذنيّ. هرعت مسرعا إلى المكان ، حيث كان قريبا جدا من مرسمي، وإذا به جثة هامدة، يستلقي بكل ثقله على أرض الشارع. عندما قلبته على ظهره، كانت صورة قد خرجت من جيب قميصه لفتاة زرقاء العينين، كُتب على ظهر الصورة عبارة قصيرة غطاها الدم ، ما عدا كلمة كانت تظهر منها بوضوح .... نتاشا.

الآن، وبعد أن حصلت اللوحة على كل هذا القدر من الشهرة والحفاوة، لست أعرف من الذي كان السبب في  كل هذا. حتما ليس أنا.

 




"لا يتحمّل مكتوب أيّة مسؤوليّة عن المواد الّتي يتم عرضها و/أو نشرها في مدوّنات مكتوب. ويتحمل المستخدمون بالتالي كامل
المسؤولية عن كتاباتهم وإدرجاتهم التي تخالف القوانين أو تنتهك حقوق الملكيّة أو حقوق الآخرين أو أي طرف آخر."