المدونات في :

أرسل الإدراج التالي


اســمك مطلوب
بريدك الإلكتروني مطلوب
بريد صديقك الإلكتروني مطلوب
الرسالة 300 حرف كحد أعلى

محتويات الإدراج الذي تريد إرساله:
لِقَلْب مَحفوف بالدهاليز

 

 
أي أمينة،
 
 
هل يروق لكِ أن ألتقي بك وأناديك "أمينة" كما لم أفعل يوما، ملغية تلك الخطوط المعلنة بين طالبة ومعلمتها؟ وهل ستغفرين حينها زلاتي الصغيرات، وبسماتٍ لم تندلق من صدري أمامك –رهبة- على الإطلاق..
ها أنا أمامك إذن!
منذ زمن بعيد لم أركِ، لعلها خمس سنوات مرت أو أقل بقليل. قلبي الراكد شَعر بماء نهر فاض كالنيل على عُجالة وملأه بالخيالات الخفيفة والذكريات الطفولية وتلك المسافة التي تحمل نشوة مارقة كبدايات الأشياء كلها! فهل أعتذر منك لأني لم أزرع أرضي جيدا قبل أن أترشق بالماء وأغرقها؟ في مِصر يقولون إنه موسم الحصاد، وأن عليَّ قبله تحديدَ موعد البذر بدقة. لكني لم أفعل، لم أسأل حتى، ولم أبكِ على قطعة الأرض الصغيرة/ مني، لأنها تناثرت بالماء بلا جدوى أخيرا، غير إحساس بقطرات تخب بيني وبيني..!
على غفلة أراكِ، وتنتابني تلك اللحظة العابثة/ الومضة حين يخبرني الدماغ أن شرخا ما يلتئم فجأة، وأن قفزة قد يأمر بها ذاك الجهاز المعجزة في أي برهة، القفزة التي تعيدني بها السنون لما قبل الخدوش التي تشبثت على نحو دقيق بدمي، لمّا أزهر شيء وتعفن في اللحظة ذاتها! لعله فجر كنت أتنفس فيه السماء زرقاء صافية كزجاج أملس، بينما لا يمكن لي الآن أن أتنفس دون ألم الحواف الحارقة..!
فلِم أجدني حين أتعرق وجهك أقارن بين عمري وعمري، كأنه مشطور كنيزك ارتطم بفضاء كوكب قديم..؟!
أتذكر الطريق الرملي المبثوث من بيتنا إلى المدرسة، أتذكر القلعة القديمة الراسخة قرب شبابيكنا كحارس مُطفئ بالدم الأزرق والصبر البني الموسوم بالقش، والباحة المصبوبة أمام الدار كلما حففتها ذهابا وإيابا والكتب تتوالى واحدا واحدا، واللوح الصغير ورئتي المليئة بهواء الطباشير البيضاء والملونة، وصوتي البريء قبل أن يعرف تأرجح الأنوثة وميل الأشجار ورجاجة الماء..
وجهك الآن غير الوجوه حين أمدّ يدي لأصافحك وأمنحكِ قبلتين رشيقتين على خدك الأيمن، أرى شيئا فيه يطير، ألحظه ولا ألحقه!
فهل أنسى ألوان الهواء وأنا أحرّك شفتي لأخبركِ بأني تخصصت في الوراثة وتقنياتها؟!
عندما منحتنا الدرس الأول في الوراثة، كان مندل حاضرا كمراسم الولادة، نلُفه بالبياض ونحكي عنه كلما مر الوقت أكثر. نغسله كالأمهات بالآمال الممكنة لمساحة الغد المفتوحة على أحلام مرجوّة.
" الفشل أن نبقى مركونين إلى قعر الحياة، مندل فشل مرات لكنه حاول، واستطاع أن يكون مؤسسا، لا رجلا قادرا على النجاح فقط " وتتابعين شرحك على جهاز العرض، أصابعكِ من بعيد تلمع بجوهرة  حمراء ثقيلة في الأوسط، بينما توقظ الجملة تلك براكيننا الخامدة.
ستصدقين أني توهمت وجوده قربي طوال فترة دراستي! كان يشير بيديه إلى نبات البازيلاء الذي أجرى تجاربه عليها، ويحكي.. يأتيني مدوّر الوجه، خفيف الشعر، معتدّ بنفسه إذ ألحظ بسمته الجانبية بين وحين. لا زلت أتساءل لِم أتخيل أصابعه كعازف البيانو، ناعمة ومرهفة وحساسة بما يكفي لمزاوجة نباتين بلهفة اللقاء وبتأهب انتفاخ جنين يفك اللغز. ستصدقين لو أخبرتكِ أني أناوشه بأن ما يبحث عنه يسمى الآن "جينات" فلا يقبل، ويسألني فاغرا فاه عن معنى ذلك، فأخبره كعبقرية نادرة أنها جزء من المادة الوراثية، أقول له لكنه لا يرضى. وحين يغيب خياله، أندم وأنام، فأراه..
كان مختبره الوراثي – في الحلم - آخر الممر المتعب مفتوحا نصفه كفم يوشك على ابتلاع لقمة كسيرة، وأنا ألاحق إحساسا بوهج الحياة؛ حيث النباتات منثورة في المكان ترتفع قممها النامية وتغمر الجفن بألوان بتلاتها الزاهية، لم أكن أفهم كيف كنت أرى مجسمات دقيقة للمادة الوراثية الـ دي أن إيـه -ولم تكن في زمنه قد عُرفت بعد- إذ تبدأ في التشكل إلى أن تصبح "كروموسومات" جاهزة لانقسام الخلايا، ونقل الصفات التي يحملها الأبوين للأفراد الناتجين، ثم تتربع عرض الحائط صورة مكبرة لبويضة وحيوان منوي في التقاء بديع يغلب عليها ألوان دافئة ممزوجة ما بين البرتقالي والأحمر، تتشكل بعد ذلك سلسلة من التتابعات لتلك البويضة المخصبة –البويضة الناتجة من اندماج نواة حيوان منوي ونواة البويضة- إلى أن تصبح جنينا كاملا..!
كيف لحلمي أن يختلط إلى ذاك الحد، لأرى جديدا بقديم؟! لكن المهم وقتها أن وجهه قَبِل اعتذارا مبطنا بإيماءة، وغادرتُ الحلم فرحة!
أنت لن تسألينني عن تفسير ذلك، أعرفك..
 
ها أنا أجلس في كرسيي الذي يحمل لي صفة "معلمة" بامتياز، أجلس بريئة هادئة –على غير عادتي-، وها أنتِ، تنادين عليّ باسمي، فيتدحرج الدم من الأسفل للأعلى منافيا كل الجاذبية التي تلحقني، فأرسو على الأرض كقطة، فهل سيكون ارتفاع الدم في جسدي إعلانا أوليا بإمكانات الطيران بنشوة تحقيق هدف ما!
أسأل قلبي وأنا أردّ نداءك، بأنه "نعم"..



"لا يتحمّل مكتوب أيّة مسؤوليّة عن المواد الّتي يتم عرضها و/أو نشرها في مدوّنات مكتوب. ويتحمل المستخدمون بالتالي كامل
المسؤولية عن كتاباتهم وإدرجاتهم التي تخالف القوانين أو تنتهك حقوق الملكيّة أو حقوق الآخرين أو أي طرف آخر."