المدونات في :

أرسل الإدراج التالي


اســمك مطلوب
بريدك الإلكتروني مطلوب
بريد صديقك الإلكتروني مطلوب
الرسالة 300 حرف كحد أعلى

محتويات الإدراج الذي تريد إرساله:
زائرة الليل الغريبة:الجزء الثالث

في صباح اليوم الثالث بعد زيارة الغريبة الأخيرة لي، كانت الأجواء في مدينتي كئيبة و هي

تتشح بأثواب الشتاء البالية ، و لا أعرف ما الذي جعل صدري يضجّ بشلال من الأحاسيس

الوطنية التي لم أجدها إلا منفسّة عن حبسها بخروجها من غرف القلب الواسعة بضيقها إلى

 لساني ،و لكن سرعان ما أدركت أن هذا الأخير عقد و لم يهنأ بموسيقاه التي كان ينشدها ، و

 في كل مرة كان يجرب فيها أن يشذو بغير الألحان الوطنية كان الصوت يطاوعه فكأنما هو

الشحرور مغردا.ـ

ساعتها تبادر إلى ذهني أن أحدهم يرسل لي ببرقية يبلغني من خلالها رغائب ذاتي الثانية المعلقة

في مكان ما .ـ

و عندما أسدل الليل ستاره الحالك المدلهم ، و مضى الناس إلى هجعتهم التي تطوي عليهم هموم

يوم آخر من حياتهم البائسة ، ولجت زائرتي غرفتي مجددا و هي تئن على جاري عادتها إنما

بوجه بشوش لا تخيفه عواصف الحياة، لاحظت أنها تحاول جاهدة تثبيت ذراعها و لم أستوعب

المشهد المضلل ذاك في بادىء الأمر ،فالتهيت عنه بكلامها : ـ

صوتك جميل و لكن ليس الإنشاد للوطن هو ما وجد له ، فإنه لا ينشد له إلا من يتيهون عن

 الكماليات و يكتفون بالجزئيات، لو كان في الإنشاد خير لكنت أسعد الناس و أنا أم كل

المنشدين  و المغنين الذين يتوجون أنفسهم ملوكا على عروش أوطانهم و هم جيف متطفلون

ينتظرون هبوب العواصف ويتركون أجسادهم دمى لجنونها ،فإذا بلغوا غاياتهم تفاخروا

بمثابرتهم و إصرارهم   على المضي بأحلامهم إلى آخر الطريق ،فيرون أنفسهم مقدسين و

تراهم أنفسهم موهومين ،أما العواصف فهي تلعنهم في غدوها و إيابها .ـ

لأول مرة بدا لي قولها مفهوما مجردا من كل تصنعات الكلام و تعقيدات السياسيين ، و غبطت

حجرات قلبي بذلك النصر الذي كللته فراستي بفهم رسالة الصوت الغائب تارة و الحاضر تارة 

أخرى ، اليوم خطوت أول خطوة لإدراك خفايا زائرتي .ـ

حدقت فيها بفرح و قلت : أجل، فالحب مقدس في القلب ،و القلب أبواب و منازل و هو واسع 

يتحمل الجميع ، و الحروف إذا تمردت في شؤون القلب و خرجت من حجراته الرحبة إلى

منزلقات اللسان تموت ، و من صارت الحروف التائهة عزاء له في الحياة فهو بغيض و جيفة

ولا يضم الجيفة إلا قبر مظلم .ـ

لقد بدأ عقلي الصغير يخط خارطة أفكاره ، و بدت زائرتي مرتاحة لولا شدها على ذراعها 

المتتالي ،لم أتمالك نفسي  و سألتها :ـ

أتؤلمك ذراعك ؟

فأجابت : ومتى لم تفعل ؟ و لكن قري عينا ،فما زالت أذرعي تولد لحظة قطعها .ـ

فسألت : أبك مرض أصاب ذراعك ؟

فقالت : إنهم أبنائي ينهبون أشلائي و أنا على قيد الحياة ليتاجروا بها ،إلا أنه لهم إخوة يداوون

نزبف جراحي الطاهرة فيظفرون بمباركتي .ـ

و ما إن أنهت قولها سقطت ذراعها فوق أرضية غرفتي العارية، فهلعت دون ان أنبس ببنت

شفة إليها بيد أنها تلاشت قبل أن أصل إليها ، نظرت إلى زائرتي فلمست في نظرتها  راحة 

يخيل إليك من سكناتها أنها خالدة  ليخيب ظنك مجددا عندما تصفعك الحسرات الرابضة في

ثناياها.ـ

و بسخط قلت :  قبح الله أبنائك من مجرمين ،أرجوا أن يعاقبهم الله على فعلتهم فيقطع أيديهم كما

قطعوا ذراعك .ـ

و قبل أن أنهي قولي ،وقفت زائرتي الغريبة باتجاه النافذة و الدم يقطر منها أودية تروي كل

مطامع الأشرار و تسقي أرواح مصاصي الدماء من أبناء أمتي، و قالت :إنك بريئة كوردة

جورية و أرجوا أن  يكافئك الله بحياة أبدية في جنانه و رياضه.ـ

و انسحبت إذاك بهدوء فيه وقار و رهبة متلازمان.ـ

  




"لا يتحمّل مكتوب أيّة مسؤوليّة عن المواد الّتي يتم عرضها و/أو نشرها في مدوّنات مكتوب. ويتحمل المستخدمون بالتالي كامل
المسؤولية عن كتاباتهم وإدرجاتهم التي تخالف القوانين أو تنتهك حقوق الملكيّة أو حقوق الآخرين أو أي طرف آخر."