المدونات في :

أرسل الإدراج التالي


اســمك مطلوب
بريدك الإلكتروني مطلوب
بريد صديقك الإلكتروني مطلوب
الرسالة 300 حرف كحد أعلى

محتويات الإدراج الذي تريد إرساله:
رائحةُ شياط

 
رائحةُ شياط
 
6.jpg
2008-11-14

منال حمدي - إلى الطبيبين كامل العفيفي ومنتصر البلبيسي

أتجهُ الآن مبكرة إلى المستشفى. الصباح يزفر معي ويترك أنّاته تسبح في ذرّات الهواء التي شممتها مرارا.
قال: غرف الدرجات الأولى والثانية والثالثة مشغولة، كلّها ، وأشارَ إلى الجالسين من المغتربين المرضى: هم أيضا مثلك. لا يوجد أسِرّة فارغة .
توجهتُ إلى غرفة الطوارئ وتهيأتُ لدخول عمليتي. لستُ وحدي مَن يتأهب لذلك؛ فهناك آخرون في غرفة العمليات: أطباء، تخديريون، ممرضون، مساعدون. كلهم يتأهبون معي للسبب نفسه، في يوم من الشهر، في ساعة محددة من النهار، وفي غرفة خاصة من الغرف.
ساقي مهمة كالدماغ، والقلب، والوريد الذي أتعاطى من خلاله الإبر المضادة للالتهاب. لكن، وبصدق، أصبحَت هذه الإبَر حميمة. فهي تسري في أوردتي سريان الدم في العروق! أنا أرى أنَّ الحياة لا تتوقف عندما يتوقف نبض القلب فقط. تتوقف الحياة، أيضا، عندما لا تعد الساق تتحرك. بالنسبة لي على الأقلّ.
 جبصين !.
ذُهلِت. كان أن تبعثرتُ متكسرةً، في عقلي وخيالي المضطرب، بين المستشفيات والفحوصات المخبرية وصور الأشعة والمراجعات والعيادات والصيادلة. كنت أكثر من مجنونة عندما رأيتُ ساقي محاصرة بإحكام، ترزح داخل هيكل من الجبصين السميك. هيكل بغيض في شكله، وثقيل على الروح. هيكل يلتفُّ حول ساقي اليمنى، ويمتد من أصابع القدم حتى أعلى الفخذ. ظننتُ للوهلة الأولى أن الثقل الذي في ساقي سببه تخدير العملية. واكتشفتُ أنَّ ما بين الصحو واليقظة هناك مئات الكوابيس، وحلما واحدا.
حلم يشبه الريش النفّاش عندما ينتثر في السقف. ينتثر ويتهاوى ببطء شديد على وجهي. لكنني بكيت. بكيت دون أن أدرك ماذا سيحدث لي بعد. ثم مسحتُ دموعي، فباغتتني رائحة كأنّها الشياط. أكلّما أبكي سأشتم الرائحة نفسها؟.
الآن أصحو وأستعيد وعيي تماما. أتأملني بفزع ومرارة، وأواصل البكاء. ثم أمسح دموعي بِكُمّ بيجامتي البيضاء المطبوعة بورود زهرية اللون..
***
الصوت آت بحضور واضح من جهة الباب. حاولتُ استحضار الصوت، فأنا أعرفه جيدا وإنْ كنتُ لا أتذكر صاحبه، ولا أستطيع رؤيته بسبب الستارة التي تحجب سريري. قال بنبرة مرتفعة، وقبل أن يصلني وأراه برفقة مجموعة أطباء خطواتهم لا تُسْمَع فوق الأرض المطاطية:.
 أين صديقتي ؟.
ربما أراد التخفيف عني لكآبةٍ حَدَسَ بها بسبب الجبصين. وقف ودودا ونظر إليَّ بعينين متوقدتين، وبروح مَرَحٍ يألفها أطباء يدخلون النفوسَ المتضعضعة بكلماتهم، مثلما يدخل مبضعهم اللحمَ ليصلح الجسد.
 لماذا كل هذا الارتفاع! للفخذ! وهذا السُمْك !، سألته بنبرة عَتَب، ولَوم، وبما يشبه الشجب.
لهذا الطبيب مهابة الأب، ومسحة البرجوازي النظيف. لكنه تابع:.
 عادةً لا أحضر إلى المستشفى يوم الجمعة. جئتُ لأجلك. أزلنا الصفيحة والبراغي. طبيبك المعالج للالتهاب انتظر حتى انتهينا من العملية، ليأخذ عيّنة بعد أن نظّفنا ساقك من الالتهاب .
- وهذا الطبيب أيضا له مسحة البرجوازي النظيف- وتابع: أعدكِ، إنْ لم يلتئم العظم كما نريد، بعملية أخيرة تلئمه !.
اكتفيتُ بابتسامة باهتة، وباستسلام مَن نفد صبره.
***
في واحدة من هذه الليالي التي قضيتها في المستشفى، جرّبتُ الإمساك بالليل كلّه دفعة واحدة. احتضنته وانسكبتُ فيه. سريري يشرف على الشارع الرئيسي للدوار الرابع. النافذة كبيرة تسمح لي بإطلالة تباعد بيني وبين جسدي، وتتيح فرصةً جيدة لتهدأ روحي. أعشقُ تلك الإنارات التي تضاعفُ الضوءَ داخلي، وتمحو خفوته. تتسحبُ انعكاساته بألوان متعددة دافئة. أقبلت الممرضة.
 أما تزالين مستيقظة! .
لم أجبها. مددتُ لها ذراعي لتحقنها بالإبرة الوريدية، ثم أعتمتُ الغرفة ثانيةً.
في الظلام أحيكُ إضاءات جديدة، ربما تنيرني لنفسي.
***
في حضن عمّان القزحي ترنحتُ بذكرياتي، يوم كان الخطو رشيقا وطافيا. يوم كانت قدماي تركضان تحت المطر وتتراشق من حولي المياه. لم أكن في كل المرّات أركض تحت المطر؛ بل كنتُ أيضا أسير تحته بتمهّل. كان ينساحُ باردًا في كل انحناءات جسدي، فأدعه مستسلمة لمسافات طويلة حتّى لا أصل المنزل باكرا. أعيد قطع المسافة لمرّات ومرّات، فأنا أحبني هكذا. ولمّا أصلُ، تنحسرُ عني موجة اشتعال المطر وتوقّده فيَّ. يبتعد الدفء وتلسعني البرودة، فأرتجف. أحاول تجفيف شعري وجسدي، ثم أستدفىء بجانب موقد النار.
بابتسامة مخنوقة تلمستُ سريري وساقي المُجَبْصَنَة. جلتُ بناظريّ في الغرفة التي لا تشبه غرفتي. سوى دفتر للكتابة وبعض الكتب على جانب السرير، لا شيء يشبهها. ربما للمطر الآخذ بصفع النافذة الآن فعله في إيقاظ شهية طمرتها كآبتي. قرأتُ وكتبتُ. وكنتُ كلّما قلبتُ صفحةً جديدةً، أجدني أبكي، ولكن من دون رائحة شياط هذه المرّة

آخر تحديث : 14-11-2008

 




"لا يتحمّل مكتوب أيّة مسؤوليّة عن المواد الّتي يتم عرضها و/أو نشرها في مدوّنات مكتوب. ويتحمل المستخدمون بالتالي كامل
المسؤولية عن كتاباتهم وإدرجاتهم التي تخالف القوانين أو تنتهك حقوق الملكيّة أو حقوق الآخرين أو أي طرف آخر."