أبــــــــــــــــو البنات
منير القعود
يا للهول ..الذي يشعر به أحدنا إذا ما وهبه الله دستة أو ما يزيد من البنات .. و ما أدراك ما العذاب المقيم الذي يعيشه و يخلقه لنفسه ..و عقد النقص التي تلف أحدنا إذا ما وجد نفسه في بيت مليء "بتاء التأنيث" في أسماء ساكنيه ..و ضجيجهن الأنثوي يحيل حياته إلى مراحل من الألم و المقت و الحسرة .. و يصبح حبيس دوائر من التشكك و التشتت وفي كثير من الأحيان كاقطاعي من القرون الوسطى!! .. يسوم نساء بيته سوء العذاب و يحاسبهن على ما هو واثق من أنهن سيقمن به مستقبلا رغم عدم قيامهن بأي شيء يستحق العقاب..!!! فهذه دائرة الشك المقيتة و المريضة .إن هذا المجتمع الذكوري الذي احترف صفع النساء ..و تفنن في خلق عوالم مؤذية تجعل "الفتاة" سجينتها و تمثل العنوان العريض الذي يجسد كل خطيئة .. هو مجتمعنا مع الأسف وبالتحديد في الألفية الجديدة.. ومعظمنا بات يعاني حالة من الانفصالية "الشريرة" و "العدائية" ما بين الإناث والذكور و هذه الحالة تفرض نفسها بقتامة و أحيانا بدموية.. لتؤرخ لمرحلة لم تنته بعد و تعمل على استنزاف طاقات المجتمع البشرية و كبت لروح التعاون و التضافر المشترك ما بين الجنسين ..ويستمد الطرف الأقوى في الصراع الخفي والمعلن في بعض فصول شرعيته و أدواته و أساليبه من عقلية عربية جاهلية.. موغلة في القدم حينما كان الرجل يهم بوأد ابنته بعد ولادتها خشية العار أو الإملاق!!.. وقد تباينت ردود أفعال و ممارسات المجتمعات العربية تجاه الذي يهبه الله ذرية من البنات.. مع الأخذ بعين الاعتبار التباين الحاصل داخل كل مجتمع و آخر.. و تنوع النسيج الاجتماعي و الثقافي المكون لكل مجتمع عربي على حدة في التعامل مع " أبـــــو البنــات ".. فأغلبنا على صلة بأحدهم " أبــــو البــنات " و يمكن النظر لأصحاب هذه الصفة و تقييم تجاربهم بدراسة و متابعة أكثر من نموذج.. فيطالعنا " كهلا" يعايش بناته الست سوء العذاب و يخفيهن خلف "براقع سميكة" لاعنا اليوم الذي رزق بهن أو ابتلى بهن!.. فتراه يصفع إحداهن.. عله يدمي شفتيها أو يتلف عينها ليكف جيرانه الأوغاد عن الحديث عن جمالها و سحرها.. ويكف الصبية الملاعين عن التلصص عليها وهي تنشر الغسيل فوق سطح البيت .. ويؤرق نومه ماذا تفعل كل واحدة من بناته الست في مدرستها أو جامعتها صباحا أو مساء حين تكثر المواعيد و تختلط ساعات الدراسة بالمراجعة بالامتحانات بالدروس الخصوصية... حينها يقضمه الشك .. فيرى أن خير علاج هو بقائهن جميعا في البيت من دون تعليم.. كحل مرضي لرجولته و فحولته.. ويكاد يطير قلب هذا الكهل فرحا حينما يطرق باب بيته أول رجل يطلب يد إحدى كريماته..و قد يكون " عجوزا متصابي " لديه عشرة من الذكور العزاب .. ومقتر بدرجة شاذة .. ماتت زوجته قهرا و يرنو لمصاهرته.. ولا يهم شيء مما مضى.. إلا أنه حل يضمن الخلاص من الإنسانة التي يراها مصيبة حية ..و لا تهمه سعادة ابنته أو الشقاء الذي ستعيش فيه ..فالمهم في تفكيره البرغماتي هو التفرغ لما يراها بضاعة يخشى كسادها و يودع كل فتاة من بناته إلى سجن آخر يقيمه زوج نهجه غالبا كوالدها .. وقد يطالعنا "أبــــو البنات" و قد أفلح في رعاية سبع فتيات أو أكثر .. فكان هو الأب والأخ و الملاذ الآمن لهن .. بحرصه على آدميتهن وعيشهن الكريم و لو كان ميسور الحال.. فليس بالمال فقط تكمن السعادة و تكمن الرغبة في الرعاية و الاهتمام.. فنراه وقد أفلح في صنع الطبيبة والمعلمة و المحاسبة والإدارية الناجحة والصحفية وسيدة الأعمال.. وما إلى ذلك من وظائف متميزة و صفات سامية .. ما كان بمقدور إحداهن الوصول إليها.. بعيدا عن رعاية الأب و تشجيعه و إيمانه المطلق من إمكانية تحويل "عنوان المصيبة والعار" عند غيره من الرجال إلى "عنوان الفخر والتميز".. له بين معشر الرجال .و لو كان الأب غير موجود أصلا.. فقد نعايش نموذج أو دور " أم البـــنات" و قد تكون كالنموذج الأول الشرير... أو كالنموذج الثاني المتميز والرائع.. أو نرى نموذجاً أخرق " لأم البــنات" و هي تتسكع ببناتها بالأسواق وفي مصايف البحر والمنتزهات والحدائق العامة.. و هي تمني النفس بالظفر بعريس أو حتى خطيب " مع وقف التنفيذ"!..وإجمالا يمكن القول أن تعامل المجتمع المحيط و تأثير العقليات التي تغذي هذا المحيط تؤثر بأشكال مباشرة وغير مباشرة في وضعية هذه الأسر وتواصلهم مع المجتمع و كيفية تعاملهم مع المجتمع و تأثرهم السلبي أو الايجابي مما يصدر عنه .. و ليس من العار أو المكروه الارتباط بمصاهرة مع عائلة "نسائية صرفة" طالما كانت متميزة بأخلاقها و علمها و ذات صيت حسن تمتلك مكوناتها مقومات النجاح و التميز .. فقد ولى زمن التعامل بعقلية العرب ما قبل الإسلام.. وانتفت شرعية الخوض في سجالات عن جدوى إنجاب البنات أو شرعية طلاق الرجل لزوجته لأنها لا تجيد إلا إنجاب البنات.. أو الجزم بأن فلان "خلفته" كلها بنات مهما تزوج وهذا بالتالي يمنع مصاهرته فلعل هذا الأمر المقيت ينتقل إلى "الصهر" فتكون ذريته هو الآخر كلها بنات .و لا مفر يا معشر الرجال من التعامل الحذر والدافئ والعقلاني والموضوعي مع الجنس الآخر.. و يدا بيد نمضي صوب غد يسمو فوق الاعتبارات الغبية والقاصرة و ينبذ العقليات الذكورية الشهوانية.. ذات الاتجاه الإجباري الواحد .