منال حمدي - أطفأتْ الأنوار، جلستْ إلى طاولتها المستديرة مبتسمة، وهي تمارس شعائر خاصة بها تبعدها عن أنظار البقية من أفراد عائلتها. أخرجتْ شمعة من جيبها بلطف، أشعلتها بعود كبريت، وبنفخة هادئة أطفأت عود الكبريت. صمتت لبرهة، كادت تبكي وهي ترتّب الكلام كأنه تراتيل قبل أن تبدأه. اتكأت بكوعيها على طرف الطاولة، وضمّت كفَّيْها بعضهما إلى بعض، أحنت جبهتها عليهما مغمضة عينيها:.
لأني أحبك، أشعل لك هذه الشمعة، وأرجو لك كل الأمنيات: الأمنيات التي حققتَها، فسعادتي بها لأنها تحققت، والتي لم تُحققها، فسعادتي لأني أتمناها لك. أشعر أنَّ هناك شيئاً ما يجمعنا، ويجبلنا على هذه الدائرة المستديرة. طيفك يلفّ المكان. أنت في كل مكان. أنا أراك، تجلس قِبالتي وتضيء معي الشمعة، لأننا نفكر بطريقة واحدة؛ طريقة المجهول الذي يستهويه أن لا يكشف قناع الآخر الذي نحسّه ونعيه. ونقول بطريقة واحدة؛ طريقة الاختباء.
تقول لي كم أنت قريب مني وإليّ. ربما الشيء الوحيد الذي لن أتمناه لك: هو أن أكون قريبة منك إليك، فربما هناك مَن تكون هي كل أمنياتك لها .
@@@
استيقظي من النوم، هيا! ، وكشفت عن أختها الصغرى الغطاء، فشدّته الأخرى إليها تدسُّ تحته رأسها. قالت لها وهي بالكاد تستطيع فتح عينيها:.
ماذا دهاكِ، ما يزال النهار في أوله، دعيني أريد أن أنام، ثم منذ متى وأنت تستيقظين باكراً؟ .
اقتربت من سريرها وكشفت لمرة أخرى الغطاء عن رأسها: اليوم سأراه .
- آآ، لن أنام إذاً، بماذا تريدين أخذ رأيي اليوم؟
أخرجت الثوب من الخزانة: بهذا الثوب، ما رأيك به؟ .
انتفضت من سريرها: إنه بديع، شهيّ، رائع، جذاب وله رونق! . وأمسكته بيديها تتفحصه. ثم تابعت: ألوانه ساحرة. كم سعره؟ .
- لا يهم!
- أريد أن أعرف كم سعره؟
- مبلغ كبير
- بما أنك سرقت النوم من عيني، ما رأيك بفنجان قهوة؟
@@@
فنجان يليه الآخر، وبعد صمت وَجِلٍ سيطرَ عليهما، بادرت أختُها الصغرى: حتى متى؟ .
ردّت بحزن وبانكسار: لا أعرف! .
- لو تخبرينه!
- لا أستطيع.
- لماذا؟ ربما ينتظرك لتبدئي الحديث؟
- أو أنني لستُ على البال.
- ستتعبين!
- أعرف.
- أنتِ لستِ كتومة. سرعان ما سيكتشف. ألم تقولي إنك تخافينه في بعض الأحيان لأنه قارئ جيد للعيون؟
- هو كذلك، لكن لا، لن أخبره. ولا أريده أن يعرف.
- ........
- أنا قوية بمفرداتي ومعطياتي، إن عرِف ستخذلني عيناي، يداي، جسدي، كلّها أشياء ستنطق بصوت مسموع، لن أعود قادرة على النظر إليه. اعترافي له سيمكّن الآخر مني. أشعر بجسدي تحت قميصه والهواء يحركه في قلبي. أحبّه، لكني أكره فكرة استباحة مشاعري، وضعف أن يمتلكها آخر مهما كان حبّي له.
- الجلاد فقط هو القادر على خلعك من جذورك!
- أريد أن أظل الفتاة الناضجة في عينيه، الواثقة التي تعرف كيف تكتمل فيه.
@@@
ذهبت إليه بفستانها الجميل المضمخ بعطرها الأخّاذ. أطرافه داعبت ساقيها كلّما هزتها نسماتُ هواء عليلة. الفستان أسفل الركبة بقليل، ألوانه متماوجة كأنها قوس سماوي يميل إلى اللون الأزرق. كانت تتجّه إليه وهو يراقبها، لينة في مشيتها، بِطَلَّتِها المميزة، وجاذبيتها الخاصّة.
جلست إليه. تحدّثا مطوّلاً. الحكاية تبدأ عندما تغادره، عندما ينتهي حلم تعيشه مفتوحة العينين. حاولت الإبقاء على توقدها بإخفاء حقيقة مشاعرها. وقف موّدعاً إياها بلباقته المعتادة، ورُقيّه المعهود. تصافحا قبل أن يفترقا.
@@@
عادت إلى المنزل. أدخلت المفتاح في رتاج الباب بيدٍ ترتجف. سقط المفتاح وهي تحاول عَبَثاً. طرقت الباب بعصبيّة، فركضت أختها لتفتح الباب. دخلت وأسقطت جسدها متهاوية على أوّل كرسي، حزينة مخطوفة لون الوجه. ارتابت أختها وسألتها: ماذا بك، هل تشاجرتما؟ .
هزّت رأسها بالنفي.
- ألَم يأت؟
هزّت رأسها لمرة ثانية، ثم أفسَحَت لدموعٍ احتبستها حتى اللحظة الأخيرة. انفلتت وهي تبكي بحرقة. حاولت الأخرى أن تخفف عنها: ماذا يبكيك؟ .
بنشيج وصوت مقهور: جميل ووسيم، أنيق، متألق، دافئ كعادته، ناضج كتفاحة بين يديّ الحمقاوين! رتّبَ حياته ليكون هو محورها. كَوْنِيٌّ إلى درجة نزيف أوقاتي وساعاتي وعمري بين يديه في لحظات. أشعر أنني امرأة بين يديه. هل تعلمين ماذا يعني هذا الشعور؟ .
- لم يسبق أن شعرت به!
- يعني، تستحيلُ عودتك إلى بكارتك، إلى نشيد الصبايا العالقات بصور أبطال المسلسلات. الهواء يفضّك ويحوّلك سماءً أرجوانيّة، يمطرك ويعطرك بالورود. أنا لستُ مجرد فتاة عندما أحب!
- ما الذي يبكيكِ إذا؟
- لأنه يوجعني بغيابه عني. منغمس هو فيَّ، وأنا مفتونة به. تلهمني عيناه وتسجّيني بسمته. أنا أمتلك كل الأشياء التي تقول لي إنني أحبه، لكنني لا أريد أن أصدّق! أتذكرين؟ كثيراً ما نصحتكِ بعدم الاكتراث بمثل هذه المشاعر التي ستصنع فتيلاً يشعلُ كلّ أوقاتك وأيامك، وتحرق كل شيء في حياتك. كل الأشياء تصبح منطوية عليه. هو أمام عيني، ينام داخلي، وأستيقظ فيه. أنا ضائعة. الوقت كل الوقت له. وأنا لا أملك منه حلماً آخر لأعيد فيه تكويني!
استمرت في البكاء منطوية على نفسها. قالت لها أختها: ابكي، لا تخجلي من دموعك .
- أنا خجِلة مني أنا!
- تستحق مشاعرك التقديس، وعليه أن يدرك ذلك.
- ساعديني، كيف أمضي دونه!
- استلقي في سريرك ونامي. عليك أن ترتاحي قليلاً، وأن تنسي قليلاً.
@@@
انفردت بالغرفة وحدها. خلعت ثوبها، وفردته حيث يكون أمام عينيها مرآةً لقلبها. جلست من جديد إلى طاولتها. وضعت شريطاً لأغنية نجاة الصغيرة: متى ستعرف كم أهواك يا أملاً أبيع من أجله الدنيا وما فيها... رغم الغرفة المظلمة؛ إلا أن انقطاع الكهرباء أزعجها، لكنها استمرت بالغناء تُنصِتُ لصوتها الخارج من روحها والعبقُ فيه. ظلَّت تغني حتى تحوَّل الصوتُ إلى بحَّة متقطعة تصحبها الدموع.
@@@
بعد مراوحتها في تفكير طويل، قررتْ أن تُخبِرَه بكل ما لديها. ذهبتْ إليه بلهفة المشتاق، وبوجه باهت، ودون أن تأخذ منه موعداً مسبقاً.
في سيارة الأجرة بدأت تفكر بما ستقوله: لا أعرف من أين أبدأ، لكنني سأقول له كل ما في جعبتي. تعبتُ. سأحذّره من تعبي وأنني قد أسقط. سأخدّر جرحي حتى لا أنزف أمامه. لن أستطيع تحمّل المرأةَ فيَّ دون أن يعرف بها. دون أن يكتشفها. كيف لها أن تولد دونه؟ فليطردها من جسدي. فليصفق بابه خلفها. يهمّني أن أعود تلك الفتاة الساذجة التي لا يهمها النوم في سرير دافئ. ستعاقر خمرةَ عينيه، وتسترجع ذكريات مشتهاة، تنقضُّ على حافة يومياته. ستذكّرني امرأتي بذاك اليوم الذي تخدّرَت فيه أطرافها، قبيل ارتفاعها إلى السماء بقميص جسده. سأظل أذكّر نفسي أنه عليّ أن أكون حلماً لرجل مثله! .
@@@
صعدت الدرجات مترددة خائفة، وكلّما شعرت بترددها سارعت في القفز أكثر لتُزيح عنها الخوف بخطوة. رأته حين وصلت. باب الشركة الزجاجي المطلّ على بهو الاستقبال مفتوح. رأته من المدخل يدير ظهره، هناك، بينما يشرب كوباً من الماء ويترك بقيته كيفما كان. ثم رأته يبتعد دون أن يلحظ حضورها، ويدخل مكتبه الخاص، مغلقاً الباب خلفه.
ارتجف جسدها، وخفق قلبها. تلفتت حولها. لم تَرَ موظفة الاستقبال. تباطأت خطواتها. لم تستطع المتابعة. جلست على مقعد في البهو، وأتت على الكوب الذي شرب نصفه. أمسكت به أوّلاً، كأن أطرافها بردت، لكن حلقها جاف. قرّبت حافته إلى شفتيها، وأطبقت على الكوب تعبُّ منه، ثم تعيد إمساكه بكلتا يديها، كأنها تخشى سقوطه، وتعود لتعبَّ من طرفٍ آخر.
سمعت صوت موظفة الاستقبال وهي آتية من الخارج تتحدث على هاتفها النقال. سارعت بالمغادرة؛ إلا أنهما التقيتا وجهاً لوجه، فقالت لها الموظفة: أهلاً بك .
بادلتها الترحيب وظلت راكضة نحو المصعد. ليست مضطرة للإجابة عن أسئلة قد تطرحها.
ولم تقابله يومها.
@@@
في منزلها جلستْ إلى طاولتها المستديرة نفسها. أحضرت كوباً من الماء. نصفه فارغ: هل تركتَ النصف الآخر لي؟ هل انتظرتَ مجيئي؟ هل هو تخاطر ما، يجمعنا نحن الاثنين فقط؟ .
حضنت الكوب: دعني أسألك. هل هناك أسباب كافية لبقائنا أحياء؟ هل نختار لأنفسنا مثل هذه المعاناة؟ هل اختياراتنا حالة انفعالية؟ هل لديك طاولة مستديرة مثلي؟ لماذا تسرقُ مني ضحكتي وابتسامتي كلّما أردتها لك؟ تخطف حيويتي ونشاطي كلّما تحفّزتُ بك فأطيرُ لمرّة واحدة، عندما آتيك لأراك، وبقية أيام الأسبوع كَسَل وتثاؤب. أهو اللقاء الأول برجل؟ التقيتهم كثيراً، يشبهون الخطوط الحمراء، الألوان الداكنة. لكنك الوحيد الذي تطلّ على نافذة روحي، على شمس تضيء الربيع. الشمس لها شكل وجهك، دائرة كاملة .
أمسَكَتْ الكوب، شربت نصفه الملآن حتى آخر قطرة، وضعته نصب عينيها، ألقت برأسها على الطاولة تحدّق به باتساع وبلا رمشة عين. كانت تمدُّ يدها، تنقر الكوبَ بأظافرها بتواصل، وكأنها تنتظر مَن يفتح لها الباب.
@@@
أفاقت بجسد خاو؛ فقد أمضت ليلتها على الكرسي خلف الطاولة المستديرة. كانت تتأبط حُلمها، والكوب ما يزال بين يديها، ثم أفلتته وهي تتلفت حولِها. فكّرَت: هو الآن يستيقظ وقرص الشمس فيه. لماذا أظل في هذه العتمة؟ عليّ أن ألبس قميصاً ضيقاً، لكي لا أُشْرِكُ أحداً فيه .
أخرجت الطاولة من غرفتها. أمسكت بدميةٍ كثيراً ما ألفتها. حضنتها لتبدأ نوماً هادئاً.