تجديد النخبة وحدود التغيير في سورية(1)
إدارة السياسة الداخلية ( 1 / 3 ) د. فولكر بيرتس: ورقة بحثية نشرت في كتاب ( الإصلاح في سورية بين السياسات الداخلية والتحديات الإقليمية والدولية ) - تحرير د.رضوان جودت زيادة - سنة النشر 2005-الناشر مركز الراية . عندما توفي حافظ الأسد، الرئيس السوري الذي دامت رئاسته ثلاثة عقود تقريباً، في حزيران عام 2000، كانت قضية خلافته مرتّبة سلفاً. ومع ذلك تبقى الطريقة التي أدارت بها مؤسسات الدولة والحزب هذا التغيير مؤثرة. ففي غضون ساعات من الإعلان عن وفاة الأسد قام البرلمان، مجلس الشعب، بتعديل الدستور، مخفضاً السن المطلوب للرئيس من 40 إلى 34 سنة، مما أتاح لبشار الأسد، نجل الرئيس، أن يتولى هذا المنصب. وخلال أقل من 6 أسابيع، أجري استفتاء على بشار الأسد بصفته المرشح الرسمي والوحيد، وكما هو متوقع، انتُخب وكانت نسبة المؤيدين حسب النتيجة الرسمية 97,3%، ثم أدى القسم أمام مجلس الشعب(2). بهذه الخلافة شبه الملكية، تولى بشار الأسد قيادة نظام رئاسي تسلُّطي شديد المركزية، تمت صياغته خلال فترة حكم أبيه. وتقلد أيضاً جميع المناصب الرسمية للرئيس السابق: القائد العام للجيش والقوات المسلحة والأمين العام لحزب البعث ورئيس الجبهة الوطنية التقدمية، وهي تحالف رسمي يجمع بضعة أحزاب صغيرة مسموح بها إضافة إلى حزب البعث القائد.من صلاحيات الرئيس أن يعين ويعزل الوزارة وكل المسؤولين الكبار، ويستطيع حل البرلمان، ولا تتحول قرارات البرلمان إلى قوانين إلا بعد مصادقته عليها، كما أن له سلطات تشريعية. وبهذا تجتمع كل خيوط القيادة في مكتب الرئيس. عند توليه الرئاسة، أعلن بشار الأسد بوضوح أن السياسة الداخلية تأتي على رأس أولوياته المباشرة. كان حافظ الأسد قد قضى معظم وقته وطاقته على السياسة الإقليمية، لاسيما الصراع العربي الإسرائيلي وعملية السلام. وقد أكد الرئيس الشاب أن السلام هو خيار استراتيجي للبلد، واعداً بمواصلة النهج السابق. على كل حال، سوف يولي الرئيس بشار عناية أكبر "للأداء" التنموي في سورية. تكلم بشار كثيراً عن الحاجة إلى الإصلاح وتحديث الاقتصاد والتعليم والإدارة. كما أنه غذّى الآمال بتغيير سياسي، من خلال الحديث عن "التفكير الديموقراطي" وعن "مبدأ قبول الرأي الأخر"(3). إذا كان بشار قد أمل ببضع سنوات هادئة أن يركز فيها على الاقتصاد والقضايا الداخلية بشكل يجعل سورية مؤهلة لتنافس سلمي نهائي مع إسرائيل والدول الأخرى المجاورة وسط بيئة إقليمية أكثر عولمة، فقد جاءه الواقع بسلسلة من الأحداث كانت خارج سيطرة القيادة السورية الجديدة وفرضت عليها الاستجابة. فبعد أقل من شهر على تولي بشار، فشلت القمة الأمريكية- الإسرائيلية- الفلسطينية في كامب ديفيد، وبعد ذلك بشهرين اندلعت الانتفاضة الفلسطينية الثانية، ثم بعد أربعة أشهر انتخب أرييل شارون رئيساً لوزراء إسرائيل. وخلال السنة الثانية من رئاسة بشار هزت العالم هجمات 11/9 الإرهابية على نيويورك وواشنطن، ووصلت تداعياتها إلى الشرق الأوسط، ممهدة لسياسة أمريكية جديدة أكثر عدائية تجاه المنطقة. وتميزت السنة الثالثة في رئاسة الرئيس بشار بأزمة العراق ثم الحرب عليه. هذه كانت أعظم التحديات التي واجهها نظامه، حتى الآن على الأقل. إن للسياسات السورية مضامين جدية تؤثر على علاقتها مع واشنطن، وقد تركت الحرب ونتيجتها آثاراً أيضاً على المشهد المحلي. دون أن تتجاهل هذه التحديات الخارجية، تركز هذه الورقة على مجال السياسة الداخلية، ولاسيما الجانبين اللذين طالما تمت مناقشتهما منذ التبدل الرئاسي في سورية: هل ينجح بشار الأسد في توطيد السلطة، السؤال الذي طرحه الكثير من المراقبين السوريين والأجانب، وهل هو راغب وقادر على تغيير البنى السياسية الداخلية؟ يعتقد هذا الكاتب أن كلا الجانبين لا غنى عنهما لنجاح الإصلاح الاقتصادي ومشروع التحديث الذي يتبناه الرئيس الشاب وفريقه. أجيال متغيرة: فور انتقال الرئاسة إلى بشار الأسد، بدا أن نوعاً من القيادة الجماعية سوف يظهر، حيث سيتقاسم الرئيس السلطة مع أولئك الذين جلبهم أبوه إلى مناصبهم. والآن بعد أربع سنوات من توليه الرئاسة لم يصبح بشار الأسد مصدر كل السلطات – كما كان أبوه – بل أصبح المصدر الرئيسي للقرار. فقد اضطر أحياناً للمساومة على قضايا سياسية وقرارات تعيين موظفين. فعلى سبيل المثال وقفت قيادة الحزب في وجه بعض المرشحين الإصلاحيين في الوزارة الجديدة عام 2003. تنبع سلطة بشار الأسد من مصادر مختلفة. من داخل الحزب، ومن داخل الطائفة العلوية التي تنتمي إليها عائلته وينتمي إليها معظم المسؤولين الأمنيين، كما يتمتع بشرعية كوريث لأبيه. وخارج هذه الدائرة ينظر إليه كممثل للجيل الشاب الخبير في التكنولوجيات الجديدة داخل نظام أصبح يحكمه الشيوخ بعد حكم أبيه الطويل. كما يمكن لبشار الأسد، بالمقارنة مع أعضاء نخبة النظام، أن يزعم أنه مواكب للحداثة العالمية، وهذا أيضاً من مصادر شعبيته. أخيراً، وطد بشار سلطته بتعيين أناس موثوق بهم في المناصب الهامة، على نحو منهجي. وهكذا فقد ترافق انتقال السلطة مع تبدل واسع في عناصر القيادة: تم خلال السنتين الأوليتين استبدال ثلاثة أرباع المسؤولين البالغ عددهم حوالي الستين، الشاغلين مناصب عليا سياسية وعسكرية إضافة إلى رؤساء تحرير وسائل الإعلام التي تديرها الدولة. وخلال أشهر فقط تم عملياً استبدال كل المحافظين ورؤساء فروع حزب البعث. وفي 2002 تم تغيير معظم قيادة الحزب على مستوى أدنى ومتوسط. كما أن التبديل الذي جرى في البرلمان المنتخب عام 2003 كان لافتاً أيضاً، إذ تم تبديل 178 من أصل 250 من أعضاء البرلمان. ووصل تجديد الشباب إلى بيروقراطية الدولة، التي سمحت بترقية كوادر شابة وأعطت فرصاً لوافدين جدد. و جدير بالذكر انه لم يحدث مثل هذا التغير الواسع في النخبة القائدة منذ تولي حافظ الأسد الحكم قبل 30 سنة(4). من وجهة نظر الرئيس، لم يكن هذا التجديد الشامل، وضخ الدماء الشابة في النخبة الإدارية والسياسية، ضرورياً لمجرد حشد الدعم لأفكاره الإصلاحية، بل أيضاً لزيادة عدد الناس في مؤسسات الدولة الذين يدينون له بالولاء: مدينون بمناصبهم له، وبالتالي سوف يدينون له بالولاء. وفي حين أن هذا التجديد الواسع في كوادر الحزب والدولة، مكّن الرئيس من بناء شبكة خاصة به من الموالين، فإنه يشتمل بوضوح على مظاهر وراثية جديدة. ومع ذلك فإن معظم المعينين الجدد يمثلون حكماً أفضل وأكثر فاعلية. كما يتمتع هؤلاء القادمون الجدد بنمط شفاف ومنطقي أكثر من أسلافهم. فهم يعقدون مؤتمرات صحفية ويجيبون على أسئلة حرجة على الملأ، بل وينظر إلى معظمهم على أنهم نظيفو اليد – قياساً بالكثيرين من الحرس القديم – مؤكدين بذلك على زعم بشار الأسد الالتزام بمحاربة الفساد. كما قام حزب البعث نفسه بمحاولة لرفع سوية المؤهلات الرسمية لأعضائه: في الانتخابات البرلمانية لعام 2003، قرر الحزب أن يكون مرشحوه عن فئة "العمال والفلاحين" – التي لها نصف مقاعد المجلس – من حملة شهادة البكالوريا كحد أدنى، وان يكون كل المرشحين من الفئة الأخرى من حملة الشهادات العالية(5). يرى العديد من الكوادر الدنيا والمتوسطة للحزب أن هذا التغيير في الأشخاص هو تغيير في الجيل وليس في التوجّه السياسي. ويؤكد هؤلاء، وهم يصرون على الحاجة إلى "تحسين نوعية" الموظفين المدنيين، أن جيلهم أكثر خبرة من الناحية التكنولوجية وأكثر انفتاحا على العالم. على كل حال، هذا لا يعني بالضرورة أن لدى الجيل الجديد أجندة جديدة يطرحها. وقد كان الرئيس بشار واضحاً في هذه النقطة في اللقاء الذي أجراه معه تلفزيون العربية: "إذا كان الحرس القديم يسعى إلى الحفاظ على مصالحه، فالحرس الجديد قد يكون ممن يريد الانضمام إلى الجماعة والقيام بما قاموا به"(6). وكما قال مسؤول كبير في المخابرات: "مشكلتنا الكبيرة ليست في الحرس القديم بل في البنى القديمة"(7). إصلاح النظام أم تحديث التسلُّط: لقد دغدغ تولي بشار الأسد السلطة آمالاً بنهاية حقبة التسلط في سورية. وكان قد لوحظ في الفترة الأخيرة من حكم حافظ الأسد ميلًٌ للتخفيف من التسلط، لأسباب متعددة. مع ذلك فإن البنى التي شيّدها حافظ الأسد لضمان أمن نظامه، بقيت كما هي عندما تولّى بشار السلطة. البنى الموروثة: لم تتطور سورية أبداً إلى دولة شمولية، أو بتعبير ألان جورج، إلى دولة "أورويلية"(8). ظهر في ظل حافظ الأسد نظام تسلطي ودولة أمنية قوية مدعومة بروح العبادة الشخصية. لكن النظام لم يحاول بناء المجتمع وفقاً لايدولوجيا واحدة، أو فرض سيطرة فكرية على رعاياه. لقد حقق الأسد سيطرته على النظام، جزئيا، بالاعتماد على وسائل "نيووراثية"(وراثية جديدة)، أي باستخدام شبكات الوصاية القائمة على الروابط العائلية والعشائرية والمناطقية والمذهبية(9). يقوم النظام بالكامل على ثلاث دعامات: بيروقراطية الحكومة المركزية، حزب البعث، وجهاز الأمن. وحزب البعث هو حزب نظام الأمر الواقع في سورية منذ 1963. وفور تولي حافظ الأسد السلطة جرت عملية إعادة تنظيم الحزب بأسلوب مركزي وهرمي بهدف تحويله إلى أداة للتعبئة والسيطرة. وفي ظل حافظ الأسد تم قبول حفنة من الأحزاب الصغيرة اليسارية والقومية العربية في إطار الجبهة والتي بالتالي قبلت بقيادة حزب البعث المدوَّنة في الدستور. لقد وفّرت المنظمات الاتحادية، التي تدعى "شعبية"، أو المنظمات الجماهيرية، مثل الاتحاد العام للنقابات والاتحاد العام للفلاحين، عنصر مشاركة، وعززت قدرة النظام على اختراق أقسام فعالة من المجتمع. في النهاية، تعتمد قوة النظام على الأجهزة الأمنية. إذ يبقى الجيش ومختلف فروع الأمن والمخابرات الأداةَ الرئيسية للسيطرة. فهي تتدخّل بعمق في إدارة الحياة اليومية للبلد. كما أن الموافقات الأمنية لازمة لكل وظيفة عامة أو ترقية ولكل نشاط اجتماعي، وبالطبع لكل نشاط سياسي. ولدى أجهزة المخابرات شبكة واسعة من المخبرين، وهي لا تزال تعتقل وتحتفظ بالناس كيفما تشاء. وفي حين أنها تتبع طرقاُ أقل قمعاً، فإنها تؤكّد حضورها بشكل ملحوظ، إذ أنها تراقب الجامعات والتجمعات العامة، وجماعات المعارضة المغضوض النظر عنها، والأشخاص ذوي الرأي المغاير. ويعتبر رؤساء الأجهزة الأمنية من ضمن الدائرة الأضيق لصنع القرار في سورية(10). هوامش: (1) ملاحظة: ورقتي الموسعة مقدمة لجامعة أدلفي: سورية في ظل بشار الأسد: التحديث وحدود التغيير،و هي توسيع لهذه الورقة(IISS 2004). الرجاء العودة إلى تلك الورقة من أجل تحليل أكثر تفصيلاً في الاقتصاد والتطورات الإقليمية والعالمية في سورية. (2) من أجل هذه الرواية ،انظر: سكينة بوخيمة "Bachar el-Assad: chronique d'une succession en Syrie" العالم العربي: مشرق مغرب، العدد ،169 تموز-أيلول 2000، ص 72-164. (3) انظر النسخة الإنكليزية من خطاب القسم بشار الأسد في: سيريا تايمز، 18 تموز 2000. (4) "النخبة" هنا لها معنى وظيفي محض، وهي تشير إلى مَن يتخذ، أو يكون له تأثير على اتخاذ القرارات التي لها علاقة بالسياسة. انظر: Volker Perthes, ‘Syria: Difficult Inheritance’, in Volker Perthes (ed.), Arab Elites: Negotiating the Politics of Change (Boulder, CO: Lynne Rienner, forthcoming 2004). فولكر بيرتس، "سورية: التركة الصعبة" في "النخب العربية: مناقشة سياسة التغيير" إعداد فولكر بيرتس. (5) Arabnews.com ،18 كانون الثاني 2003. (6) تلفزيون العربية، (دبي)، 9 حزيران 2003. (7) لقاءات خاصة، دمشق، حزيران 203. (8) Alan George, Syria: Neither Bread nor Freedom (London and New York: Zed Books, 2003). ألان جورج، "سورية: إما خبز أو حرية". (9) من بين الكثير من الكتب التي تؤكد على الجوانب الوراثية في نظام الأسد انظر على نحو خاص: Nikolaos van Dam, The Struggle for Power in Syria: Politics and Society under Asad and the Ba’th Party (London: I. B. Tauris, 1996). نيكولاس فان دام ،"الصراع على السلطة في سورية: السياسة والمجتمع في ظل الأسد وحزب البعث". (10) حول البنى التسلطية، انظر: Volker Perthes, The Political Economy of Syria under Asad (London: I. B. Tauris, 1995), pp. 133–202. فولكر بيرتس، "السياسة الاقتصادية في سورية في ظل الأسد"،ص133-202 .