المدونات في :

أرسل الإدراج التالي


اســمك مطلوب
بريدك الإلكتروني مطلوب
بريد صديقك الإلكتروني مطلوب
الرسالة 300 حرف كحد أعلى

محتويات الإدراج الذي تريد إرساله:
قصيدة النثـر ...لماذا؟

 

 

 

قصيدة النثر... لماذا؟

 

    خَطتْ قصيدة النثر خطواتٍ طويلةً، واستقطبت أعداداً كبيرةً ممن استهواهم التجريب في عالم الكتابة الإبداعي، فكتبوا وأطنبوا، وأصبحوا شعراء، فما دام النص الذي يُكتبُ يُسمَّى قصيدة فلماذا لا يُسمَّى        كاتبه شاعراً.. هذه الكلمة الساحرة في العقل العربي ومزاجه، بل في تاريخه وموروثه الثقافي والحضاري أجمع.

    وقصيدة النثر نصٌّ تتوفَّر فيه الشِّعْـرية والموضوع، أو هذا ما ينبغي له، ولكنه يخلو مِن شَرْطَي الشعر الآخرَين: الوزن والقافية، وهذان الشرطان هما اللذان  حددهما العرب القدماء وساروا عليهما أجيالاً متعاقبةً ودهوراً متطاولةً، مِن جملة شروط أخرى، وبذلك تكون قصيدة النثر بنتاً لقصيدة الشعر الحر التي تخلَّت عن القافية الواحدة وعن نظام الشطرين، وعن عشرة أوزانٍ شعرية من مجموع ستة عشر وزناً ، والتزمت ستة أوزانٍ وهي الأوزان الصافية كما سمَّتها نازك الملائكة في كتابها "قضايا الشعر المعاصر"، غير أنَّ هذه البنتْ ضربتْ ذينك الشرطين الأساسيين عرض الحائط.

    وعندما بزغت شمس الشعر الحر، بسبب ترجمة الشعر الأوروبي إلى العربية وتقليده من قبل الشعراء العرب، بزغ معه سؤال هو: لماذا؟، فجاء الجوابُ إنَّ الشعر على الطريقة القديمة لا يفي بالتعبير عن حاجات الإنسان الجديدة وحضارته الحديثة، فهو شعر تقليدي كلاسيكي قديم، ولم ينجُ هذا الوليد، وأعني الشعر الحر، من مقاومة تشتدُّ وتضعف، حتَّى استطاع أن يفرض نفسه من خلال الأمر الواقع، ومن خلال تشجيع السلطات المدعية للتطوير والتحديث والتقدم، ومن خلال إصرار الشعراء أنفسهم على خوض التجربة إلى نهاية المطاف، ونهاية المطاف هنا تعني اعتراف الأطراف كافةً به ثم شيوعه، وقد ساعدهم على ذلك أنَّ هذا النوع من الشعر لم يتخلَّ عما للشعر العربي جملةً، بل التزم بشيءٍ أصيلٍ منه كما مرَّ قبل قليل.

    لقد استطاع  الجيل الأول والذين جاؤوا بعدهم بقليلٍ  من شعراء القصيدة الحرة أنْ يؤسسوا للقصيدة الحرة وأنْ يهبوها أسباب الصمود في وجه تلك المقاومة وذلك الرفض الشديد من قبل التيار المحافظ الذي لم يخلُ منه مكان ولا زمان،  فقد انطلقوا إلى كتابة القصيدة الحرة مِن  معرفتهم بطريقة كتابة القصيدة المقفاة ومن القدرة على كتابتها أولاً، حيث تدربوا في رحابها على أساليب البلاغة العربية، وعرفوا أصول موسيقى الكلام العربي، وأحسوا بأهمية الوزن وضرورة القافية وكلاهما من  لوازم تلك الموسيقى، ولذلك التزموهما حتى آخر قصيدة كتبها كل منهم، ولا سبيل إلى الاستشهاد بحالات قليلةٍ شاذة، فما حاجتنا إلى القياس على الشذوذ؟. ثم إنَّ النظم على القافية يدعو إلى الغوص في آفاق المفردة العربية والإلمام  بمترادفاتها، والرجوع إلى معاجمها، فتأسست لديهم قدرة لغوية ذات قيمة عالية أغنتْ ما كتبوه من شعر حر، وسهَّلت لهم تناول الجديد من موضوعاته.

   ومن سوء حظ الجيل الثاني والذين جاؤوا بعدهم  أنَّ أغلب شعرائه بدؤوا بالشعر الحر، وأخذوا شأنه على علاّته، مستسلمين لأطروحة الحداثة، ومستسهلين الطريقة في النظم، وراغبين في الوصول إلى مرتبة الشعر بأقصر الطرق وأسرعها، فجاء شعرهم خالياً مما لم يخلُ منه شعرُ الذين سبقوهم، ولكنه لم يخل على عمومه من الإبداع ، بسبب انتباه البعض منهم إلى شَرطَي الوزن والقافية، وقد رضينا من هذا البعض اقتصارهم على وزنَي المتدارك والمتقارب، بل اقتصار بعضهم على وزن واحد فقط هو المتدارك حتى آخر قصيدة دون سواه، ثم رضينا من بعضهم  استخدامهم لشذراتٍ من القافية حتى بدؤوا يستحون من استخدامها فتخلصوا منها!.

   أما آخر الأجيال وهو الجيل الذي نشهد ولادته الآن، فقد رأى الكثيرون منه آخرَ ما وصل إليه الشعر على أيدي الجيل الذي سبقهم ومازال على قيد الكتابة، فظنَّوا أن الشعر الحر هو تلك الخاطرة الذهنية التي هي تجسيد لفكرة أو شعور أو لمجموعة من المشاعر والأفكار لا يلزمها وزن ولا قافية، ولا أي شرط آخر من شروط كتابة النص الأدبي سوى تقطيع الكلام على سطور مرصوفة بشكل عمودي، ثم تبدأ سلسلة من التساهلات الأخرى، حتى أنَّ كل مَن يرى نصاً ذا أسطرٍ مختلفة الأطوال يظنُّه شعراً حراً، وبذلك ضاعت مقاييس الجنس الأدبي.

   وحتى لا يكون هذا الجنس من الكتابة مُفرَّغاً تماماً من شيء يتميز به جعله مريدوه غارقاً في الاستعارة والتشبيه، والتقعُّر في التراكيب اللغوية، فجرَّ ذلك إلى الغريب من الاستعارة وإلى الغامض من التشبيه، وفوق ذلك أغرقوه بالأفكار الذهنية والتأملات ولوَّنوه بضروب من التفلسف، وليتهم جميعاً فعلوا ذلك، ليكون لهذا النوع الكتابي ملامح معهودة!. غير أنهم ومع كل ذلك الغموض والتشوش النوعي وجدوا ضالتهم في مصطلح "قصيدة النـثر"، ليتخذوا منه مرجعية تبارك لهم ما هم فيه سادرون!، وتعنـتوا حتى أصبح الخلاف معهم في ذلك يُفسد للود ألف قضية!.

   فإذا وقفنا على المصطلح وجدناه غريباً عن مصنوعاتنا، مستورداً من خارج ثقافاتنا، شأنه في ذلك شأن الشعر الحر، والحداثة ، وأخيراً العولمة التي لم تتأخر كثيراً في الوصول إلينا كسابقَيها، بسبب التسارع في إيقاع الحياة الإنسانية في العالم كله الذي أحدثه انتشار الشبكة العنكبوتية الخطيرة، فقد تأخر وصول الشعر الحر من الغرب إلى العالم العربي ما يقرب من خمسين عاماً، ومثل ذلك يُقال بشأن الحداثة، ولو تأخر نشاط الترجمة أكثر لتأخر ذلك الوصول بمقدار تلك الكثرة!. والمطلعون على اللغات الأوربية يجدون مصطلح قصيدة النثر شائعاً في قواميسها، ولعله موجود قبل أن تستعمله الفرنسية سوزان برنارد فيترجمه عنها أدونيس وسواه!.

   وقد يجد البعض من مُريدي هذا النمط الكتابي شعوراً بالفوز وهم يستهجنون وجود قيدَيْ الوزن والقافية في النص الشعري متمثلين بالمنظومات العلمية والأراجيز، متندرين بها، على أنها ليست من الشعر في شيء، وذلك أمر يحق لنا التعجُّب منه، والتقليل من شأنه جُملةً وتفصيلاً، لأنَّ أحداً لم يُسمِّ تلك المنظومات شِعراً، لا مِن القدماء ولا مِن المُحدَثين، فضلاً عن أنَّ القدماء كانوا يستهينون بوزن الرجز ويسمونهُ (حمار الشعراء)!، وليس مِن الحِكمة أنْ نضربَ شيئاً خارج القياس مثلاً لِمَقيس!. ومثل ذلك يُقال بشأن كتابة عمالقة الشعر الحر للخاطرة كنـزار قباني.

   إنَّ الشعرية والموضوع ليسا مما يخلو منه النثر، أو ما ينبغي أن يخلو منه، بل إنَّ كثيراً من النصوص النثرية القديمة والحديثة اشتملت على الكثير منهما، وإذا شئنا أن نسمي كل نص طفحت فيه الشعرية واستوفى موضوعه، بل غصَّ كذلك بأنواع الاستعارة والتشابيه والتراكيب اللغوية المخصوصة شِعراً، فإنَّ علينا أن نَـعُد أجيالاً من الناثرين العرب القدماء والمحدثين، ومنهم كُتّاب الخواطر، شعراءَ بامتياز، ولكانت "قصيدة النثر" عربية النجار دون ريب، وكان الغربيون كلهم عالة ً على العرب، فما الداعي لأنْ يكون أولئك مراجعَ لنا دون هؤلاء؟!. ولكنْ أنَّى للعرب أن يفقدوا نظرتهم الثاقبة للشعر، وأنْ يخلطوا بين الأنواع الأدبية؟!.

   وهناك من لا يؤمن بتسمية شعر التفعيلة شعرا حرا لأنه قُـيِّدَ كذلك بالوزن والقافية، وإن كان أكثر تحرراً من الشعر المقفى، وهذا يعني أن الحرية لدى هؤلاء تعني التخلي عن القيود جُملةً، فإذا كان الأمر كذلك فما الداعي إلى ابتكار جنس أدبي كتابي جديد كان موجوداً من قبلُ وهو الخاطرة؟، بل إنَّ هناك مَن ينسب قصيدة النثر إلى الشعر الحر، وهو منها بريء، وهذا يُضاف إلى إشكالية الجهل بالفن الشعري وخصائصه، حتى أن أحد طلاب الدراسات العليا وكان يُحضِّر لأطروحة الماجستير في الشعر العربي سألني عن الفرق بين الشعر الحر وشعر التفعيلة!.

  ويُضاف إلى هذه الإشكالية أنَّ بعض كتّاب هذا النمط النثري يعمد إلى كتابة عبارات وفواصل مقفاة، وهو ما يسمى في النثر سجعاً، غير أنهم يظنون ظناً، وهو ظن خاطئ، أن التقفية تجوز فيما ينـثرون، مع أن للقافية عِلماً مستقلاً ودقيقاً لا يمكن تحققه إلاَّ في الشعر الموزون، فيكون ذلك عاملاً مساعداً على إشاعة الجهل بأصول الفن الشعري، خاصة في زمنٍ غابت فيه الرقابة على النشر الأدبي في خضم هيمنة الشبكة العنكبوتية، هذا الغياب الذي ساعد كثيراً على غياب الصحة في اللغة والنحو والإملاء في غابةٍ مما نقرؤ مِن نصوص، بل لقد كتب في هذا النمط كثيرون مِمن  لم يكن في وسعهم يوماً أن يحلموا بأنْ يُعدُّوا في رعيل الشعراء !. وبهذا يكون لـ" قصيدة النثر" الفضل في تجريئ الناس على الكتابة طمعاً بهذا اللقب الساحر!.

   ثم ألا تحمل كلمة (قيود) تهمة إلى هؤلاء الدعاة إلى التحرر منها جميعاً بأنهم غير مؤهلين لتحمل القيود التي لا يكون أي إبداع بدونها إبداعاً؟.

   إنَّ علينا عدم المراهنة على الفكرة والموضوع، وهما قضيتان لهما علاقة بالمعاني، فالمعاني (مطروحة في الطريق) على رأي الجاحظ، وإنما العبرة في خصائص الفن الأصيلة التي لا تشترك فيها مع فن آخر، فوجود الشِّعْرية في قصة قصيرة لا تسوّغ لنا نسبتها إلى الشعر دون السرد، على سبيل المثال، والنمط الخاص بكل فن لا يجب أن نقبل الاستهانة به، والتقليل من شأنه تحت تهمة (النمطية) التي يصفها البعض بأنها كارثية!، فالنمطية هنا هي التي تحدد النوع، فإذا كان المتهمون لهذا للفن الملتزم بالأصول والقواعد بالنمطية فلماذا يسموّن ما ينثرونه شعراً؟ أليس للنمط علاقة وثيقة بتسمية النوع؟!.

  وأنا لا أقف ضد هذا النوع من الكتابة الذي يسمونه (قصيدة النثر) والأفضل أن يسموه تسمية تدلُّ على النوع وليس على القطعة الواحدة منه، إذا اتفقنا على أنه نوع جديد في الأدب العربي، بل لقد كتبتُ عن نصوص وعن مجاميع صدرت حافلةً به، وأثنيتُ على كتّابها، وقد فعلتُ ذلك لا لأنها قصائد وكتّابها شعراء، بل لأنها نصوص مُبدَعة (بفتح الدال)، ولأن كتابها مبدعون على نحو ما، وقد أعجبني الكثير من تلك النصوص إلى حد الدهشة، غير أنني لا أعدُّها شعراً وإنْ كان فيها شِعْرية، ولا أعدُّ كتابها شعراء وإنْ كان فيهم شاعرية، إنما أقف ضد التضييع والتمييع الذي يمكن أن يحلَّ بالشعر العربي وأصالته، وأخشى أن يضعف فهمه والشعور به وأنْ يعظم الجهل بأصوله، وأن يذهب الذوق العربي به أدراج الرياح، غير أنني لا أخشى أن يحلَّ هذا النوع محلَّ الشعر العربي الأصيل، لأنه نوع مستحدث غير أصيل في الشعر خاصة، مع أنه أصيل في سواه، وله ذلك بجدارة.

 

      إنَّ ما يُسمَّى بـ"قصيدة النثر" هو نوع أدبي بلا شك، غير أنه لن يتعدى الخاطرة، وهي قديمة أصيلة، وقيمته الأدبية تكمن في ما يحتويه من مادة فكرية موضوعية، وفي لغته وتراكيبه وأساليبه وبلاغته، وليس مطلوباً منه أن يُسمَّى شعراً، وأن يُسمَّى كتّابُه شعراء بالضرورة، وإنْ كانت نصوصهم تطفح بالشِّعْرية، وهي مما يلازم النثرَ أيضاً، وإنْ كانت لديهم شاعرية، وهي مما يلازم حتى بسطاء الناس!.

أنطمع بالتسميات؟!.

 

 

 




"لا يتحمّل مكتوب أيّة مسؤوليّة عن المواد الّتي يتم عرضها و/أو نشرها في مدوّنات مكتوب. ويتحمل المستخدمون بالتالي كامل
المسؤولية عن كتاباتهم وإدرجاتهم التي تخالف القوانين أو تنتهك حقوق الملكيّة أو حقوق الآخرين أو أي طرف آخر."