الشتاء يبدأ والدنيا هنا تشبه الصيف في بلاده!
شعور بلسعة برد تنتابه!ينحني إلى الأسفل، يتلمس حذاءه ثم يعاود تلمسه في محاولة لتكذيب شعوره المتزايد ببلله!يهرب للأوراق المبعثرة حوله، لكن قطرات المطر تعرف طريقها في النزول بالترتيب المعهود: خصل شعره الخفيف، بين عينيه، إلى أنفه، لكنها هذه المرة لا تسقط..! يحاول مسح قطرات المطر وحين لا يجدها يستسلم لخيبته..القطرة في خياله تكمل طريقها، من أنفه إلى يدها..! يد ياسمينتـه تزهر أكثر كلما لمست قطرات المطر النازلة تلك..هو يحب ما يحدث بعد ذلك كثيرا، حين تبدأ الياسمينة بعدّ حبات المطر الساقطة من أنفه، واحدة واحدة. يحب ضحكها على كسر حديث في أنفه كلما مالت قطرة مطر باتجاه خده، يحب الفسحة المسروقة للنظر في وجهها الأبيض الصافي، النظرة التي تتلون بها لاحمرار ساحر، حين يأخذه التقاء العينين لدفء يسري سريعا في عروقه الباردة، ليشلّه رغما..!يفكر: فنجان قهوة صغير لن يكفي حضورها أبدا.هكذا مشاعر، لا يمكن له أن يذهب بها دون أن يمسكها من أولها إلى آخر، حين يحضر الياسمين، على كل شيء أن يكون لائقا بها، دبقا، شهيا إلى آخره..ويطلب كأسا من القهوة على عجل.يرشف أولى خيرات فنجانه بينما يشعر بقطرة المطر ويدها التي تتلقاها من أنفه، يبتسم لخِفّة تعتريه..ورعشة يجعلها فنجان القهوة ألذ.يمدّ يده إلى وجهه، أنفه جاف تماما، وهو أسفل حائط إسمنتي مسلّح، المكيف يشتعل طوال الوقت، وهي لا تأتي الآن إلا خيالا. يتساءل: لِم تتغير الفصول في داخله كلما تذكرها؟!ينتهي الدوام، ولا تزال يدها تحوم قرب وجهه، لتلتقط قطرة مطر لم تسقط على وجهه هذا الشتاء..!يركن سيارته قرب شقته الصغيرة، ويمشي.. كل يوم يدرك أن البلاد مختلفة، المشي مختلف، والدموع التي يذرفها رغما مختلفة أيضا.. وهنا، هي لا تتنفس ذات الهواء الممتلئ بكل الأجناس الممكنة، والدخان، واللهفة الغائبة عن الوجوه. ولا حتى رائحة البحر التي تهجم عليه بحزن مفرط.هنا أيضا لن يستطيع أن يشاهد معها طائر النورس وهو يضرب جناحا بجناح كي يحلّق فوق سماء أبعد..يمشي، المشي حالته التي يهرب بها من هذيانه ليُسجن في حالة الممكن التي يريدها ويتمتم بها عادة: كل شيء ممكن.المحالّ تتراص في بهجة يحاول تذوقها.يلفّ يديه حول شالٍ أبيض، يسحبه من مكانه، ويشتريه لها.. يمشي إلى شقته، وحين يصبح رأسه فوق وسادة أحاطها بشالها الأبيض، كانت دمعته تسأل: هل ستطوّق كتفيها بهذا الشال حقا..!