إن الإشكالية التى يطرحها موضوع " صدام الحضارات " the clash of civilizations " ليست جديدة ، فهى مسألة تتدرج فى حقيقة الأمر ضمن مرحلة معينة فى مسار سياسات موغلة فى القدم إن منطق الصراع والحرب كان عبر كل الأزمنة هو المنطق السائد فى الفكر العالمى والغربى بصفة خاصة ، فسادة الفكر اليوم فى علم العلاقات الدولية الذين تنفذ توجيهاتهم على أرض الواقع فى المؤسسات الغربية هم ورثة اتجاهات فكرية سادت عبر القرون ورسمت طريق الحرب والمؤامرة للقادة ومشعلى الحروب . والعقيدة البرجماتية التى لا يهمها فى تفسير مفهوم الحقيقة إلا ما تعلق بسياسة الأمر الواقع-المنفعة والمصلحة أولا وقبل كل شئ والتى تتميز بها السياسة الأمريكية – اليوم ما هى إلا تكييف عصرى لمفهوم الغاية تبرر الوسيلة التى أوصى بها أصحاب مصنفات " فن الحرب " من أمثال نيكولاس ماكيافيللى Nicholas Machiavelli الذى يقول : إن الحرب هى الفن الوحيد الذى يحتاجه الأمراء " أما فولتير Voltaire فيرى : " أن السلام مفهوم طوباوى " وقد لاحظ علماء النفس أن القتال والحرب يشبعان إحتياجات ممتدة الجذور عند الأفراد والمجتمعات وأنها احتياجات من المفروض أنها فطرية عند البشر وليس بالإمكان قمع هذا الدافع العدوانى ولكن بالاستطاعه ترويضه وإعادة توجيهه وتحويله صوب أنشطة أكثر اتساما بالمسالمه والمدرسة الواقعية تذهب مذهبا مؤيدا لذلك حين تستنتج أن الصراع الدولى هو القاعدة التاريخية التى تحكم العلاقات الدولية ، أما الاستقرار أو السلام فهو الظاهرة العرضية فى التاريخ الإنسانى . إن هذه الظاهرة ليست جديدة على التاريخ الأوروبى إذن ، بل هى جزء من حركته المتعددة الإتجاهات والمضامين والتاريخ مملوء بالنماذج الكثيرة من الصراعات الكبرى عبر التاريخ والمسئولية الأكبر فيها هو الغرب الأوربى وهو ما يستعرضه هذا الكتاب .